عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

حاتم حميد محسن: مشكلة الذكاء الصناعي

التركيز على الدماغ وتجاهل الجسد

يرى الخبير الرقمي اليساندرو كولاروسي ان الذكاء الاصطناعي يواجه خطر الوصول الى طريق مسدود. عالِم الظواهرية الفرنسي موريس ميرلو- بونتي (1908-1961) ادّعى انه لكي نفهم الوعي البشري نحتاج للتركيز على "المركز الحي للتجربة"(1) lived body وعلاقته بالعالم. باختصار، الفكرة هي انه بدلا من مواجهة العالم بشكل من "أحاسيس خام"، فان البشر يرون الأشياء باعتبارها تمثيلات ندركها تحديدا من خلال أجسادنا اثناء تفاعلها مع العالم. في هذا المقال سوف نستطلع مفهوم ميرلو بونتي للتجربة الذاتية بهدف فهم ما يُقال عن الذكاء الاصطناعي – الموضوع الذي يركز أساسا على تطوير أنظمة حاسوبية قادرة على أداء مهام تستلزم القدرات الذهنية للكائن البشري. طبقا لفهم ميرلو بونتي للخبرة الذاتية وآليات الادراك، فان الذكاء الاصطناعي محكوم عليه بالفشل لسببين أساسيين:

1- المحاكاة لا يمكن ان تمتلك نفس النوع من التفاعل الهادف مع العالم الذي يمكن ان يخوضه كائن واع متمتع بجسد، وان غياب مثل هذا التفاعل يعني غياب أساسي للذكاء.

2- السبب الثاني وربما الأهم، ان التوضيح الاختزالي للذهن كما جاء في بحوث الذكاء الصناعي ببساطة لا يرسم صورة دقيقة لما يُدرك، ويُمارس ويُستشعر بواسطة عقل مندمج داخل جسد مجرّب. وهكذا، لا يمكن تطوير الذكاء الصناعي بمجرد الهندسة العكسية للدماغ، ولا يمكن ايضا ان يعمل في بيئة مجردة من الجسد كما سنرى.

ان المركز الحي للتجربة او الجسد الحيوي هو علاقة بين الجسم والعالم الخارجي نكون بواسطتها قادرين على التأمل والذكاء. مارلو بونتي يؤكد ان المركز الحي للتجربة واع بعالم يحتوي على بيانات بحاجة للتفسير، مثل أشكال ومعاني مباشرة. احد مظاهر المركز الحي الذي يحلله بونتي هو دور التجربة الحسية، ويبدأ بحقيقة بديهية ان افكارنا هي نتاج لتفاعل الجسم مع العالم الذي يعيش به. وتحديدا، هو يعلن ان الشخص المدرِك "يعرض نفسه مع عالم بوصفه معطى جاهزا، كونه مسرحا لكل حدث ممكن، ويعامل الادراك كواحد من هذه الأحداث" (فينومينولوجيا الادراك،1962،ص 240).

يبدأ بونتي استطلاعه لمفهوم االمركز الحي للتجربة عبر تذكيرنا ان الادراك هو المكوّن الرئيسي لحياتنا في العالم، لكن المهم هو كيف ندرك. بالنسبة له، ان العالم الخارجي تتم ملاقاته، وتفسيره وادراكه بواسطة الجسم، عبر مختلف اشكال الوعي الانغماسي العميق الذي يتم من خلال الفعل. فمثلا، تتجلى جودة اللون في التجربة من خلال نمط سلوكي محدد من جانب الجسم، وتحديدا العين، الموجّهة نحو اللون. في حالة العين، خلايا معينة حساسة للالوان تُحفّز في الشبكية: تفاعل. وحول تجارب حسية أخرى وعلاقتها بالعالم، يكتب بونتي انه "بافتراض وجود العالم الموضوعي، يُفترض انه ينقل الى أعضاء الحس رسائل لابد من تسجيلها ثم فك شفرتها بطريقة تعيد فينا انتاج النص الأصلي. (فينومينولوجيا الادراك،ص7). طبقا لبونتي، هناك ارتباط مستمر بين المحفز الأصلي للعالم الخارجي وتجربتنا الادراكية الأولية له .

ماذا عن ادراكنا للاخرين؟ يكتب مونتي،"وعي الآخر يمكن استنتاجه فقط عندما تُقارن وتُحدد التعبيرات العاطفية للاخرين ، ويتم تمييز ارتباط دقيق بين سلوك الشخص الفيزيقي وتجاربه في الاحداث الخارقة"(ص 410). لذا نحن ندرك عقول الاخرين من خلال التعرف على سلوكنا الخاص نحوها. في الحقيقة، بالنسبة لبونتي، التفاعل مع الاخر يسمح بتطوير الذات. وفي معرض توضيحه لهذه العلاقة، هو يكتب ان "ما تعلمناه في مجال الادراك الفردي هو ان لا تُعتبر وجهات نظرنا كأطراف مستقلة عن بعضها، نحن نعرف انها تنزلق داخل بعضها البعض"(نفس المصدر).

