عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

علي عمرون: لماذا نجح مونتين وأحرق التوحيدي كتبه؟

(يجب على الرجل أن يكون مجنونًا بعض الشيء إذا كان لا يريد أن يصبح أكثر غباءً)... ميشيل دي مونتاني

في تاريخ الآداب الغربية، ثمّة أسماءٌ اخترعتْ أشكالاً للكتابة، وثمّة أسماءٌ احترقت واخترقتْ أرواحا سكنتها ً، وميشيل دي مونتين (1533-1592)، الذي استقرّ في المخيال الثقافي الغربي بوصفه "أبا للمقالة الحديثة"، ينتمي ولا شك إلى الفئة الثانية.

صحيح أن النثر التأملي القصير لم يولد معه؛ فقبله بألف عام، كان الفيلسوف الرواقي سينيكا يمسك بقلمه ويكتب: "كُنْ فاضلاً"، وسيطر على أهوائك" خطاب تعليمي من مُعلّمٍ وفيلسوف يبحث عن الحقيقة، إلى تلميذٍ يبحث عن شغف المعرفة وينتظر الهداية.

في مقابل ذلك ميشيل دي مونتين لم يكتب ليُجيب، بل سأل: “ ماذا أعرف؟"  كتب بالفرنسية آنذاك، لغة السوق والبيت والشارع، التي كانت لا تزال فتيةً تنتظر من يمنحها مادتها ونخاعها. في تلك اللحظة، لم تكن المقالة تُطوَّر بصفتها قالباً أدبياً فحسب، بل كانت تولد من جديد بصفتها ثورة مزدوجة: ثورة في الوعي، وثورة في اللغة. لقد حوّل مونتين الكتابة من منبر للوعظ إلى مختبر للتجريب، وأعلن، في عبارته الشهيرة: "أنا نفسي موضوع كتابي"، لا عن نرجسية، بل عن منهج. فالذات عنده لم تعد وسيلة لإيصال الحكمة، بل غدت الأداة والموضوع معاً، والشك لم يعد مرحلة عابرة نحو اليقين، بل صار فضيلة دائمة، والجسد بأحاسيسه الملموسة صار مصدراً للحقيقة يضاهي نصوص أرسطو واشعار المتصوفة.

ولكن، هل تكفي شجاعة البوح والارتياب لصنع أثر خالد؟ هنا، يفتح لنا التاريخ الأدبي نافذةً شرقية استثنائية، تُلقي على مشروع مونتين ضوءاً مختلفاً. ففي القرن الرابع الهجري، جلس فيلسوف عربي، هو أبو حيان التوحيدي (1023م)، على حافة التجربة نفسها. في "الإمتاع والمؤانسة" و"الصداقة والصديق"، جعل من ذاته مادة للكتابة، وسجّل قلقه وفقره وشكوكه وخيباته، ومزج الحكمة بالتفاصيل اليومية، تماماً كما فعل مونتين. غير أن النهاية كانت مختلفة فبينما تحولت "مقالات" مونتين إلى نهر جارف غيّر مجرى الأدب الأوروبي، أحرق التوحيدي كتبه قبل موته، يائساً من زمن لم يفهمه، وبقي صوته فردياً معزولاً، لم يؤسس تياراً ولم يخلق نوعاً. في هذه المفارقة القاسية يكمن سؤالنا المحوري: ما السرّ الكامن في كتابة مونتين، الذي جعلها قادرة على النجاة والتأثير، بينما انطفأت شعلة التوحيدي في رماد الصمت؟

في هذا المقال، سنجادل بأن عبقرية مونتين لم تكن في اختراع قالب، بل في تأسيس علاقة جديدة كلياً بين الكاتب وقارئه، وبين الذات والعالم. لقد نقل الكتابة من طور التعليم إلى طور الاستكشاف، فخلق قارئاً هو رفيق بحث، لا تلميذاً. ومن داخل معمله الخاص، حيث شكّ في كل شيء، خرج بأعمق يقين إنساني: يقين التسامح، الذي جعله، في فرنسا التي مزقتها حروب الدين، صوتاً للتعايش وإعلاناً جديداً للإنسانية المشتركة.

