مقاربة تاريخية - دلالية
يفرض تصاعد التوترات بين الدول العربية من جهة، وإيران والقوميات المتعددة داخل حدودها والمناطق المجاورة لها من جهة أخرى، إعادة النظر في منظومة المصطلحات التي ما تزال تُستدعى، بوعي أو من دونه، في الخطاب المتبادل من قدحٍ وازدراء. ويحتل مصطلح "العجم" موقعاً مركزياً في هذا الخطاب، إذ يكاد يكون عتبة لا يستغني عنها كثير من الكتّاب العرب عند الحديث عن الآخر غير العربي.
وقد أدّى تكرار استعمال هذا المصطلح عبر قرون طويلة إلى تحوّله إلى لفظ متداول لا يُستحضر أصله ولا الغاية التاريخية من نشأته. تسعى هذه الدراسة إلى تفكيك هذا المصطلح دلالياً وتاريخياً، من خلال العودة إلى العصر الجاهلي ولحظة ظهور الإسلام، وتتبع طبيعة العلاقة بين القبائل اليهودية والقبائل العربية في شبه الجزيرة العربية، بوصف هذه العلاقة الحاضنة الأولى التي تشكّل فيها الثنائي المفهومي "أمّة/عجم".
وتنطلق الدراسة من فرضية مركزية مفادها أن مصطلح "العجم" ليس نتاجاً عربياً أصيلاً بمعزل عن سياقه، بل هو استعادة بنيوية لمفهوم توراتي سابق هو "الغوييم" (Goyim)، أُعيد إنتاجه ضمن شروط تاريخية جديدة بعد تشكّل الهوية الإسلامية-العربية.
أولاً: الحضور اليهودي في شبه الجزيرة العربية قبل الإسلام
استوطنت جماعات يهودية شبه الجزيرة العربية قبل ظهور الإسلام بقرون، في يثرب وخيبر واليمامة ونجران واليمن وتيماء، وقد ورد ذكر تيماء في سفر إشعياء من العهد القديم. ومن هذه الجماعات بنو قينقاع، الذين تُرجّح الروايات أنهم هُجّروا من أورشليم إثر إخفاق الثورات اليهودية ضد الإمبراطورية الرومانية، إضافة إلى بني النضير وبني قريظة وسواهم.
اشتغل اليهود بالزراعة وصناعة السيوف وصياغة الذهب والتجارة، وتمكّنوا بفعل خبرتهم التراكمية من الهيمنة على قطاعات واسعة من الحرف والتعامل النقدي في المنطقة. أما على الصعيد الاجتماعي والعقدي، فقد شكّلوا جماعة منغلقة على ذاتها، متمسكة بشعائرها الدينية إلى حدّ اندماج الدين بالحياة اليومية اندماجاً كلياً، وهو ما تجسّد في قيود صارمة كتحريم الزواج من غير اليهود، وأحكام رادعة كرجم الزاني، بما يرسم حدوداً واضحة لعلاقتهم بالآخر.
في المقابل، كانت القبائل العربية تعيش حالة من عدم الاستقرار، غلبت عليها البداوة وسادتها العصبية القبلية والعقيدة الوثنية، وهي حالة وصفها القرآن ذاته بـ"الجهل" في أكثر من موضع. وبين الطرفين قامت مفارقة جوهرية: امتلك اليهود ديانة توحيدية موروثة، وكتاباً سماوياً (التوراة)، وشريعة مدوّنة (التلمود)، وسِفراً من تاريخ الأنبياء وحكمهم، فضلاً عن وعد إلهي بالاصطفاء. وقد أسهمت هذه المفارقة في تشكيل نظرة استعلائية لدى اليهود تجاه العرب وسائر الأمم، عبّرت عن نفسها في مصطلح توراتي جامع.
