تفكيك بنيوي لمقايضة السلم الأهلي بنهب الأصول وإفراغ السيادة
ترتبط الجذور التاريخية والتحول الهيكلي لسياسات الهيمنة التوسعية الحديثة بمنعطفات كبرى شهدتها نهاية القرن التاسع عشر، والتي شكلت بداية الصعود الكوني للاستعمار الاقتصادي العابر للحدود التقليدية للقارات. لم يعد هذا الاستعمار الحديث، في طوره الراهن بشقيه الاقتصادي والعسكري، بحاجة إلى تسويغات أخلاقية تبرر سعيه لفرض نفوذه وموازين قوته خارج أطر القانون الدولي التقليدي ومبدأ السيادة المتساوية بين الدول. في هذا النظام العالمي الجديد، تمثل الشركات العملاقة عابرة القارات الكيانات الأكثر تأثيراً في صياغة سياسات الدول النامية؛ نظراً لامتلاكها موارد مالية ضخمة تفوق ميزانيات دول بأكملها، فضلاً عن حصولها على تسهيلات دبلوماسية، واستخباراتية، وتدخلات عسكرية مباشرة لحماية استثماراتها الاحتكارية ومصالحها الحيوية.
تتلازم هذه الهيمنة الاقتصادية مع التبعية الثقافية تلازماً بنيوياً حتمياً؛ إذ تشترط التبعية المادية وجود أطر فكرية واجتماعية تدعمها وتكرسها بالضرورة في وعي الشعوب المغلوبة. وتعمل هذه الهيمنة عبر قنوات "القوة الناعمة" والاستعمار الرقمي الحديث الذي يتوسع ليتكامل مع تأثير التكتلات الإعلامية والتقنية الكبرى، بهدف فرض أنماط استهلاكية معولمة وتفكيك البنى الاجتماعية والثقافية الأصيلة للدول المضيفة. ويترتب على هذا التوغل نتائج كارثية تؤدي إلى تشويه الهوية الوطنية، وبث الشك في الكفاءة الذاتية للمجتمعات، وفقدان احترام الذات الجمعي، مما يسهل في نهاية المطاف إخضاع القرار السياسي والمالي الوطني عبر التهديد المستمر بسحب الاستثمارات أو نقل المصانع ورؤوس الأموال إلى الخارج.
إن النظام المادي المعاصر يتجاوز حدود كونه مجرد أسلوب لإدارة العلاقات النقدية أو سياسات مالية قائمة على الخصخصة والتحرير المالي؛ بل إنه يتجلى كبرنامج كلي لإعادة الهندسة الثقافية والاجتماعية والوجودية، يهدف إلى صياغة مجتمعات تسودها ثقافة السوق والمنفعة بالكامل. في هذا الإطار الفلسفي، يجري السعي بلا كلل لتسليع كل مجال من مجالات الوجود الإنساني، بدءاً من الثروات الطبيعية والبيئة وانتهاءً بالبيانات الحيوية وانتباه البشر وتوجيه سلوكهم اليومي. يحدث هذا كله عبر عنف بنيوي ورمزي يعيد إنتاج علاقات الهيمنة من خلال احتكارات معرفية وتقنية معقدة، تضمن تدفق القيمة الفائضة والثروات المنهوبة من دول الأطراف الهامشية نحو مراكز النفوذ العالمي.
في هذا السياق المتأزم، تنشأ "الدولة السائلة أو الهلامية" على أنقاض الدولة الاستبدادية التقليدية. وفي هذه الدولة الجديدة، لا يوجد شيء صلب أو مستقر في بنيتها المؤسساتية، بل تسود حالة من السيولة والاختلاط التام بين مفاصل الحكم والشبكات غير الشرعية؛ فلا هيبة حقيقية للسلطة، ولا خطوط واضحة تفصل بين المؤسسة القانونية ومجموعات المصالح النافذة. وفي هذه الكيانات الضعيفة، لا تعمل شبكات المصالح العميقة بشكل خفي أو سري في الظل، بل إن المجاميع الناشطة في الإفساد والاستغلال تمارس أنشطتها التخريبية علانية على سطح الدولة التي تتشكل وتتراجع في آن واحد. وتتحكم السياسة المعاملاتية النقدية في السياسة المؤسساتية، حيث يجري تداول القوة، والمناصب العامة، والولاءات السياسية كسلع رخيصة تخضع لقوانين العرض والطلب، وبأسعار يحددها حجم التدفقات المالية القادمة من الخارج والقدرة على استخدام أدوات الضغط والترهيب، مما يحول البلد بأسره إلى ساحة مفتوحة لـ "مزاد الولاءات".
ترتبط هذه الهشاشة المؤسساتية بما يُعرف بـ "لعنة الموارد"؛ حيث تحقق الدول الغنية بالنفط والغاز والمعادن غالباً نتائج اقتصادية واجتماعية أسوأ بكثير من نظيراتها الفقيرة التي تفتقر لتلك الثروات. إذ تتحول وفرة الموارد في الدول الهشة إلى غنيمة كبرى تتنازعها القوى المحلية المحمية بالخارج والنخب الحاكمة الفاسدة. ولا تصبح الموارد لعنة في ذاتها، بل عندما تُدار في ظل نظم سياسية واهنة والاستبداد المالي المطلق. وهنا تحديداً تنشأ ديناميكية "عقد السفيه" كأداة قانونية وسياسية مضللة لتمرير اتفاقيات شائنة، تقوم في جوهرها على مقايضة السلم الأهلي الموهوم وتجنب الغضب الشعبي والاضطرابات الآنية، بتصفية الأصول الاستراتيجية للدولة وإفراغ مؤسساتها الخدمية والتنموية من مضمونها السيادي. ويتخذ هذا النهج طابع التدمير الممنهج لثروات الأجيال القادمة وحقوقها، مقابل الحصول على قروض استهلاكية عاجلة تضمن بقاء النخبة السياسية في سدة الحكم وتضمن صمت الجماهير المؤقت.