حياة مونتين

في 28 فيفري 1533، ولد الفيلسوف الفرنسي ميشيل دي مونتين كان أحد أهم الفلاسفة في عصر النهضة الاوربية، والمعروف بكتابته للمقال كنوع أدبي. اشتهر عمله بدمج الحكايات العفوية والسيرة الذاتية مع البصيرة الفكرية.

وُلِد مونتاني باسم ميشيل إيكيم في قلعة مونتاني، وكان الأكبر بين أربعة أطفال لوالده بيير إيكيم، وهو رجل فرنسي كاثوليكي روماني رافق الملك فرانسيس الأول في حملته على إيطاليا، وكان على تماس بأفكار عصر النهضة والإنسانية. وشغل الأب عدة مناصب عليا في مدينة بوردو. وكانت والدة مونتاني أنطوانيت دي لوب دي فيلنوف (1514-1603) من تولوز. وبعد ولادته، وُلد مونتاني لدى ممرضة تعيش في ظروف بسيطة في قرية بابيسوس القريبة من مونتبيروكس. وعندما عاد إلى أسرته في سن الثالثة تقريبًا، استأجر والده طبيبًا من ألمانيا يُدعى هورستانوس كمعلم، ولم يكن يجيد التحدث بالفرنسية، وكان يتحدث اللاتينية فقط مع الطفل. ولأن الوالدين حاولا أيضًا القيام بذلك، وحتى الخدم اضطروا إلى المحاولة، فقد أصبحت اللاتينية تقريبًا لغة مونتاني الأم. من عام 1539 إلى عام 1546 التحق مونتين بكلية جوين في بوردو، حيث كان أساتذته يخشونه أحيانًا لأنه كان يتحدث اللاتينية بشكل أفضل منهم. لا يُعرف أي شيء تقريبًا عن الأعوام من 1546 إلى 1554. ربما أكمل مونتين أولاً دراسات تمهيدية في كلية الفنانين في بوردو، ثم دراسات في القانون.

مستشار العدل والعمل السياسي

في عام 1554، وفي سن الحادية والعشرين، عُيِّن مونتاني في منصب مستشار قضائي في محكمة الضرائب، Cour des aides، في بيريجو. وفي نفس العام، رافق والده، الذي انتُخِب للتو عمدة، إلى باريس للتفاوض مع الملك. ومنحه عم مونتاني، بيير إيكيم سينيور دي جوجاك، مقعده كقاضي في بيريجو في عام 1556. وعندما حُلت محكمة الضرائب في بيريجو في عام 1557، مُنح مونتاني منصب مستشار قضائي في برلمان بوردو، المحكمة العليا لمقاطعة غوين. وفي بوردو، كان مسؤولاً بشكل أساسي عن غرفة الاستئناف، Chambre des Enquêtes. وهناك حقق في القضايا القانونية وحكم فيها. وبصفته قاضي استئناف، لم يصدر حكمًا بنفسه، بل قدم تقييمه المكتوب لزملائه القضاة الذين كانوا ينظرون في القضية. بالإضافة إلى ذلك، ترأس أيضًا الإجراءات المدنية. سافر إلى باريس في الأعوام 1559 و1560 و1562 بصفته مستشاراً للعدل.

الالتزام بالكاثوليكية والكتابات الأولى

خلال إقامته الأخيرة في باريس، والتي طغت عليها بداية الحروب الهوغونوتية ومذبحة واسي، أعلن مونتين، مع قضاة آخرين من البرلمانات الفرنسية المختلفة، التزامه رسميًا بالكاثوليكية. وعند وفاة والده، بيير إيكيم دي مونتين، في عام 1568، ورث الجزء الأكبر من ممتلكاته، وفقًا لقواعد تقسيم التركة بين النبلاء. في عام 1569، أكمل ترجمة مشروحة لكتاب " لاهوت المخلوقات الحرة " (1434-1436) لعالم اللاهوت والطبيب الكاتالوني ريموند سيبوند، وهو من مواليد تولوز. كان قد بدأها بناءً على طلب والده. وفي نفس الوقت الذي تمت فيه هذه الترجمة من اللاتينية إلى الفرنسية، قدم مونتين في باريس مجموعة من القصائد الفرنسية واللاتينية لصديقه لا بويتي مطبوعة.