ثانياً: مصطلح "الغوييم" وجذور الاستعلاء الديني
استمدّ اليهود نظرتهم الاستعلائية من نصوصهم المقدسة، إذ أطلقت التوراة لفظ "جوييم" (Goyim) بصيغة الجمع، و"جوي" (Goy) بصيغة المفرد، على كل الأقوام والأمم غير اليهودية، وتُترجم الكلمة عربياً بـ"الأقوام" أو "الشعوب" أو "الأمم". ويحمل هذا التوصيف في سياقه التوراتي دلالة تراتبية تضع اليهود في مرتبة الشعب المختار، وسائر الأمم في مرتبة تابعة أو خادمة.
«ويقف الأجانب ويرعون غنمكم، ويكون بنو الغريب حرّاثيكم وكرّاميكم، أما أنتم فتُدعون كهنة الرب» — سفر إشعياء 61: 5-6
«والآن قد اجتمعت عليكِ أممٌ كثيرة... قومي ودوسي يا بنت صهيون، لأني أجعل قرنكِ حديداً» — سفر ميخا 4: 12-13
وتفيد قراءة هذه النصوص أن مصطلح "الأمّة" أو "الأمم"، بوصفه ثقافة موروثة داخل التقليد الديني اليهودي، وُظّف لأغراض متعددة، أبرزها حماية النخبة اليهودية المشتّتة جغرافياً من الذوبان في الشعوب المضيفة، وتجنّب التزاوج والاختلاط معها، تحت غطاء عقدي يقوم على التمايز والاصطفاء.
ثالثاً: "الأمّيّون" في القرآن الكريم: قراءة لغوية-تاريخية
تعكس آيات قرآنية عدّة هذا الواقع الاجتماعي-الديني القائم على التمييز بين "أهل الكتاب" و"الأمّيّين"، الذين يُراد بهم العرب.
﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ﴾ [الجمعة: 2]
﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ [آل عمران: 75]
﴿وَقُل لِّلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ﴾ [آل عمران: 20]
من الناحية الصرفية، وردت لفظة "الأمّيّين" بصيغة جمع المذكر السالم، مجرورة بالياء في الآيتين الأولى والثانية، ومنصوبة بالياء في الآية الثالثة، وفق القاعدة الصرفية لجمع المذكر السالم. وقد ذهب معظم المفسرين الأوائل إلى أن "الأمّيّين" في الآيتين الأولى والثانية يعنون بها العرب غير القارئين، في حين فسّروا ورودها في الآية الثالثة بمعنى مشركي العرب من دون تخصيص دلالة الأمّية بالقراءة.
﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: 110]
ويمكن قراءة هذه الآية بوصفها خطاباً مزدوجاً: إقرار ضمني، موجّه إلى اليهود، بأممية العرب ومساواتهم بهم من حيث الانتماء إلى فئة "الأمم"، مقروناً بردّ يفيد أفضلية العرب عليهم؛ وخطاب موازٍ موجّه إلى العرب أنفسهم، مؤمنيهم ومشركيهم، يقرّر تفضيلهم على سائر الأمم وتكليفهم بقيادتها.
﴿الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ﴾ [الأعراف: 157-158]
وتستدعي هذه القراءة إشكالية النسب الصرفي في صيغة المفرد. فوفق قواعد النسب في اللغة العربية، عند التنسيب إلى اسم مختوم بتاء التأنيث تُحذف التاء ويُستعاض عنها بياء مشددة مكسورة، فتصبح "أمّة" منسوبة إليها "أمّيّ"، والتنسيب أصلاً إجراء صرفي يخصّ المفرد دون الجمع؛ فلا يصحّ، على سبيل المثال، أن يُقال "صُحُفي" نسبة إلى الجمع "صُحُف"، بل "صَحَفي" نسبة إلى المفرد "صحيفة".
