عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

هدى سيد محمد: إشكالية التأخر الحضاري في الفكر العربي الإسلامي الحديث

دراسة تحليلية نقدية في تعدد المقاربات وتكاملها

يُعدّ سؤال: «لماذا تأخر المسلمون وتقدّم غيرهم؟» من أكثر الأسئلة إلحاحًا في الفكر العربي الإسلامي الحديث، إذ شغل بال المفكرين منذ القرن التاسع عشر، ولا يزال حاضرًا في النقاشات المعاصرة. وهو، في حقيقته، ليس سؤالًا مستحدثًا، بل يمتد في جذوره إلى التراث الفكري، ولا سيما عند ابن خلدون، الذي قدّم تحليلًا مبكرًا لظواهر العمران البشري، وديناميات النهوض والانهيار الحضاري، من خلال مفاهيم العصبية، والعمران البدوي والحضري، ودور العلوم والصنائع في تطور المجتمعات.

وفي سياق النهضة الحديثة، قدّم رفاعة الطهطاوي تصورًا للتقدم قائمًا على ثنائية التمدن المعنوي والمادي، كما عرض في مؤلفاته، حيث ربط بين رقي الأخلاق والعادات من جهة، والتقدم في المنافع العمومية والعلوم والصناعات من جهة أخرى، مؤكدًا أن العمل والمعرفة يشكلان أساس الحضارة. وفي الاتجاه ذاته، رأى علي مبارك أن اتساع دائرة العلم كان العامل الحاسم في انتقال أوروبا من التخلف إلى التقدم، وأن تراجع الأمة الإسلامية يعود إلى تراجع مكانة العلم وأهله، والانحراف عن المصالح العامة.

أما المقاربة السياسية، فقد تجلت بوضوح عند خير الدين التونسي، الذي ربط التقدم العمراني بتحقيق العدل والحرية، معتبرًا أن النهضة لا يمكن أن تتحقق دون إصلاح سياسي يحدّ من الاستبداد، ويؤسس لنظام قائم على القانون. وفي السياق نفسه، أكد عبد الرحمن الكواكبي أن الاستبداد السياسي يمثل العلة الجوهرية للتخلف، وأن التحرر منه شرط لازم لقيام مجتمع قائم على الشورى والتمثيل.

ومن منظور أخلاقي، قدّم مصطفى الغلاييني تفسيرًا يُرجع التخلف إلى فساد الأخلاق وضعف التربية، مؤكدًا أن ازدهار الأمم أو انحطاطها يرتبط ارتباطًا وثيقًا بمنظومتها القيمية. فالأخلاق، في تصوره، ليست مجرد بعد فردي، بل هي أساس البناء الحضاري، وشرط قيام مجتمع حيّ قادر على النهوض.

وفي محاولة أكثر شمولًا، خصّص شكيب أرسلان مؤلفًا كاملًا للإجابة عن هذا السؤال، حيث رأى أن الإسلام كان عاملًا رئيسًا في نهضة المسلمين، غير أن التخلف اللاحق لا يعود إلى الدين ذاته، بل إلى الانفصال عن تعاليمه وقيمه. وقد أرجع أسباب التأخر إلى عوامل أخلاقية، مثل الكسل والجمود وفقدان الحافز، وعوامل فكرية، كضعف العلم والانغلاق الذهني، داعيًا إلى استعادة روح العمل والاجتهاد.

أما مالك بن نبي فقد أجاب عن هذا السؤال موضحًا أن السبب الكامن وراء هذه الحالة يتمثل في غياب منهج واضح للإصلاح، وانعدام نظرية محددة المعالم من حيث الوسائل والأهداف؛ فلا توجد دراسة عميقة تحليلية لأمراض المسلمين الفكرية، ولا تصور دقيق للحلول والمقترحات الممكنة. وقد ركّز مالك في تحليله لهذه الأمراض على مستوى الفرد والمجتمع، دون أن يمنح الدولة أو الإصلاح السياسي القدر نفسه من الاهتمام، على خلاف ما نجده عند الأفغاني. ومن ثمّ، يؤكد ضرورة إزالة شوائب المجالين الفكري والروحي قبل الشروع في أي حركة إصلاحية؛ إذ أصبح الفكر الإسلامي، في نظره، كالحقل البور الذي نمت فيه نباتات طفيلية، مثل الذرّية، والنزوع إلى المديح، والجدل العقيم، والحرفية، والتشبث بأذيال الماضي.

وأوضح أن الإصلاح في الفكر العربي مرّ بعدة مراحل، لكل مرحلة منها رؤيتها الخاصة؛ فكانت المرحلة الأولى ذات طابع ثوري، تدعو إلى الهدم بغية إعادة البناء، وقد تمثلت في فكر الأفغاني. أما المرحلة الثانية، فهي مرحلة الفكر المنهجي، الذي يسعى إلى التشذيب، وتحرير النظام القائم من أوزار التقاليد، وفق منهج مرسوم يقوم على التمييز بين الخبيث والطيب، وهو ما نجده عند ابن باديس ومحمد عبده.

غير أن المصلحين أنفسهم أسهموا، بدرجة ما، في إرجاع الحركة الإصلاحية إلى الوراء؛ إذ ظل الجدل مسيطرًا على المناقشات الفكرية والأدبية، وانصرف الاهتمام إلى البحث عن البراهين الشكلية بدلًا من تقصّي الحقائق، مما أفقد الإنسان القدرة على تقدير الأمور تقديرًا سليمًا.