لقد انحصر الفقه القانوني والشرعي التقليدي طويلاً في معالجة السفه كحالة فردية معزولة ترتبط بنقص الأهلية الشخصية، ولم يبين حكمه ومخاطره باعتباره ممارسة جماعية ومؤسساتية منظمة تصيب الأنظمة السياسية وقوى الأمر الواقع. فالسفه المعاصر لم يعد متمثلاً في تبذير آحاد الناس لأموالهم الخاصة في وجوه غير نافعة، بل صار نهجاً بنيوياً مدبراً يمارسه بعض حكام الهامش عبر تبديد ثروات الأمة والإنفاق المحموم لإشعال الصراعات الداخلية، أو تقديم مئات المليارات في صيغة هبات وجزية مقنعة للقوى العظمى لتأمين صمتها ودعمها السياسي للبقاء في السلطة، في وقت تتضور فيه شعوبهم جوعاً وتعاني من الفقر والمجاعات وغياب الخدمات الأساسية.
يسهم حقل علم الإنسان الاقتصادي في تقديم تحليل ثقافي وعلاقاتي عميق لظاهرة الفساد، يتجاوز الرؤى الغربية والأخلاقوية السائدة التي تربط انخفاض معدلات التنمية بالفساد الأخلاقي الفردي بطريقة استعلائية تختصر المشهد المعقد في مقولة إن "الدول النامية فقيرة لأنها غير شريفة". بدلاً من ذلك، يدرس علم الإنسان شبكات المحسوبية والرشاوى الصغيرة كظواهر تبادل اجتماعي مشوهة، نتجت بالأساس عن تسلط البنى الاقتصادية الرسمية العابرة للحدود، وتوغل آليات السوق المتوحشة وسياسات الخصخصة الشاملة المفروضة من الخارج، مما أدى في النهاية إلى ما يمكن تسميته بـ "هيكلة الاحتيال" وجعله ممارسة يومية مقبولة.
إن تعميم منطق السوق والمصلحة الفردية الضيقة قد أدى إلى تدمير "الاقتصاد الأخلاقي" القائم على الالتزامات التبادلية والواجبات المدنية والأخلاقية المشتركة التي كانت تحمي المجتمعات عبر شبكات التضامن والتكافل غير القائم على البيع والشراء. ومع انسحاب الدولة من أدوارها الرعائية وتحول لغة المال إلى المعيار الوحيد لتقييم الوجود البشري وقيمة الأفراد، جرى استبدال هذه المنظومات بآليات احتيال هيكلية اعتيادية تُفرزها وتمنحها الشرعية قيم السوق المتوحشة. وتتبدى مظاهر هذا الانهيار الأخلاقي والاجتماعي على المدى البعيد في تطبيع ثقافة الجشع؛ حيث تتداخل الممارسات التجارية المشوهة والفساد مع السعي الفردي اليومي للبقاء، وتتحول قيم الأنانية والمادية المفرطة إلى معايير وحيدة للنجاح والتكيف الاجتماعي.
تقدم الذاكرة التاريخية للشعوب نماذج فجة لهذا التمكين الاستعماري القسري؛ إذ لم يكن الهدف من تدبير الانقلابات العسكرية ضد النظم الوطنية في سبعينيات القرن الماضي مجرد إسقاط حكومات أو تغيير شخوص السلطة، بل كان الهدف الحقيقي هو القضاء التام على فكرة بناء سيادة اقتصادية مستقلة في دول الجنوب العالمي، وتحويل تلك الدول إلى مختبرات تجريبية مبكرة لفرض التحررية الاقتصادية المتطرفة بالقوة العسكرية، عبر الخصخصة الجبرية للثروات وتفكيك بنية الدولة الاجتماعية لحماية مصالح الشركات الاحتكارية الاستعمارية المستفيدة من المعادن والموارد الاستراتيجية.
إن مواجهة آليات الهيمنة المركبة هذه تتطلب صياغة استراتيجية وطنية وقانونية متكاملة، تفكك البنية الحقوقية لتلك الاتفاقيات الشائنة وتواجهها بأدوات وطنية أصيلة ترتكز على محورين تنفيذيين رئيسيين:
أولاً: دسترة حماية الأوقاف والمال العام، وصياغة قواعد دستورية صارمة ومانعة تقيد قدرة أي حكومة، أو سلطة أمر واقع، على التصرف في المرافق الاستراتيجية والأوقاف العامة أو بيعها تحت أي مسمى.
ثانياً: إن أولى خطوات الانعتاق والتحرر من ربقة الديون البغيضة وعقود السفه تتمثل في السعي الجماعي لإحداث عملية "فك ارتباط" حقيقية، تهدف إلى إخضاع العلاقات الاقتصادية والتبادل الخارجي لمتطلبات التنمية الوطنية الذاتية، وتطهير الفضاء المعرفي والأكاديمي من سطوة الهيمنة التقنية الجديدة.
يتطلب هذا المسار بالضرورة استعادة التضامن الأخلاقي العضوي للمجتمعات، وبناء "المؤسسات الشاملة" البديلة التي تحمي حقوق المواطنين وتوزع القوة السياسية والاقتصادية بشكل عادل ومتساوٍ بين أفراد الشعب، تمهيداً لبناء نظام وطني بديل يستند إلى العدالة الإنسانية الحقيقية والتنمية المستقلة للشعوب الحرة.
***
غالب المسعودي








