عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

عبد السلام مسعودي: المركز والهامش.. جدل السيادة والمقاومة في زمن الحداثة

مقدمة: إشكالية الموقع والموقف

تثير العلاقة بين المركز والهامش أسئلة جوهرية حول طبيعة السلطة وامتداداتها وكيفية تشكل الوعي المضاد داخل بنيات الهيمنة. فالمقاومة، كممارسة وجودية وسياسية، لا تنشأ في فراغ تاريخي بل تتحدد بتوازنات القوى وبتوزيع الأدوار وبتلك الحدود غير المرئية التي ترسمها الخطابات المهيمنة لتمييز الذات عن الآخر والجوهر عن العارض والأصل عن الصورة. غير أن هذه الثنائيات، رغم بداهتها الظاهرية، تخفي شبكات معقدة من العلاقات التبادلية، حيث يصبح المركز مهدداً من داخله والهامش منتجاً لمعنى مضاد يعيد تشكيل قواعد اللعبة.

إن تأمل المقاومة في سياق حداثي يستدعي تجاوز النماذج التقليدية التي تختزلها في فعل التصدي المباشر أو في رفض الأوضاع القائمة. فالحداثة بوصفها مشروعاً عقلانياً وسيرورة متواصلة من التفكك وإعادة التكوين، تمنح المقاومة أبعاداً جديدة تتعلق بالمعرفة والهوية والزمن والفضاء. ففي قلب المؤسسات الجامعة، وفي أطراف المجتمعات المهمشة، تتشكل أشكال من التمرد تختلف في أساليبها وتتقاطع في غاياتها وتتغذى من تناقضات النظام ذاته. لكن السؤال الأعمق الذي يظل معلقاً: هل المقاومة ردّ فعل على القمع أم أنها طاقة إبداعية تسبق أي شكل من أشكال التسلط؟ وهل يفقد الهامش قوته النقدية حين يطمح إلى احتلال المركز أم أنه يكتسب شرعيته من خلال هذه الرغبة ذاتها؟

لعل الإجابة عن هذه الإشكاليات تقتضي مقاربة تعددية تستوعب تنوع مواقع الفعل الإنساني، ولا تكتفي بوصف الظواهر، بل تغوص في بنياتها الأنطولوجية والمعرفية. فالمقاومة في جوهرها ليست مجرد استجابة لظروف خارجية بل هي تشكيل للذات وإعادة ابتكار للعلائق ونقض مستمر للجاهزية التي تفرضها القوى القائمة. ومن هنا، ينبغي أن يتجه التفكير نحو استكشاف كيف يمكن للفعل المقاوم أن يتحرر من إرث المركزية وأن يخلق فضاءات بديلة تعترف بالاختلاف وتحتفي بالغموض وتستبدل منطق الإقصاء بمنطق التضامن المختلف.

 المركز بوصفه موقعاً للسلطة وهشاشة السيادة

يمثل المركز في مختلف السياقات الاجتماعية والسياسية والثقافية، تلك النقطة المرجعية التي تُشتق منها المعايير وتُصاغ منها الحقائق وتُوزع منها المشروعيات. فهو ليس مجرد موقع جغرافي أو إداري بل هو بنية معرفية تنتج خطاباً يطمح إلى الكونية ويقدم نفسه باعتباره المقياس الوحيد للعقلانية والجمال والخير. تمارس هذه البنية تأثيرها عبر آليات دقيقة من الإدماج والإقصاء، حيث تُصنف الممارسات والأفعال وفقاً لدرجة اقترابها أو ابتعادها عن نموذج مركزي مفترض. بيد أن هذه الهيمنة ليست مطلقة البتة، فهي تنطوي على تناقضات داخلية وتواجه تحديات تنبع من أسرّتها، مما يجعل المركز في حالة ترقب دائم أشبه بحصن يخشى الاختراق من أولئك الذين يحرسون أبوابه.

تتجلى راهنية هذه الإشكالية في عالم متسارع التحولات، حيث تفقد الحدود وضوحها وتتداخل الأصوات وتتسارع وتيرة التفكيك. إن المركز، لكي يحافظ على نفوذه، يضطر إلى تحديث خطابه واستيعاب قدر من الانتقادات وفتح نوافذ محدودة على الهامش، لكن دون المساس بجوهر سيطرته. وهذه الاستراتيجية التي يمكن وصفها بمرونة الجمود، تخلق فضاءً خصباً للمقاومة الداخلية، حيث يصبح بوسع الفاعلين المنتمين إلى المؤسسات الكبرى أن يمارسوا نوعاً من العصيان الناعم عبر إعادة تفسير القواعد أو استغلال ثغراتها أو المماطلة في تنفيذها. فالمقاومة في المركز لا تتخذ غالباً شكل المواجهة العلنية بل تتخفى وراء أقنعة الموالاة وتعمل بوساطة السخرية والمفارقة والالتفاف على النصوص دون خرقها صراحة.