كل شخص بحاجة الى تفاعل

رؤية بونتي جرى قبولها وتعزيزها من جانب علماء الادراك مثل ساندرا و ماثيو بليكيسلي، الذي يكتب بان "المعنى يتجذر في الفرد (المقدرة على التصرف والاختيار)، والفرد يعتمد على التجسيد. في الحقيقة، هذا هو الدرس المكتسب بشق الأنفس والذي في النهاية بدأ مجتمع الذكاء الصناعي استيعابه بعد عقود من الإحباط: لا شيء ذكي حقا سيتطور في حاسوب بلا جسد. في الحياة الواقعية لا وجود لشيء كوعي متحرر من الجسد"(الجسم يمتلك ذهنه الخاص به، 2008،ص12).

يعرض علماء الادراك التجربة الفكرية التالية لتوضيح أهمية المركز الحي للتجربة لبونتي:

"لو كنت تحمل معك حيوان ثديي صغير مثل هر صغير اثناء الشهور الأولى لتطور دماغه، وتسمح له برؤية كل شيء في بيئته لكن لا تسمح له ابدا التحرك بمفرده، هذا المخلوق السيء الحظ سينتهي به المطاف كفيفا مدى الحياة . ومع انه سيكون قادرا لتصور مستويات من الضوء واللون والضلال – القدرات الأساسية والمتأصلة في النظام البصري – لكن ادراكه العميق وتمييزه للأشياء سيكون سيئا للغاية. عيونه وأعصابه البصرية ستكون عادية وسليمة بشكل مثالي، لكن نظامه المرئي العالي سيكون عديم الفائدة".(ص 12-13).

بدون وصول مجسّد للبيئة، فان القط لا يستطيع تطوير نظامه العصبي بشأن الاستجابات الملائمة للمحفزات الخارجية. اذا كان هذا صحيحا، فهو يقترح ان آمال الذكاء الصناعي  (خلق محاكاة كومبيوتر او خوارزم معقدة جدا لدرجة ان تكون واعية) محدودة جدا لسببين رئيسيين:

1- ان الذكاء الصناعي، اذا كنا نعني به ذكاء محاكاة كومبيوتر متقدم، لا يحوز على القدرات المطلوبة للتفاعل البنّاء. أي، رغم ان الكائن البشري قد يتفاعل مع هكذا كومبيوتر، فهذا لا يعني ان  الانسان بهذا يساعد في خلق التقدم في المحاكاة فكريا. فيلم الفيديو الشهير The Sims (لعبة محاكاة الحياة) يوضح ما نعني بهذا. لاعب اللعبة يبني عالما صغيرا تقطنه شخصيات محاكية تشارك بمختلف أنواع التفاعلات مع بعضهم البعض، تنام، تأكل، وحتى تمتلك أهدافا وتذهب للعمل. مع ذلك، سيكون منافيا للمنطق السليم القول ان هكذا محاكاة يمكن اعتبارها تجسيدا فعليا للعالم. عند لعب اللعبة، يصبح ظاهرا بسرعة ان سيمز الصغير هو فقط "يعمل من خلال الحركات"، وان كل مظاهر القصدية والسلوك الموجّه نحو هدف هو فقط مظهر. وبتحديد اكثر، لا وجود هناك لتفاعل ضمن اللعبة عدى جعل الشخصيات ينفذون الخطوات التي جرت برمجتهم فيها. البرنامج لا يتعلم من أي تفاعل مع العالم. مثل القطة المحتجزة، لا فرصة يمكن ان تتعلم فيها الشخصيات. لذلك، خلف سطح المحاكاة، لاشيء – لا حياة داخلية، لا أفكار، لا وعي.

2- السبب الثاني لماذا الذكاء الصناعي لا ينجز ابدا وعيا هو انه لا يستطيع محاكاة الادراك، وانه لم ولن يمتلك القدرة على هذه المحاكاة بدون جسم يحتوي تجربة ذاتية باطنية. فمثلا، التجربة البصرية، هي اكثر من مجرد عملية ميكانيكية لتسجيل تأثيرات الفوتون. الكائن البشري يعرف ماهية رؤية لون ما كاللون الأحمر – ضمن سياق معين، وهو امر تعجز خوارزميات الذكاء الصناعي المحاكية عن تحقيقه.