ومن ثم يرى مالك أن لثورة الإصلاح ثلاث مراحل رئيسة: مرحلة ما قبل الثورة، ومرحلة الثورة، ومرحلة ما بعد الثورة، ويطلق عليهم أيضًا: المرحلة التحضيرية، ومرحلة الإنجاز، ومرحلة الحفاظ على الخط الثوري. ويرتبط نجاح الثورة أو فشلها بمدى قدرتها على الحفاظ على مضمونها؛ إذ تُعد المرحلة الأخيرة الأهم، غير أن كثيرًا من الحركات الإصلاحية لا تبلغها، نظرًا لما تتعرض له من اختراق من قِبل أشباه الثوريين، الذين يسعون إلى توظيفها لتحقيق مصالحهم الخاصة. ومن هنا تبرز ضرورة الحذر من المرتزقة وخبراء إجهاض الثورات، مع أهمية الكشف عن الأخطاء وتصحيحها أولًا بأول.

كما يؤكد مالك أن سوء فهم الإسلام من قِبل المسلمين، أو سوء نقله من المجال العقدي الروحي إلى المجال التطبيقي الاجتماعي، كان ولا يزال يمثل إشكالية جوهرية. فهو يرى أن الإسلام ليس عائقًا أمام التقدم، كما يُشاع، بل هو دين شامل يحمل في طياته طاقة دافعة نحو الرقي والازدهار، بما يتضمنه من منظومة قيم وقواعد تنظم حياة الفرد والمجتمع. غير أن المأساة الحقيقية تكمن في طبيعة علاقة المسلم بالإسلام؛ فهي علاقة مزدوجة: روحية واجتماعية. ففي حين تبدو العلاقة الروحية قوية ومتماسكة، باعتبارها قائمة على يقين راسخ، تعاني العلاقة الاجتماعية من خلل واضح؛ إذ يظهر نوع من الانفصام في السلوك، حيث يلتزم الفرد بالشعائر الدينية، كالصلاة والصيام والزكاة والحج، لكنه في المجال الاجتماعي ينقاد لضغوط الواقع المادي وانحرافاته، فضلًا عن تأثير التوجهات السياسية والدولية التي تُسخّر الفكر والإرادة في اتجاهات معينة.

ويتجلى هذا الخلل في إهدار الوقت والجهد في مناقشة قضايا فقهية أو كلامية لا تمسّ الواقع، أو في الانشغال بمباحث فلسفية تجريدية، مثل مسألة قِدم العالم وحدوثه، في مقابل إهمال قضية تطوير الثقافة الإسلامية لتتحول إلى نمط اجتماعي عملي. ومن ثمّ، يخلص مالك إلى أن القصور لا يكمن في الإسلام ذاته، بما يحمله من ثوابت صالحة لكل زمان ومكان، بل في سوء فهمه أو ضعف تفعيله في الواقع.

وانطلاقًا من هذه الرؤية، أقام مالك فلسفته الإصلاحية، مؤكدًا أن أي مشروع إصلاحي حقيقي يقتضي تصفية العادات والتقاليد، وتنقية الإطار الخلقي والاجتماعي من العوامل السلبية والميتة التي تعوق النهوض، حتى يتهيأ المجال للعوامل الحية الدافعة نحو الحضارة. ولا يتحقق ذلك إلا من خلال فكر جديد قادر على تفكيك البنية الموروثة عن مرحلة التدهور، والسعي نحو بناء وضع حضاري جديد. وبناءً عليه، فإن تجديد الأوضاع يقتضي مسلكين متكاملين: أولهما مسلك سلبي يقوم على الانفصال عن رواسب الماضي، وثانيهما مسلك إيجابي يهدف إلى الارتباط بمقومات الحياة الكريمة.

ويلتقي هذا التصور مع ما ذهب إليه الغلاييني من ضرورة تقديم الإصلاح الأخلاقي على الإصلاح السياسي، إذ لا يمكن لأي نظام سياسي متقدم أن ينجح في مجتمع لم تُهيّأ بنيته الأخلاقية والاجتماعية لاستقباله. فالإصلاح، في هذا المعنى، هو عملية تدريجية تبدأ بتغيير الإنسان، قبل تغيير المؤسسات.

وانطلاقًا من ذلك، يمكن القول إن مختلف هذه المقاربات—على تباينها—تتفق ضمنيًا على أن التخلف ليس نتيجة عامل واحد، بل هو حصيلة تفاعل معقد بين عوامل أخلاقية، وفكرية، وسياسية، واجتماعية. كما تتقاطع في التأكيد على أن أي مشروع نهضوي لا يمكن أن ينجح دون تأسيس قاعدة قيمية صلبة، تجعل من الإنسان محورًا للإصلاح وغايته في آنٍ واحد.

وعليه، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في تشخيص أسباب التأخر فحسب، بل في القدرة على تحويل هذا التشخيص إلى مشروع عملي متكامل، يربط بين إصلاح الفكر، وبناء القيم، وتطوير المؤسسات، بما يحقق نهضة شاملة ومستدامة.

***

ا. د. هدى سيد محمد