لم تكن المكانة الاجتماعية الرفيعة التي حظي بها الكاتب في روسيا، في العهدين القيصري والسوفيتي، وليدة تقدير المجتمع للأدب وحده، بل كانت أيضاً ثمرة الظروف التاريخية القاسية التي عاشتها الأغلبية الساحقة من الشعب الروسي. ففي مجتمع ارتفعت فيه نسب الأمية في القرن التاسع عشر، ثم عانى الفقر والاستبداد والرقابة السياسية، أصبح الأدب نافذة نادرة للتأمل في قضايا الإنسان والمجتمع، ومتنفساً فكرياً وروحياً يعوض غياب كثير من وسائل الترفيه والتعبير الحر. ولهذا لم يكن الروائي أو الشاعر مجرد صانع للجمال، بل اضطلع بدور الناقد الاجتماعي، والمفكر الأخلاقي، و«معلم الحياة»، حتى إن النقاد الروس درجوا على وصف الأدب بأنه «ضمير الأمة».
وقد انعكس ذلك في المكانة الاستثنائية التي احتلها كبار الأدباء الروس، مثل بوشكين، وتولستوي، ودوستويفسكي، وتشيخوف، الذين تجاوز تأثيرهم حدود الأدب ليصبحوا مرجعيات أخلاقية وفكرية، وكانت أعمالهم تُقرأ وتُناقش كما تُناقش القضايا العامة. وفي العهد السوفيتي، وعلى الرغم من الرقابة الصارمة ومحاولات إخضاع الأدب للأيديولوجيا الرسمية، ظل الكاتب شخصية ذات وزن اجتماعي كبير، لأن الكلمة المكتوبة احتفظت بقدرتها على تشكيل الوعي، حتى عندما كانت تُكتب بلغة الرمز والتلميح.
ومن المفارقات أن إلغاء الرقابة على المطبوعات في روسيا، قبل أكثر من ثلاثة عقود، لم يؤدِّ إلى الازدهار الكبير الذي كان متوقعاً للأدب في أجواء الحرية والانفتاح والليبرالية، بل حدث العكس إلى حد كبير. فقد انخفض عدد القراء بصورة حادة، وعانت المجلات الأدبية المرموقة، المعروفة باسم «المجلات السميكة»، من تراجع شديد في مبيعاتها، ولم تعد الأعمال الأدبية تُنشر بعشرات أو مئات الآلاف من النسخ كما كان الأمر في الحقبة السوفيتية، بل أصبحت مبيعات كثير منها لا تتجاوز بضعة آلاف من النسخ في أفضل الأحوال.
فما الذي حدث؟
لا شك أن انتشار الإنترنت، ووسائل التواصل الاجتماعي، والتلفزيون التجاري، وتعدد وسائل الترفيه الجديدة، كان له أثر بالغ في تراجع القراءة. فقد أصبحت هذه الوسائل تنافس الكتاب على وقت القارئ واهتمامه، ولم يعد الأدب يحتل الموقع المركزي الذي شغله لعقود طويلة في الحياة العامة. غير أن المسألة، في تقديري، لا تتعلق بالتكنولوجيا وحدها، بل ترتبط أيضاً بتحول عميق في البنية الاقتصادية والثقافية التي أحاطت بالكتاب نفسه.
فمع انهيار الاتحاد السوفيتي، أُلغيت أو تراجعت مكانة دور النشر الحكومية الكبرى التي كانت تضطلع، رغم ما كان يحيط بها من قيود أيديولوجية ورقابية، بدور مهم في نشر الأدب وتوزيعه على نطاق واسع. وحلت محلها دور نشر خاصة وتجارية أصبحت تتحكم إلى حد كبير في عمليات اختيار الكتب وطباعتها وتوزيعها وتسويقها والإعلان عنها. وبات من الطبيعي، في ظل اقتصاد السوق، أن تبحث هذه المؤسسات عن الكتاب الأكثر قدرة على تحقيق المبيعات والأرباح.
وهكذا أخذت السوق تفرض ذائقتها الخاصة، وأصبحت الكتب الخفيفة ذات الطابع الترفيهي تحظى بمساحة واسعة من النشر والترويج: أدب الرعب والجريمة والمغامرات، والروايات الموجهة إلى جمهور يبحث عن التسلية، وروايات الحب السهلة التي تجد رواجاً خصوصاً بين المراهقين. وهي كتب قد تحقق مبيعات كبيرة، لكنها غالباً ما تُقرأ مرة واحدة لقضاء الوقت، ثم تفقد قيمتها بالنسبة إلى القارئ، شأنها شأن كثير من السلع الاستهلاكية الأخرى.
ولم تعد المشكلة مقتصرة على نوعية الكتب التي تجد طريقها إلى السوق، بل امتدت أيضاً إلى آليات صناعة الشهرة الأدبية نفسها. فقد حصرت بعض دور النشر الكبرى اهتمامها في دائرة محدودة من المؤلفين، وأحاطتهم بحملات دعائية واسعة، بينما نشأت حول المؤسسات الثقافية التجارية شبكات من النقاد والمراجعين الذين يسهمون في صناعة الصورة الأدبية للمؤلف والترويج لأعماله. كما أن الجوائز الأدبية، التي ازداد عددها في روسيا بصورة كبيرة، أصبحت إحدى أهم الأدوات التي تمنح الأعمال الأدبية مزيداً من الظهور والانتشار.