في عام 1571، وفي سن الثامنة والثلاثين، استقال مونتاني من منصبه كقاضي وتقاعد في قصره. "لقد عشنا ما يكفي من أجل الآخرين - دعونا على الأقل نعيش هذا الجزء الأخير من الحياة لأنفسنا" هو تصريحه الخاص عن هذا الخلوة.

سينيكا ومونتين ونهاية عصر المعلم

لكي نفهم عمق الثورة التي أحدثها مونتين، لا بد من أن نضعه وجهاً لوجه أمام أبرز من سبقه في تقاليد النثر التأملي الغربي: الفيلسوف الرواقي لوكيوس أنايوس سينيكا (ت. 65م). للوهلة الأولى، قد يبدو الرجلان متشابهين: كلاهما كتب نثراً تأملياً قصيراً، وكلاهما انشغل بأسئلة الأخلاق والحياة والموت. لكن هذا التشابه السطحي يخفي قطيعة تأسيسية هي، في جوهرها، إعلان عن نهاية عصر كامل من الكتابة وبداية عصر جديد. إن الفارق بين سينيكا ومونتين ليس فارقاً في الدرجة أو في الأسلوب فحسب، بل هو فارق في الموقع الذي يقف فيه الكاتب من ذاته، ومن قارئه، ومن الحقيقة نفسها. إنه فارق بين من يكتب لأنه يملك الإجابة، ومن يكتب لأنه يجرؤ على طرح السؤال.

سينيكا كتب من موقع المعلم الذي يمسك بالحقيقة. إنه وريث لفلسفة رواقية مكتملة، يملك مفاتيحها ويعرف غاياتها. حين يكتب لصديقه لوسيليوس، فهو لا يستكشف معه الحكمة، بل يمنحه إياها. جمله القصيرة الحازمة مثل "كن فاضلاً" و"سيطر على أهوائك" ليست دعوات للحوار، بل هي أوامر للتهذيب. إنها كتابة تنطلق من يقين مكتمل، وتستهدف بناء ذات أخلاقية وفق مخطط مسبق. المعرفة هنا سلطة، والكتابة ممارسة لهذه السلطة.

أما مونتين فيكتب من موقع السائل الذي لا يملك شيئاً على وجه اليقين. إنه لا ينتمي إلى مدرسة فلسفية، ولا يدافع عن مذهب، ولا يبشر ببرنامج أخلاقي. شعاره "ماذا أعرف؟" ليس تواضعاً فارغاً، بل هو إعلان منهجي. إنه يحول الشك من محطة عبور نحو اليقين (كما هو الحال في الشك المنهجي الديكارتي لاحقاً) إلى مقام دائم وفضيلة في حد ذاتها. إنه لا يكتب ليقول لنا ماذا يجب أن نكون، بل ليرينا كيف يحاول هو أن يكون. الفارق هائل: سينيكا يكتب ليُعلّم، ومونتين يكتب ليفهم. الأول يكتب بعد أن وصل، والثاني يكتب كي يصل، وهو يعلم أنه لن يصل أبداً.

عند سينيكا، الذات حاضرة بلا شك. لكنها حاضرة بصفتها شاهداً على صحة المذهب، ووسيلة لإيصال الحكمة. إنه يستخدم تجاربه وحياته كأمثلة تعليمية، لكنه لا يجعل من ذاته موضوعاً للفحص والتشريح. الذات عنده وسيلة لا غاية.