وإذا كان ميشيل فوكو قد أشار إلى أن السلطة ليست ملكية بل استراتيجية، وأنها تمارس أكثر مما تمتلك، فإن هذه الرؤية تفتح الباب لفهم المقاومة كجزء لا يتجزأ من العلاقات السلطوية نفسها. فالمركز، في منظوره، لا يخلو من فجوات وتصدعات تسمح بظهور أصوات معارضة بل إن هذه الأصوات هي التي تجدد الحيوية في جسم المؤسسات وتمنعها من التحجر. غير أن الخطر الذي يتهدد المقاومة الداخلية يكمن في استيعابها داخل لعبة السلطة، حيث تتحول إلى مجرد تنفيس عن التوترات أو إلى آلية لتبرير استمرار الوضع الراهن. ومن هنا تأتي أهمية التمييز بين المقاومة المؤسساتية التي تعيد إنتاج المركز، والمقاومة التحويلية التي تسعى إلى إعادة توزيع المقاعد على رقعة الشطرنج كلها.

إن التفكير حول المركز وهامشيته يستدعي أيضاً الانتباه إلى البعد الزمني، إذ أن المركزية كثيراً ما ترتبط بسردية التقدم، حيث يُصوَّر المركز على أنه طليعة التاريخ والهامش على أنه بقايا ماضٍ متخلف. وهذه النزعة التطورية تشكل أداة فعالة في تبرير الهيمنة وممارسة نوع من العنف الرمزي يدفع المهمشين إلى استبطان دونيتهم والسعي إلى محاكاة النموذج المركزي بدلاً من نقد أسسه. لكن الفكر الحداثي، في منعطفاته النقدية، كشف عن زيف هذه الخطابات وأظهر أن ما يُقدم كمسلمات عقلانية هو في الحقيقة نتاج ظروف تاريخية محددة ومصالح فئوية مضمرة. وهكذا، يصبح تفكيك المركزية المعرفية شرطاً لأي مقاومة جذرية لا تكتفي بتغيير ملامح الوجه بل تعيد النظر في بنية الجسد برمته.

الهامش كمساحة للإبداع وتعدد المرجعيات

على الضفة الأخرى من التقسيم الثنائي، يقبع الهامش بوصفه تلك المنطقة التي تعرفها النظرية الاجتماعية غالباً بصفات النقص أو الانحراف أو التأخر. لكن هذه الصفات ليست سوى انعكاسات لرؤية المركز لذاته، وهي لا تعكس بالضرورة حقيقة ما يجري في تلك المناطق التي يتعذر اختزالها في قوالب جاهزة. فالهامش، بعيداً عن كونه مجرد وعاء للسلبية، يزخر بطاقات إبداعية وبأشكال من المعرفة العملية وبعلاقات اجتماعية تفلت من قبضة الشكلانية المؤسساتية. إنه الفضاء الذي تنبت فيه بدائل ممكنة لأنظمة العيش والتفكير، حيث تتشابك الأنساق الثقافية المختلفة وتنتج توليفات غير متوقعة تتحدى ثنائيات المركزية.

إن المقاومة في الهامش تتخذ أحياناً أشكالاً عنيفة وصاخبة، كالثورات والانتفاضات، لكنها في معظم الأحيان تكون أكثر ليونة وانتشاراً، إذ تتخلل الممارسات اليومية وتتجسد في الحكايات الشفهية والأغاني والطقوس الدينية وأساليب التعامل مع البيئة المحيطة. هذه المقاومة الخفية التي أشار إليها كل من جيمس سكوت وميشال دو سيرتو، تتميز بقدرتها على التملص من شبكات المراقبة وصنع فضاءات للحرية داخل نسيج القهر ذاته. غير أن الخطأ الشائع هو النظر إلى هذه الممارسات باعتبارها مجرد ردود أفعال تجاه ضغوط الخارج، في حين أنها تشكل في واقعها نسيجاً ثقافياً مستقلاً يحمل رؤيته الخاصة للعالم ويبتكر حلولاً لتناقضات لا تعترف بها الأطر المرجعية السائدة.

المدهش في ديناميكية المركز والهامش أن العلاقة بينهما ليست أحادية الاتجاه، بل هي أشبه بحوار صاخب تتعدد فيه اللغات وتتداخل فيه الأصوات. فالهامش يؤثر في المركز بطرق غير مباشرة، عبر تسريب مفاهيمه وممارساته وحساسياته الجمالية، في عملية تمثل نوعاً من الاستعمار العكسي. ولعل التاريخ الثقافي للمدن الكبرى خير شاهد على كيف أن إبداعات الأحياء الفقيرة والمجتمعات المهاجرة والفئات المضطهدة أصبحت تشكل مادة خاماً لإنتاجات المركز الثقافية والاقتصادية. ولكن هذه الإسهامات تُسجل غالباً باسم المركز ويُعاد صياغتها بلغته، مما يثير سؤالاً أخلاقياً حول نهب التراث الرمزي وشروط الاعتراف بالآخر.