فلاسفة مثل باتريشا تشرشلاند Patricia Churchland و دانيال دينيت يثيران معارضة لهذا الخط من التفكير، يجادلان انه اذا كان الذكاء يمتلك معرفة بكل الحقائق الفيزيائية، عندئذ سيعرف ماهية اللون الأحمر،مثلا. بكلمة أخرى، لا ينطوي الوعي الواعي على شيء يتجاوز معرفة الحقائق وتمثيلها في نظام لمعالجة الرموز. في الاستجابة لهذه الرؤية، الظواهيري ارثر ميلنك يقول ان منظور شيرشلاند و دينيت يعتمد على وجود توصيف ظاهراتي يمكن ان تدركه عملية فيزيائية او تتوافق معه (الفينيمولوجيا والواقع الفيزيائي للوعي،2011،ص 108)،وأيضا يذكر انه "اذا كانت ماهية اللون الأحمر – من منظور الظواهيرية – عصية على الوصف (ليس فيها توصيف ظاهراتي جوهري سوى خوضنا للتجربة وكونها تبدو على ذلك النحو)، عندئذ ومهما بلغت درجة اكتمال معرفة المرء بالفيزياء لن يكون بوسعه اطلاقا ان يدرك كنه اللون الأحمر او طبيعة الشعور به). بكلمة أخرى، هو يدّعي ان المرء سوف لن يعرف ابدا الطبيعة التجريبية لشيء يشبه الأحمر بدون ممارسته حقا: المعرفة في حقائق حول اطوال موجية، لا تكفي لأنك لايمكنك اختزال طبيعة هذه التجربة في أي نوع من وصف الحقائق. لذلك فان الخصائص الظاهراتية للوعي المجسد لا يمكن استنساخها في أي شكل اصطناعي فقط عبر برمجة حاسوب معين بحقائق.

خلاصة

الهدف من هذا المقال ليس لغرض الحط من قدر حقل الذكاء الصناعي المتنامي بسرعة. بالعكس، الباحثون صنعوا اختراقات مذهلة، مثل كتابة برامج يمكنها هزيمة أساتذة الشطرنج الكبار، او تطوير خوارزميات تتيح استرجاع البيانات بسرعة فائقة، ومهمات أخرى مفيدة للإنسانية. ما نود الإشارة اليه هو انه اذا كان بونتي صائبا بان التجسيد سمة أساسية في تطوير تجربة ذات معنى، عندئذ فان حقل الذكاء الصناعي لايمكنه بأي حال ان يأمل في محاكاة الوعي بمجرد تطوير الخوارزميات. يمكننا القول ان  ذكائنا، وحتى تجربتنا، ليست فقط نتاجا لدماغنا، وانما هي أيضا نتيجة لفعل أدمغتنا في العالم المادي. الذكاء الصناعي محكوم عليه بالفشل كمحاولة لمحاكاة الذكاء البشري من حيث افتقاره لعناصر تستجيب للمركز الحي للتجربة. السبب الأول والأعظم أهمية لفشل الذكاء الصناعي هو الافتقار الى تفاعل مشابه للإنسان. الخوارزميات المتجسدة في الكومبيوتر يمكن ان تكون معقدة جدا لخلق مظهر لسلوك ذكي (كما لوحظ في فيديو اللعبة) بدون بيانات تجريبية مصاحبة لوعي حقيقي والذي يسمح بتطوير تفاعل الذهن الإنساني. هذا يشير الى ان الذكاء الحقيقي والذكاء المحاكى ينتميان الى فئتين مختلفتين جوهريا. الذكاء المحاكى ببساطة يتبع برمجته، وهو خلافا للذكاء الحقيقي، لا يمتلك صوتا باطنيا. لهذا هو لايستطيع التفكير، ولا يستطيع ان يتلقى تغذية واعية من التفاعل بين العالم والجسم.

تنطوي محاكاة الذكاء البشري على ما هو اكثر بكثير من مجرد محاولة نسخ العمليات الفيزيائية للدماغ. في أفضل حالاته، يمكن للذكاء ان يحاكي مظهر السلوك البشري بدقة متناهية بحيث لا يستطيع الانسان التمييز بين الانسان والحاسوب. ومع ذلك، لن يكون بوسعه محاكاة التجارب الظواهيرية للمركز الحي للتجربة وان أي محاولة للقيام بهذا ستكون فقط محاكاة أخرى.

***

حاتم حميد محسن

........................

الهوامش

(1) مفهوم االمركز الحي للتجربة يشير الى تجربة الشخص الذاتية في كونه مادي، بدلا من التعامل مع الجسد فقط كشيء. انه يؤكد على كيفية الادراك والشعور والتصرف في العالم من الداخل الى الخارج، مدركا المعنى خلف الوجود المادي للمرء. في الظواهيرية، يتم التمييز بين الجسم الموضوعي the objective body وهو البناء البايولوجي الفيزيقي الحي و المركز الحي للتجربة the lived body وهو الجسم الواعي المجرّب. كيف تشعر بدقات القلب، تحس بالألم او الإبحار في الفضاء، انت لا تمتلك فقط جسما وانما تمارس ذاتك بجسمك.

في المثقف اليوم