قضايا
عدنان عويّد: محنة العقل والنقل بين المأمون والمتوكل
ظلت مسألة الصراع بين العقل والنقل قائمة منذ استلام الأمويين السلطة وفرضهم سياسة الجبر على الرعيّة حتى وصول المأمون إلى الخلافة.. ففي هذه الفترة (198-218هـ)، أي عصر الخليفة المأمون كانت الصراعات تدور داخل الخلافة بين تيارات سياسية متنوعة، أبرزها: البيت العباسي (المتنازع بين المأمون والأمين)، والعلويون (الطالبيون) الذين قادوا ثورات متعددة ضد الخلافة العباسيّة، فحاول المأمون استمالتهم بتعيين الإمام "علي بن موسى الرضا" (الإمام الثامن عند الشيعة الإماميّة)، وليّاً للعهد، وكان هناك الفُرس الذين شكلوا قوة عسكريّة وإداريّة داعمة، وكذلك المعتزلة الذين سيطروا على مفاصل الدولة وتبنوا فكر خلق القرآن، بالإضافة إلى الخرميّة (بابك) والدول المستقلة (الأدارسة والأغالبة).
ونظراً لسيطرة المعتزلة على مفاصل الدولة ولما يعتقدونه من دور للعقل ومكانته في تفسير وتأويل النص الديني، والايمان بحريّة الإرادة الإنسانيّة في تحقيق العدل والمساواة بين الناس. جاء مرسوم الخليفة المأمون عام 212 للهجرة الذي اعتمد فيه العقل وسيلة في تفسير القرآن وتطبيق شريعة الله على الرعيّة. وقد جاء في هذه المرسوم المتعلق بخلق القرآن:
(إن من حق الله على أئمة المسلمين وخلفائهم في إقامة دين الله الذي استخلفهم، ومواريث النبوة التي أورثهم، وأثر العلم الذي استودعهم، والعمل بالحق في رعيتهم. وقد عُرف أمر المؤمنين بأن الجمهور الأعظم والسواد الأكبر من حشو الرعيّة، وسفلة العامة ممن لا نظر له ولا رؤية ولا استدلال له بدلالة الله، والاستضاءة بنور العلم وبرهانه في جميع الأقطار والآفاق، وأن أهل الجهالة بالله، الذين عميت بصيرتهم وضلوا عنه وعن حقيقة دينه وتوحيده، قد نكص إيمانهم عن واضحات إعلامه وواجب سبيله، وقصور من أن يقدروا الله حق قدره، ويعرفونه كنه معرفته، ويفرقون بينه وبين خلقه لضعف آرائهم ونقص عقولهم وجفائهم، فأطبقوا مجتمعين واتفقوا غير متعاجمين على أن القرآن قديم أول، لم يخلقه الله ويحدثه ويخترعه. وقد قال الله تعالى في محكم بيانه: (إنا جعلناه قرآناً عربيّاً). فكل ما جعله الله فقد خلقه.).(1).
إن في هذا الموقف السياسي للمأمون، يتبين لنا ذاك التحول العميق في قضيّة انتشار حالات الجدل والنقاش بين أهل القدر وأهل الجبر – بين أهل العقل وأهل النقل - من جهة. ومن جهة أخرى يتبين لنا أيضاً التحام هذا الفكر بتياريه في السلطة بشكل مباشر إن كان بشكله الجبري المعتمد على النقل زمن الأمويين والربع الأول من الحكم العباسي، أو بشكله القدري عند استلام المأمون الخلافة، وهو الذي اعتمد العقل بدل النقل وشكلت محاكم للتفتيش لتحاسب من يقول بالنقل ويرفض العقل، فكانت محنة "ابن حنبل" أحد أوجه تطبيقات هذه المحاكم.
بعد استلام "المتوكل" الخلافة (232-247هـ/ 847-861م)، كان القادة العسكريون الأتراك هم من سيطر فعليّاً على الخلافة العباسيّة، وحيث امتدت سيطرتهم على الجيش ومقاليد الأمور في سامراء. ورغم محاولات المتوكل تقليص نفوذهم، إلا أنهم ظلوا القوة الفعليّة، وانتهى الأمر باغتيالهم له بتحالف مع ابنه المنتصر.
مع بداية استلام الخليفة المتوكل الخلافة عام232هـ، وبضغط من القادة العسكر الأتراك، إصدار فرمانه القاضي بمحاربة الفكر القدري/ المعتزلي والعمل بالجبر، حيث جاء في مضمونه كما يذكر المؤرخ المسعودي: (بأن السلطة تمتلك صلاحيات واسعة بالنهي والأمر عن ممارسة التعقل والاجتهاد (النظر والمباحثة)، ويأمر بالجبريّة والتبعيّة (التسليم والتقليد). ثم أمر المحدثين بالتحديث وإظهار السنة والجماعة ووضعها أمام العقل والتعقل وحريّة الرأي والإرادة). (2).