أما مونتين فيفعل العكس تماماً. إعلانه الشهير "أنا نفسي موضوع كتابي" ليس اعترافاً عابراً، بل هو إعلان تأسيسي لمنهج جديد. إنه ينزل عن منبر الحكمة ويجلس على طاولة التشريح، ويجعل من ذاته المختبر والأداة والموضوع معاً. هو لا يسأل: "ماذا تقول الفلسفة عن الصداقة؟" بل يسأل: "ماذا حدث لي، أنا ميشيل دي مونتين، حين فقدت صديقي لابويسي؟". هذا التحويل لموقع الذات هو الذي سيخلق، لاحقاً، أدب الاعتراف والمذكرات والمقال الشخصي كله.

سينيكا سيد بلاغي لا يُشق له غبار. جمله قصيرة، متناظرة، محسوبة كضربات السيف. أسلوبه مصقول، لأنه يكتب ليقنع. كل جملة عنده تؤدي غرضاً تعليمياً، وكل صورة بلاغية تخدم حجة أخلاقية. إنها كتابة تعرف وجهتها مسبقاً، وتسير نحوها بخطى ثابتة.

أما مونتين فيكتب بطريقة مختلفة جذرياً. أسلوبه متعرج، حواري، مليء بالاستطرادات والتناقضات والتحولات المفاجئة. إنه يحاكي الفكر الحي وهو يعمل، لا الفكر بعد أن اكتمل. هو نفسه يقول: "إذا لم يكن هناك جمال على اليمين، فاذهب إلى اليسار... لا أخطط لخط مسبقاً، لا الخط المستقيم ولا الخط الملتوي". هذا الاستطراد ليس عيباً أدبياً، بل هو جزء من الحجة: إنه يقول لنا، بأسلوبه قبل كلماته، إن التفكير الحقيقي لا يسير في خط مستقيم، وإن المعرفة الحية لا تشبه بناءً هندسياً بقدر ما تشبه نهراً يبحث عن مجراه. سينيكا يكتب ليقنع، ومونتين يكتب ليفكر. وهذان فعلان مختلفان تماماً.

وهنا نصل إلى الفارق الأعمق والأكثر تأثيراً. سينيكا يخاطب قارئاً هو تلميذ. العلاقة بينهما عمودية، تنحدر من الأعلى إلى الأسفل، من العليم إلى الجاهل، من المعلم إلى المتعلم. القارئ هنا متلقٍ سلبي، وظيفته أن يسمع ويطيع. الكتابة عند سينيكا، بهذا المعنى، ممارسة للسلطة الأبوية على القارئ.

مونتين يخلق قارئاً جديداً تماماً. إنه لا يخاطب تلميذاً، بل يخاطب رفيق بحث. العلاقة هنا أفقية، بين ندّين يبحثان معاً. القارئ ليس متلقياً سلبياً، بل هو مشارك في عملية التفكير. وهذا بالضبط ما يفسر الشعور الغريب الذي ينتاب كل من يقرأ مونتين: إنه يشعر أن الرجل صديقه، أن الصفحة مرآة، أن الحوار لا يجري على الورق بل في أعماق الذات. مونتين لم يكتب لنا، بل كتب معنا، أو بالأحرى، كتبنا نحن من خلاله

الصداقة مونتين والتوحيدي وجهاً لوجه

يتفق التوحيدي ومونتين، للوهلة الأولى، في رفضهما القاطع للصداقة النفعية، تلك التي تقوم على المنفعة أو المتعة العابرة، ويعتبرانها علاقة ناقصة لا تستحق اسم الصداقة. لكن هذا الاتفاق الظاهري يخفي اختلافاً جوهرياً في المنهج، ويكشف عن مسارين مختلفين تماماً في التفكير.

عند التوحيدي، الصداقة الحقة مشروطة بـ"المشاكلة العقلية" و"التماثل الروحي الخالص". إنها، في تصوره، تنبثق من انسجام قبلي في الطبائع والسجايا، من "مواتاة خُلقية" تسبق حتى اتفاق الأقوال والأفعال. يقول، ناقلاً عن أستاذه أبي سليمان السجستاني، واصفاً العلاقة المثلى بين صديقين: "اختلطت ثقتي به بثقته بي، فاستفدنا طمأنينة وسكوناً... ومع ذلك فبيننا بالطالع، ومواقع الكواكب مشاكلة عجيبة، ومظاهرة غريبة، حتى أنا نلتقي كثيراً في الإرادات، والاختيارات، والشهوات، والطلبات". إنه هنا يبحث عن شرط قبلي يجعل الصداقة ممكنة، عن سبب موجود سلفاً في الطبائع أو حتى في النجوم، يسبق اللقاء ويُفسره. المنهج هنا عقلي-أخلاقي، يبحث عن العلة والسبب.

