عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

محمد سيف: اليقيـــن أَفيـــون العقـــل النقـــدي

المعرفة الإنسانية بحكم طبيعتها التراكمية تقتضي البناء على ما سبق، واحترامه وفق مرحلته الإنسانية بالأدوات المعرفية آنذاك، بلا تقديس ولا إزاحة عن طبيعته النسبية، وأيّ جمود على حدود معرفية معينة تعني انتحار السؤال، وإذا توقف تدفق السؤال انتصب اليقين؛ ومن هنا كان المنهج الشكّي والعقلية النسبية تأخذ المعرفة إلى آفاق رحبة مما لم يُتخَيّل يوما وصول البشرية إليه، في حين تتكلّس المعرفة اليقينية على ضفاف الماضي؛ لأن العقلية النسبية تمنح السؤال مساحة مطلقة لينتضي سيفه في ميدان التحقق.

غنيٌ عن القول إن العقل البشري محدود، ونتاج المحدود محدود، وهذه طبيعة حتمية ينبغي لنا أن نتصالح معها ليس من حيث المبدأ فحسب، بل وحتى من حيث الإسقاطات والتطبيقات العملية لهذه الآلة الفكرية، فما كان محدودا كالأفكار التي ينتجها العقل فهو قابل -للأبد - للأخذ والرد، والاعتراض والتفنيد، وبالتالي فأيُّ نتيجة عقلية فهي مؤقتة وإن بدَت عظيمة؛ ولذلك للزمان كلمته الصارمة في هذا الشأن؛ لأنه لا توجد فكرة وُجدت متأهّلة للخلود، وما كان ممجّدا بالأمس أمسى ممجوجا اليوم.

كما أن العقل البشري منحاز لا محالة، فأحكامه غير موضوعية، وما كان منحازا فلا يُرتَجى منه رأيٌ منيع من الزيغ، وإنّ تَفهُّم هذه الطبيعة يغرس فينا التواضع المعرفي، ويجعلنا ندرك مدى رقعة الجهل والمجهول الآخذة في الاتّساع؛ ولذا نكون أكثر سماحة للتعرّض للأفكار المضادّة، كما أن ذلك يدفعنا للتعاطي مع الآخر بصدر رحب بحكم حقه الطبيعي لتبنّي الآراء الشخصية مهما كانت، وهذا ما لا تستسيغه عقلية اليقين حيث العزوف عن الانفتاح على الآخر، وعدم احتمال التعرّض لمختلف الأفكار؛ لسبب وجيه جدا وهو أنّ عقلية اليقين تجعل ما نعتنقه ونتبنّاه جزءًا من هويّتنا، وأي مساس بذلك فهو تهديد يطال ذواتنا! وهذا هو أُسُّ التعصب الفكري.

إنّ عقلية اليقين تجثم على صدر العقل النقدي، فلا يستطيع أن ينتشل نفسه من براثن الفكرة المهووس بها، إذ يراها آخِرَهُ وحَدَّه، ومُنتهاه وأقصاه، فإذا استولى هذا الشعور، انقطع عن السؤال وقوده الذي هو الفضول والشك وشراسة المساءلة التي لا يُشبِع غرورَها إلا إجابات رصينة خالية من الثغرات، وحيث إن هذه الثغرات موجودة على الدوام فسهام العقل النقدي تلاحقها على الدوام.

من المعلوم أنّ كل واحد منا يُولد في بيئة تشكّل تصوّراته الكبرى حول نفسه والكون، ثم ننقسم إلى تيارين عريضين، تيّار يمضي على خطى جماعته التي نشأ فيها، مبلورا حياته وفقها، وتيّار يقضي حياته بعد لحظة الإدراك ينفض عنه ما علِق بطيّات ذهنه من معتقدات قومه وأسلوب حياتهم.

إن خطورة عقلية اليقين أنها تتناسل بواباتٍ تحكّمية تنتشر في مناطق معرفية مختلفة، تبارك الأفكار التي من شيعتها وتمتحُ من نبعها، وتتمسّح بسِنْخها، وترفض بصلافة ما لا يتساوَق معها؛ ولهذا فإن أصحاب عقلية اليقين يعيشون في حلقة متكررة من الاستجابة لأحداث الحياة، ويحرمون أنفسهم من الاطلاع على الحيوات الأخرى الموجودة وكأنها في عوالم متوازية.

إننا نشيّد مواقفنا الفكرية بناءً على تصوّراتنا الكبرى التي نتشبّث بها، وما إن يلحق هذه التصوّرات انزياح جزئي أو انقلاب كلّي تتبدّل تلك المواقف بحسب مدى تغيّر تصوّراتنا؛ ولذا كانت النسبية مسلكا قويما في تبنّي الأفكار مهما عظُمت دلائلها وقويت حججها، إذْ تبقى قابلة للتجاوز متى ما نهضت أدلة تدعم غيرها، فالعقلية النسبية - بخلاف عقلية اليقين - لا تساوي بين الفكرة والهُويّة، فأي نقد للفكرة لا ينطوي على أي تهديد شخصي، بل على العكس تماما، فعدم تغيير الفكرة في حال الاقتناع بأخرى نراه ضربا من الخيانة لأنفسنا التي تتوق للانعتاق من الخطأ والجهل وتشرئبّ أعناقها لحرية المعرفة ولذّتها، وفيما تعيش عقلية اليقين استرواحًا وهميًا يقطع احتمالات نموّها، يسكن العقلية النقدية قلقٌ صحيٌ يدفعها للمراجعة الدائمة والتطوير المستدام.

***

محمـــد سيـــف

في المثقف اليوم