وتوجد في روسيا اليوم جوائز أدبية عديدة، بعضها ذو قيمة مالية ومعنوية كبيرة، مثل «الكتاب الكبير» و«كتاب العام» و«البوكر الروسية» وغيرها. وقد أصبحت الجوائز، في كثير من الحالات، جزءاً من منظومة الترويج للكتاب، إذ يمكن أن تؤدي الجائزة إلى إعادة طبع عمل لم يكن يحظى بإقبال كبير، وإلى زيادة مبيعاته وإعادة تقديم مؤلفه إلى الجمهور.
أما الأدباء الذين لا يكتبون وفق متطلبات السوق، ولا يحاولون إنتاج الكتب «حسب الطلب»، فقد وجد كثير منهم أنفسهم على هامش المشهد الثقافي، مهما كانت مواهبهم كبيرة وأعمالهم متفردة أو رائدة. وهذا لا يعني، بالطبع، اختفاء دور النشر الرصينة التي ما زالت تهتم بالأدب الرفيع، وإنما أصبحت هذه الدور في الغالب أصغر حجماً وأضعف موارد، كما أن إمكاناتها في مجال الدعاية والتوزيع لا تقارن بإمكانات المؤسسات التجارية الكبرى.
وهنا حدث تحول جوهري في مفهوم الكتاب نفسه: فقد أصبح الكتاب، بصورة متزايدة، سلعة في السوق، بعد أن كان يُنظر إليه بوصفه مصدراً للثقافة والمعرفة والمتعة الجمالية، ووسيلة للتفكير في الإنسان والمجتمع ومصيرهما.
ولا يقتصر هذا التحول على روسيا وحدها، بل يمثل اتجاهاً عالمياً ارتبط بصعود النزعة الاستهلاكية وهيمنة الثقافة الرقمية. فالمنافسة لم تعد بين كتاب وكتاب فحسب، وإنما بين الكتاب ومئات الوسائل التي تتنافس على انتباه الإنسان كل يوم. وأصبح النجاح الأدبي، في كثير من الأحيان، يقاس بقدرته على تحقيق الانتشار والمبيعات وإثارة الاهتمام الإعلامي، أكثر مما يقاس بقدرته على إثراء الوعي أو تعميق التجربة الإنسانية.
ومن هذه الزاوية يمكن فهم المفارقة الروسية بوضوح أكبر: لقد تحرر الأدب من الرقابة السياسية المباشرة، لكنه دخل في الوقت نفسه تحت ضغط آلية أخرى، هي آلية السوق. وإذا كانت الرقابة السياسية تستطيع أن تمنع بعض الكتب من الوصول إلى القارئ، فإن السوق تستطيع أن تفعل شيئاً أكثر خفاءً: فهي لا تمنع الكتاب بالضرورة، وإنما قد تحرمه من النشر والتوزيع والإعلان، أو تدفنه وسط آلاف العناوين التي لا يملك الكاتب المستقل القدرة على منافستها.
وقد انعكس ذلك أيضاً على حضور الأدب الروسي المعاصر خارج روسيا. فالأعمال الأدبية الروسية التي ظهرت بعد تفكك الاتحاد السوفيتي، والتي تُرجمت إلى اللغات الأجنبية، غالباً ما تصل إلى جمهور محدود، ولا يقبل عليها القارئ العام بالدرجة التي كان يحظى بها الأدب الروسي الكلاسيكي، بل يهتم بها بصورة خاصة أساتذة وطلبة أقسام الأدب الروسي والدراسات السلافية. وتؤدي مؤسسات ثقافية متخصصة في روسيا، ومنها معهد الترجمة في موسكو، دوراً في تعريف القراء الأجانب بالأدب الروسي المعاصر، من خلال دعم ترجمة بعض الأعمال إلى اللغات الأجنبية ونشرها بالتعاون مع دور نشر في بلدان مختلفة، وفي السنوات الأخيرة بالتعاون أيضاً مع بعض دور النشر والمترجمين العرب.
ومع ذلك، فإن التراجع في مكانة الأدب لا يعني أن الأدب فقد قدرته على التأثير، ولا أن الإنسان لم يعد بحاجة إليه. فالإنسان، مهما توفرت له وسائل الرفاه والتسلية، لا يستطيع أن يعيش بالمنفعة وحدها. إنه يحتاج إلى معنى يضفي على حياته غاية تتجاوز الاستهلاك والربح، وإلى أسئلة تتعلق بالخير والشر، والحرية والمسؤولية، والحب والموت، والعدالة والمصير.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى في عصرنا: كلما ازدادت وسائل الترفيه وتنوعت، ازدادت الحاجة إلى ما يتجاوز الترفيه؛ وكلما أصبح الإنسان محاطاً بالمعلومات والصور والأصوات، ازدادت حاجته إلى صوت يساعده على فهم نفسه والعالم من حوله.
ولذلك فإن تراجع مكانة الكاتب لا يعني بالضرورة تراجع أهمية الأدب. وربما يكون الأدب اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بحاجة إلى أن يستعيد وظيفته الأعمق: ألا يكون مجرد سلعة تُباع، ولا مجرد وسيلة لقضاء الوقت، بل مساحة للتأمل، ومجالاً لمقاومة الابتذال، ومصدراً للمعرفة والمعنى، وذاكرةً تحفظ للإنسان قدرته على أن يسأل: من نحن؟ وإلى أين نمضي؟
فالأدب الذي كان يوصف ذات يوم بأنه «ضمير الأمة» قد يفقد مكانته الاجتماعية، لكنه لا يفقد بالضرورة قدرته على أن يكون ضمير الإنسان.
***
جودت هوشيار