أما مونتين، فيفعل شيئاً مختلفاً تماماً. الصداقة عنده لا تُشترط بشيء سوى الحرية المطلقة للاختيار. إنها "فعل إرادي حر" ينبع من الذات وحدها، لا من انسجام قبلي في الطبائع. هو لا يبحث عن سبب، بل يقف بخشوع أمام الحدث الوجودي الفريد. وحين يريد أن يفسر صداقته العميقة مع إتيان دو لا بويسي، ذلك الشاب الذي تعرّف عليه ومات بعد أربع سنوات فقط، لا يجد أي تفسير عقلي أو خلقي أو فلكي. فيكتب جملته الشهيرة التي لا تفسر شيئاً وتقول كل شيء: "لأنه هو، ولأني أنا". إنه يرفض أي تفسير قبلي، ويقف عند التجربة الخالصة كحدث وجودي متفرد، لا يُعلل ولا يُختزل إلى شروط. هذا هو المنهج المونتاني في أقصى تجلياته: رفض التفسير، وقبول الغموض، والوقوف عند شهادة الذات الحية.

هذا الفارق المنهجي يتعمق أكثر حين ننظر إلى كيفية تصور كل منهما لوحدة الصديقين. كلاهما يطمح إلى الوحدة، لكن طبيعة هذه الوحدة تختلف اختلافاً جذرياً.

التوحيدي يتحدث عن "ممازجة نفسية" و"مشاكلة عجيبة" تجعل الصديقين يلتقيان في الإرادات والاختيارات. الوحدة هنا تماثل قبلي يُكتشف، لا يُصنع. الصديق هو "أنا" أخرى بمعنى أنه يطابقني في الجوهر، أننا كنا متشابهين قبل أن نلتقي، ثم اكتشفنا هذا التشابه.

مونتين يذهب إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير. الصديق عنده ليس من يطابقني، بل من يصير "أنا أخرى". الوحدة هنا ذوبان لاحق للإرادتين، حدث فريد لا يمكن تفسيره بأي سبب. في رحاب هذه العلاقة، تتلاشى الحدود بين الساكن والمسكون، فلا يعود الصديق "آخراً" يُضاف إلى الذات، بل يصير امتداداً لها. إنه "مسرح الإيمان الأنثروبولوجي والروحي بالآخر"، وهو الذي يمنح الذات إمكانية التماسك. وإذا كان التوحيدي يبحث عن سبب للوحدة، فإن مونتين يقف مذهولاً أمام معجزتها، ويكتفي بشهادته الحية عليها.

الاختلاف المنهجي يبلغ ذروته حين ننظر إلى تشخيص كل منهما للعوائق التي تحول دون الصداقة. هنا، ينكشف الفارق بين المنهجين بأوضح صورة ممكنة.

التوحيدي يُرجع استحالة الصداقة إلى عوامل خارجية واجتماعية. إنه ينظر حوله فيرى فساد الزمن وانحلال النسيج الأخلاقي، فيُطلق صرخته المدوية: "سوق الوفاء قد كسدت". ثم يُخضع الفئات الاجتماعية الرئيسية لتحليل نقدي لاذع: الملوك لا يصلحون للصداقة لأن سلطتهم تجري على القهر والهوى، والتجار لا يصلحون لأنهم أهل مصلحة ومقايضة، وحتى العلماء يفسدهم الحسد والتنافس على المكانة. العائق، إذن، في المحيط الاجتماعي، في الزمن الفاسد، في المجتمع المنحل.

