ليست كل الحركات التي يؤديها الإنسان عفوية كما تبدو. فالجسد، في لحظات بعينها، يتكلم بلغة أصدق من الكلمات، ويعترف بما تعجز عنه الشفاه. وما من هيئة أكثر بلاغة من وجه يستند إلى كف، كأن الإنسان في تلك اللحظة يعيد حمل نفسه بنفسه، بعدما أثقلته ألحياة بالكثير
إن اتكاء الوجه على الكف ليس علامة تعب فحسب، بل هو وضعية وجودية.. لحظة يتوقف فيها الصخب الخارجي ليبدأ الضجيج الداخلي. هناك، عند التقاء الملامح براحة اليد، ينكمش العالم إلى مساحة صغيرة، وتصبح الكف وطنا مؤقتا يأوي إليه العقل حين يتشرد، والقلب حين يضيق به اتساع الحياة.
في تلك الهيئة، لا يكون الإنسان جالسا أمام العالم، بل جالسا أمام ذاته. يراجع ما انكسر، ويستحضر ما غاب، ويحاور ما استعصى عليه فهمه. وكأن اليد لا تحمل الرأس وحده، بل تحمل أثقال الأعوام، وخيبات الأحلام، وأسئلة لم تجد بعد إجاباتها.
أحيانا نتكئ لأن الجمال نفسه يفوق قدرتنا على الاحتمال. فليست الدهشة أقل ثقلا من الحزن، وليس الفرح العظيم أقل إنهاكا من الألم العميق. هناك مشاهد تفيض من معناها حتى تضيق بها الحواس، فنلجأ إلى أكفنا لا لنستريح، بل لنحتمي من فيض الشعور. فكما أن العين قد تدمع من الوجع، فإنها قد تدمع أيضا من فرط الجمال.
ولعل اليد، منذ الطفولة، كانت أول ما عرفناه من معاني الأمان. بها احتضنتنا الأمهات، وربت الآباء على الأكتاف، وصافحنا الأحبة، ولوحنا للراحلين. لذلك حين نضع وجوهنا عليها، فإننا نستدعي، دون أن نشعر، ذاكرة الطمأنينة الأولى؛ كأن الإنسان، كلما أرهقه العالم، عاد يبحث عن حضنه الأول، ولو كان ذلك الحضن هو كفه.
وفي التأمل العميق، تبدو هذه الحركة وكأنها مقاومة هادئة للانهيار. فالإنسان لا يضع وجهه على يده لأنه استسلم، بل لأنه يؤجل السقوط. إنه يمنح روحه مهلة قصيرة لترتب فوضاها، ولتعيد إلى أفكارها نظامها، وإلى قلبها نبضه المتزن. فالكف ليست مجرد سند للرأس، بل دعامة للروح وهي تعبر جسور القلق.
وحين يسرح الخيال، تتوارى الحدود بين الواقع والحلم. يصبح الوجه المتكئ نافذة مفتوحة على عوالم لا يراها سواه.. يستعيد وجوها أحبها، وأمكنة فقدها، وأياما لم تكتمل، ومستقبلا لا يزال ينسجه بخيوط الرجاء. فكم من فكرة عظيمة، وقرار مصيري، وقصيدة خالدة، واعتراف مؤجل، ولد في تلك اللحظة الصامتة التي اتكأ فيها الوجه على الكف.
ربما لهذا السبب اقترنت صورة الفيلسوف دائما بالتأمل. فمنذ تمثال المفكر لأوغست رودان، الذي جعل اليد سندا لرأس مثقل بالأسئلة، أصبح اتكاء الوجه على الكف رمزا للوعي الإنساني وهو يصارع الوجود.
لهذا لا ينبغي أن نقرأ هذه الهيئة كعلامة كسل أو شرود، بل بوصفها لحظة يتصالح فيها الإنسان مع هشاشته. فالذين يملكون شجاعة التأمل، يدركون أن القوة لا تعني أن نبقى واقفين دائما، وإنما أن نجد في لحظة الاتكاء ما يعيد إلينا القدرة على الوقوف من جديد.
وهكذا، يظل الوجه المتكئ على الكف صورة تختصر الحكاية الإنسانية كلها.. مخلوق محدود يحمل أسئلة لا حدود لها.. وروحا تبحث عن يقين في عالم يزداد غموضا. وما بين الكف والملامح، يولد ذلك الصمت النبيل الذي لا يقول شيئا، لكنه يكشف كل شيء. ففي بعض الأحيان، لا يكون الاتكاء على اليد تعبيرا عن التعب، بل إعلانًا صامتا بأن الإنسان ما زال يفكر، وما زال يحلم، وما زال يقاوم التلاشي بفعل التأمل
***
ابتهال عبد الوهاب