وعلى الرغم من هذا الأساس الصرفي، فسّر جمهور المفسرين الأوائل "الأمّي" بمعنى الجهل بالقراءة والكتابة، استناداً إلى نسبة المرء إلى أمّه التي ولدته على الفطرة الأولى. وهو تفسير يثير إشكالاً منطقياً: كيف يُنسب الجهل والغفلة إلى نبيّ وُصف في السياق ذاته بأنه المعلّم والمزكّي والهادي إلى الكتاب والحكمة؟ ويترجّح، في ضوء هذا التعارض، أن دلالة "الجهل" لصقت بلفظة "الأمّي" في مرحلة لاحقة لعصر النبوّة، وأن بعض العلماء المسلمين اجتهد في نسبتها إلى "أمّ القرى"، إلى جانب اجتهادات أخرى متباينة حول مفهومَي "الأمّة" و"الأمّية".
رابعاً: يثرب ولحظة التحوّل التأسيسية
كانت القبائل اليهودية الثلاث الكبرى، بنو قريظة وبنو قينقاع وبنو النضير، أول من استوطن يثرب، قبل أن تستوطنها قبيلتا الأوس والخزرج، القحطانيتا الأصل، اللتان هاجرتا إلى المدينة بعد انهيار سدّ مأرب، ودخلتا في تحالفات منفردة مع القبائل اليهودية، وسط صراع داخلي متطاول بينهما، إلى أن أرسى النبي المؤاخاة بينهما عبر وثيقة المدينة، التي أقرّت أيضاً لليهود بحرية الدين وممارسة شعائرهم.
ويمكن قراءة هذا الإقرار في سياق استراتيجي مزدوج: تهيئة مناخ من الاستقرار يتيح ترسيخ أسس الدولة الوليدة وبسط النفوذ على القبائل المجاورة من جهة، وبناء مركز رمزي جامع يتمثّل في المسجد من جهة أخرى، تمهيداً لتحويل اسم "يثرب" إلى "المدينة".
ويلحظ الدارس تشابهاً بنيوياً بين عدد من القصص القرآني المدني (خلق آدم وحواء، الطوفان، خلق الكون) ونظائرها في التوراة، ويمكن تفسير هذا التشابه بعاملين: غياب تراث ديني مدوّن لدى العرب قبل الإسلام سوى الوثنية، والرغبة الضمنية في توظيف السردية التوراتية ذاتها كأداة إقناع لليهود بالدخول في الدين الجديد.
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: 62]
بيد أن تمسّك اليهود بعقيدتهم القاضية بحصر النبوّة في سلالة بني إسرائيل حال دون قبولهم نبوّة عربية جاءت من خارج هذه السلالة، وهو ما يفسّر جزئياً انتساب النبي محمد إلى إسماعيل بن إبراهيم، في مقابل انتساب اليهود إلى إسحاق بن إبراهيم. ولم يقتصر موقف اليهود على عدم الاعتراف، بل تحوّلوا، بحكم حجاجهم الديني أمام حشود العرب المترددين بين القبول والشك، إلى ما يشبه العقبة البنيوية أمام مشروع النبوّة الجديد.
لم يكن الإسلام، في هذا الإطار، مجرّد نسق عقدي، بل مشروعاً سياسياً-اجتماعياً يرمي إلى توحيد القبائل العربية المتفرقة ضمن كيان جغرافي-سياسي منظّم، وبناء شخصية عربية جامعة ذات هوية ومنهج مستقلين. وقد اقتضى هذا المشروع، بعد إخفاق التجربة في مكة والطائف، إزاحة كل عائق بنيوي أمامه، فاتخذ الصراع مع اليهود بعداً عقدياً وسياسياً في آن، وصُوّروا في الخطاب القرآني بوصفهم شعباً نقض عهده مع الله، بعد أن كانوا، وفق الآية "يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضّلتكم على العالمين"، محلّ اصطفاء إلهي، لتُستبدل هذه المكانة بجملة اتهامات: نقض العهود، تحريف الكتاب، قتل الأنبياء، وقساوة القلب، وهي اتهامات أسهمت في بناء هوية جماعية عربية-إسلامية متماسكة، توّجت، من الناحية التاريخية، بتصفية الوجود الديني غير الإسلامي في شبه الجزيرة، عبر الترحيل والسبي والإبادة.