مونتين يفعل العكس تماماً. إنه لا ينظر إلى الخارج، بل إلى الداخل؛ لا إلى المجتمع، بل إلى طبيعة العلاقة نفسها. إنه يستبعد الأب وابنه من دائرة الصداقة، لا لفساد الزمن، بل لثقل اللامساواة المفرطة التي تحول دون قيام شراكة حرة بين ندّين. ويستبعد الإخوة، لأن رباط الدم يسبق الإرادة ويقيدها، فيحل "الواجب المفروض" محل "الاختيار الطوعي". ويستبعد العلاقة القائمة على العاطفة، لأنها طائشة متقلبة. العائق عنده ليس في فساد المحيط، بل في افتقاد الحرية الإرادية الخالصة، في أن العديد من العلاقات الإنسانية تُفرض علينا أو تنشأ عن حاجة، لا عن اختيار حر. إنها نظرة وجودية تتجه إلى صميم الكينونة، لا إلى ظروفها الاجتماعية.

من الذات إلى العالم

لكي نفهم قيمة ما فعله مونتين، يجب أن نتذكر العالم الذي كان يعيش فيه. فرنسا القرن السادس عشر لم تكن مجرد بلد يشهد صراعاً سياسياً، بل كانت مسرحاً لواحدة من أبشع الحروب الأهلية في التاريخ الأوروبي: حروب الدين بين الكاثوليك والبروتستانت (الهوغونوت). ليلة القديس بارثولوميو (1572) وحدها، التي شهدها مونتين بنفسه، أغرقت شوارع باريس بالدماء. لقد كان الناس يقتلون بعضهم بعضاً، ليس من أجل أرض أو مال، بل من أجل أفكار. من أجل يقينيات. كل طرف كان على ثقة مطلقة بأنه يمتلك الحقيقة، وأن الطرف الآخر ليس مخطئاً فحسب، بل هو عدو لله يجب إبادته.

في هذا السياق، لم يكن الشك ترفاً فلسفياً. كان فعلاً أخلاقياً جذرياً. حين كان الجميع يصرخون: "نحن على حق!"، كان هناك رجل واحد، في برجه الريفي، يهمس لنفسه: "ماذا أعرف؟". وحين كان الجميع على استعداد للموت والقتل من أجل يقينياتهم، كان هذا الرجل نفسه يحفر على ميداليته: "أضبط نفسي". لم يكن هذا انسحاباً من العالم، بل كان تأسيساً لموقف أخلاقي جديد، ينبع من الداخل لا من الخارج، ومن الشك لا من اليقين، ومن ضبط الذات لا من إدانة الآخر.

هنا تكمن عبقرية مونتين الأخلاقية، وهي معادلة بسيطة وعميقة في آن: إذا كنت لا أملك الحقيقة المطلقة، فبأي حق أقتل جاري الذي يختلف معي؟

إنها معادلة تنبع مباشرة من منهجه. لأنه بدأ بتشريح ذاته، ولأنه اكتشف كم هي هشة ومتغيرة ومليئة بالتناقضات، ولأنه اعترف لنفسه بأنه لا يعرف شيئاً على وجه اليقين، فقد أصبح من المستحيل عليه أن يدين الآخرين. كيف تدين غيرك وأنت لا تفهم نفسك؟ كيف تقتل غيرك من أجل فكرة وأنت لا تثق بأفكارك الخاصة ثقة كاملة؟ إن الشك، في يد مونتين، لا يؤدي إلى العدمية أو اللامبالاة، بل يؤدي إلى التسامح. إنه يخلق مسافة بين الذات وعقائدها، مسافة تجعل الحوار ممكناً، وتجعل القتل مستحيلاً.

هذا هو بالضبط ما جعل مونتين، الكاثوليكي الملتزم ظاهرياً، قادراً على أن يكون صديقاً للبروتستانت، وعلى أن يتفاوض مع هنري نافار (الزعيم البروتستانتي الذي أصبح لاحقاً ملكاً)، وعلى أن يدعو، في خطابه أمام برلمان بوردو عام 1574، إلى المصالحة بين الطوائف. لم يكن يفعل ذلك من منطلق لامبالاة دينية، بل من منطلق يقين أخلاقي واحد: أن اليقين الديني لا يبرر القتل أبداً.