مع هذا المرسوم أعلن الخليفة "المتوكل" تاريخ ترك النظر، أي إنهاء دور العقل وتحطيمه. وهذا مؤشر واضح على حالة الصراع السياسي الذي كان يدور على السلطة بين أهل النقل وأهل العقل من جهة، ومؤشر واضح أيضاً على أن القضايا الفكريّة وبخاصة الفلسفة وعلم الكلام، بدأت تأخذ دورها وتأثيرها على عامة الناس واستقلاليتها النسبيّة كحالة ثقافيّة فكريّة تبحث في بنية النص الديني والغوص في جوهره لكشف الكثير من الدلالات المسكوت عنها وخاصة عند أهل العقل من الفلاسفة والفقهاء المسلمين، وأهمها حريّة الإنسان وإرادته وتحكمه بمصيره. وهذا الأمر وجدت فيه القوى الدينيّة السلفيّة والسلطة الحاكمة التي يهمها تبرير وجودها عبر مسألة الجبر أمراً خطيراً يهدد وجودها وينسفه بالكامل. وهنا تعمقت المصالح المشتركة ما بين الدين والسياسة بشكل ممنهج بعد (محنة) "ابن حنبل" حيث أعطي تياره كل الصلاحيات من أجل إعادة ترتيب بنية العقل لدى الرعيّة، وفق ما تريده السلطة وهو خضوع الرعيّة لها وإيمانها أو اعتقادها بأن هذه السلطة أمر مقدر عليها، وبالتالي عليها الخضوع والطاعة وعدم الخروج على الحاكم حتى لو كان فاسداً أو ظالماً.
كتابة السنة وتأصيلها من الجرح والتعديل إلى الفقه:
تعتبر ظروف كتابة النص النهائي للسنة من أخطر الأحداث أثراً في التاريخ الإسلامي كله، حيث كتب في غضون الفترة التالية للانقلاب السني (بيان أو مرسوم الخليفة "المتوكل" عام 232 هـ )، كما بينا قبل قليل أعلاه، وقد كتب على يد أهل الحديث، وفي ظل أجواء من العصبيّة والتعصب، بل وتحت ظل محاكم للتفتيش صاحبت حمى الانتقام التي فرضت على المعتزلة والقدريّة وأهل الرأي عموماً. الأمر الذي ترك أثره واضحاً على تقويم الرجال ممن حضر محنة الخلق – أي خلق القرآن - وممن لم يحضرها. فهذا "ابن حنبل" راح يمارس (الجرح والتعديل) على كل من عاصره وعاصر محنته، كما راح يقر الخط النهائي للسير في طريق الجبريّة، حيث يقول عندما سئل: (إذا كان هناك شخصان، شخص حضر المحنة وامتحن من قبل السلطة لمسألة خلق القرآن، وشخص لم يمتحن، فأيهما يكون إماماً ؟. قال: من لم يمتحن .). (3).
ما نريد قوله في هذه لمسألة أخيرا: إن الانقلاب الانتقامي الذي قام به ألخليفة "المتوكل" سنة 232هـ،، قد مكن أهل الحديث ووفر لهم الجو من التفرد بكتابة الحديث أو تدوين الإسلام. أي كتابة تصورهم لمفهومي الخاص للإسلام، ثم طرحه باعتباره الطرح الإسلامي الملزم. ففي غضون الفترة المباشرة التالية للانقلاب السني، فرغ أهل الحديث من تفعيل النص النهائي للسنة (الحديث) سنداً ومتناً، فظهرت كتب الحديث الستة الشهيرة وهي: (صحيح البخاري المتوفى سنة 256 هـ. وصحيح مسلم . المتوفى سنة 262هـ . وكتاب الحديث لابن ماجة المتوفى سنة 273هـ. وسنن أبي داوود المتوفى سنة 275هـ. و كتاب الترمذي المتوفى سنة 279هـ. وكتاب النسائي المتوفى سنة 303). وقد اكتسبت كتب الحديث هذه وخاصة مسلم والبخاري صفة المصداقية المطلقة في كل ما ورد فيها من حديث.
أما مسألة عمليّة التدوين على مستوى الفقه السني، فقد جاءت مع "الشافعي" فهو من أسس لأصول الفقه السني، ثم جاء "الأشعري" المتوفى سنة 324هـ فثبت المنظومة السلفيّة عبر صياغة كلاميّة للمفاهيم الأساسيّة التي طرحتها هذا المنظومة على مستوى المنهج. وفي تلك الفترة من الصراع بدأت تؤلف أيضاً أهم كتب الجرح والتعديل التي وضعها أهل السنة والجماعة، فراحوا عبرها يقوّمون من خالف أهل الحديث من المعتزلة والشيعة وكل من قال بالرأي وحرية الإرادة. فكان اقل ما قيل بحقهم: أنهم ضالون. (4).
ملاحظة يظل السؤال المشروع يطرح نفسه علينا هنا وهو: هل يوجد في النص القرآني نصاً فيه قطع الدلالة على اعتماد النقل دون القل؟.
***
د. عدنان عويّد
كاتب وباحث وناقد ادبي من سوريا
................................
1- الطبري – مرجع سابق – ج7- ص217- 218
2- ضحى الإسلام – أحمد أمين- ج3- ص 199.
3- احمد أمين – ضحى الإسلام- مرجع سابق- ص 169.
4- السلطة في الإسلام – عبد الجواد ياسين- مصدر سابق- ص 153-154 .