خامساً: من "الأمّيّين" إلى "العجم": انتقال الاستعلاء
بما أن النبي عربي من قبيلة قريش، وأن القرآن نزل بلسان عربي مبين، وفق قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾، فقد أثار ورود ألفاظ غير عربية الأصل في النص القرآني (كسندس واستبرق وعليون وسجين ومرقوم ومشكاة وجهنم)، وهي ألفاظ ذات جذور عبرية وحبشية وفارسية وسريانية وآرامية، تساؤلاً لدى الصحابة حول مبرر ورودها في نصّ يُوصف بالعربية الخالصة.
وقد جاء الردّ القرآني على مستويين متلازمين: مستوى تفاخري بفصاحة اللغة العربية، ومستوى استعلائي ينتقص من الأمم التي استُعيرت ألفاظها، عبر وصفها بـ"الأعجمية".
﴿لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ﴾ [النحل: 103]
﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَّقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ [فصلت: 44]
وتُبيّن مراجعة المعاجم العربية الكلاسيكية، كالصحاح ولسان العرب والمحيط والمعجم الوسيط، أن لفظة "العجم" تحمل دلالة تراتبية صريحة: فهي، من جهة، نقيض "العرب"، ومن جهة أخرى تشير إلى "العجماء" أي البهيمة التي لا تنطق، بحيث يوصف كل من لا يُفصح كلامه، عربياً كان أو غير عربي، بـ"الأعجم". ويمكن تلخيص الدلالات المعجمية للفظ في أربع نقاط أساسية:
- تصنيف العرب في جهة وسائر الأمم في جهة مقابلة.
- اعتبار كل خطاب غير مفهوم "عجمياً".
- ربط "العجمة" دلالياً بالبهيمية وانعدام القدرة على البيان.
- تأسيس اللغة العربية بوصفها لغة البيان المطلق في مقابل لغات موصوفة بالقصور التعبيري.
يتيح هذا التحليل استنتاجاً مركزياً: أن "العجم" لم يكن ابتكاراً عربياً مستقلاً بمعزل عن سياقه التاريخي، بل إعادة إنتاج بنيوية لمفهوم "الغوييم" التوراتي، بعد تبدّل موازين الهيمنة الرمزية. فبعد أن كان العرب أنفسهم مصنَّفين ضمن "أمم" اليهود، أعاد المسلمون، بعد توحّد القبائل العربية تحت راية الإسلام ومؤاخاة الأوس والخزرج، إنتاج المنطق التصنيفي ذاته، فاستبدلوا موقعهم من "أمّة مصنَّفة" إلى "أمّة مصنِّفة"، واستحدثوا مصطلح "العجم" ليقوم بالوظيفة البنيوية نفسها التي قام بها "الغوييم" في السياق التوراتي، مع عكس موقعَي المركز والهامش.
خاتمة
تكشف هذه المقاربة أن ثنائية "أمّة/عجم" ليست بناءً لغوياً محايداً، بل نتاج تحوّلات في موازين القوة الرمزية بين جماعتين دينيتين-إثنيتين تقاسمتا الفضاء الجغرافي والثقافي لشبه الجزيرة العربية. فقد استُخدم المصطلح، في صورته التوراتية والقرآنية على حدّ سواء، أداةً لترسيخ حدود الهوية الجماعية عبر إقصاء الآخر لغوياً ورمزياً. وقد استمر هذا المنطق التصنيفي فاعلاً عبر قرون طويلة، حتى بعد قيام منظومة الأمم المتحدة وحقوق الإنسان الحديثة، إذ لا تزال البشرية، في المخيال الديني الموروث، "أمماً" في نظر اليهود، و"عجماً" في نظر العرب، من دون أن يقدم أي من الطرفين على مراجعة نقدية لهذا الإرث المصطلحي.
***
ستار بزيني