هناك بعد آخر لهذا التسامح، ينبع مباشرة من رؤية مونتين للذات. إذا كان الإنسان، كما اكتشف مونتين في مختبره الذاتي، كائناً متغيراً، متناقضاً، غير ثابت على حال، فكيف يمكن أن ندينه إدانة نهائية؟

في مقاله "في التوبة"، يكتب مونتين: "أنا لا أصور الكائن، بل أصور المرور". إنه لا يرسم جوهراً ثابتاً، بل يرسم حركة. وإذا كان الإنسان حركة، لا جواهر، فإن الحكم عليه يجب أن يكون حركة أيضاً. لا أحد يستحق الإدانة المطلقة، كما لا أحد يستحق التمجيد المطلق. هذا ليس تردداً أخلاقياً، بل هو فهم عميق للطبيعة البشرية: نحن ما نحن عليه الآن، وقد نكون شيئاً مختلفاً غداً. والتسامح، بهذا المعنى، ليس فضيلة فحسب، بل هو الموقف الوحيد المناسب لكائنات مثلنا، لا تملك ثباتاً ولا تملك يقيناً.

وهكذا، تكتمل الدائرة. مونتين لم يخرج من برجه لكي يغير العالم. إنه خرج من برجه لأنه كان مضطراً: كعمدة لمدينة بوردو (1581-1585)، وكمفاوض بين الأطراف المتصارعة، وكشاهد على الطاعون الذي اجتاح المدينة. لكنه حين خرج، كان يحمل معه ذلك المنهج الذي طوره في عزلته: الشك، والتواضع المعرفي، وفهم الذات، وقبول التناقض.

وحين طُبق هذا المنهج على السياسة، أنتج شيئاً نادراً في ذلك الزمن، وفي كل زمن: صوتاً يدعو إلى التعايش لا إلى الانتصار، وإلى الحوار لا إلى الإبادة، وإلى الفهم لا إلى الإدانة. لم يكن مونتين ثورياً سياسياً، ولم يدعُ إلى تغيير النظام. لكنه فعل ما هو أعمق من ذلك بكثير: لقد أسس لأخلاق مدنية جديدة، تقوم على فكرة أن الاعتراف بضعفنا البشري هو أقوى أساس للتعايش معاً.

الخلاصة

إن عبقرية مونتين، كما جادلنا، لم تكن في اختراع قالب أدبي جديد، بل في تأسيس علاقة جديدة كلياً بين الكاتب وقارئه، وبين الذات والعالم. لقد نقل الكتابة من طور التعليم إلى طور الاستكشاف، فخلق قارئاً هو رفيق بحث، لا تلميذاً. وجعل من الشك فضيلة دائمة، لا محطة عابرة، فحوّل التواضع المعرفي إلى أساس للتسامح المدني. وجعل من الذات مختبراً للتجريب، لا منبراً للوعظ، فمنح الأدب الأوروبي مادته الأكثر خصوبة: الإنسان بكل هشاشته وتناقضه وجسده وآلامه. وجعل من الفرنسية، تلك اللغة الفتية، لساناً للفلسفة والحياة معاً، فأثبت أن الحكمة لا تسكن في أبراج اللاتينية وحدها.

وهنا، في هذا المنعطف الأخير، نجد الإجابة عن سؤال المفارقة الذي طاردنا منذ البداية: لماذا نجح مونتين حيث فشل التوحيدي؟ ليس لأن مونتين كان أعمق تفكيراً أو أصدق بوحاً، بل لأنه، وببساطة مدهشة، كتب لقارئ لم يوجد بعد، ثم خلقه بكتابته. لقد اخترع قارئه مع كل صفحة. أما التوحيدي، فرغم عبقريته الموازية، كتب لقارئ كان ينبغي أن يوجد، فلم يجده. لقد احترق وحده.

***

عمرون علي

في المثقف اليوم