من هذا المنظور، يمكن القول إن الهامش يحمل في طياته نقداً ضمنياً لعقلانية المركز، ذلك لأنه يعيش التناقض بشكل أكثر حدة ويدرك أن الواحدية المعرفية لا تتسع لتعدد التجارب الإنسانية. إن تجربة التهميش تمنح الفاعلين فيها حساً مرهفاً بالغبن، لكنها تمنحهم أيضاً القدرة على رؤية الصورة كاملة، لأنهم يقفون خارج إطارها التقليدي. وهذه النظرة الشاملة التي يفتقر إليها كثيراً من ساكني المركز، تجعل من الهامش موقعاً امتيازياً لإنتاج معرفة نقدية قادرة على كشف الأسس المتزعزعة للأنظمة التي تبدو راسخة. غير أن هذه الميزة المعرفية لا تتحقق تلقائياً بل تستدعي جهداً واعياً لتجاوز آلام الإقصاء وتحويلها إلى طاقة تأملية، بدلاً من الانزلاق إلى مطامح انتقامية تعيد إنتاج منطق المركز على نحو مقلوب.

 حوارية المقاومة وتشابك المصائر

على الرغم من التمايز الظاهري بين مقاومة المركز ومقاومة الهامش، فإن الفصل الحاد بينهما يبقى شكليا، لأنه يتجاهل التشابك العضوي الذي يربط الموقعين في سياق تاريخي مشترك. فالمقاومة، في جوهرها، ليست ملكية حصرية لأي من الطرفين بل هي علاقة ديناميكية تنتج من احتكاك القوى وتتغذى من تناقضات كل منهما. إن المركز بحاجة إلى الهامش ليعرّف ذاته، والهامش بحاجة إلى المركز ليكون له موضوع للمعارضة، لكن هذه العلاقة الثنائية قد تتحول إلى شراكة في التغيير إذا ما أدرك كل طرف أن مصيره مرتبط بمصير الآخر، وأن أي تحول حقيقي لا يمكن أن يتحقق من دون إعادة توزيع جذرية للسلطة والمعرفة والثروة.

قد يبدو هذا الطرح طوباوياً في نظر البعض، خصوصاً في ظل تفاقم أوجه اللامساواة عالمياً وتصلب المواقف الأيديولوجية وتنامي خطابات الكراهية والإقصاء. لكن الفكر الحداثي، في توجهاته الأخيرة، يدعو إلى تجاوز منطق الأضداد والتفكير في علائق أكثر مرونة تعترف بالاختلاف ولا ترفع الصراع إلى مرتبة الغائية التاريخية. المقاومة الإبداعية هي تلك التي لا تكتفي بفضح عيوب الخصم بل تنشغل ببناء أنموذج جديد للتعايش، يستوعب التنوع البشري بكل تعقيداته ويستبدل إرادة السيطرة بإرادة التفاهم. هذا لا يعني التخلي عن النضال بل إعادة تعريف النضال بوصفه ممارسة دائمة لإنتاج المعنى بدلاً من أن يكون مجرد صراع على الحصص.

إن مسؤولية المثقف، في هذا السياق، تتجاوز دوره التقليدي كونه ناقداً أو مرشداً، إلى دور الوسيط الذي يترجم آلام الهامش إلى لغة يفهمها المركز ويفكك مسلمات المركز بلغة يفهمها الهامش دون أن يخون خصوصية أي من الطرفين. هذه المهمة الصعبة تستدعي شجاعة معرفية ورغبة في المغامرة خارج المناطق الآمنة واستعداداً لتحمل تهمة الخيانة من الجانبين. غير أن هذه الخيانة المتهم بها الوسيط قد تكون في الواقع أسمى صور الوفاء للحقيقة التي لا تنتمي إلى أحد بل تلوح في الأفق كلما اقتربنا من تفكيك الأقنعة التي تخفي وحدة المصير الإنساني تحت ستار الانقسامات المصطنعة.

لكل ما سبق، يمكن القول بأن المقاومة المعاصرة بحاجة إلى إعادة تأسيس على مستوى النظرية والممارسة، بحيث لا تظل رهينة لتصورات المركز التي تجعل منها مجرد رد فعل ولا أسيرة لأوهام الهامش التي تحلم بقلب الطاولة دون تغيير قوانين اللعبة. إننا أمام فرصة تاريخية نادرة لتجاوز الصراع الثنائي والانطلاق نحو أفق ثالث يقوم على الاعتراف المتبادل والتضامن الأفقي والتعاون المختلف. هذا الأفق لا يلغي التوترات بل يضعها في إطار خلاق، حيث يصبح الخلاف مصدراً للغنى والتنافس مدعاة للابتكار، والاختلاف أساساً للوحدة المنشودة.

نقد الحداثة واستعادة الفعل المقاوم

لا يمكن الحديث عن المقاومة في الزمن الراهن دون العودة إلى مشروع الحداثة نفسه، ذلك المشروع الذي وُلد من رحم الثورات العلمية والفلسفية والسياسية التي اجتاحت أوروبا منذ القرن السابع عشر وحمل معه وعوداً بالتحرر والعقلنة والتقدم. غير أن هذه الوعود، كما يقرر نقاد الحداثة من أمثال تيودور أدورنو وماكس هوركهايمر، تحولت إلى أدوات لهيمنة جديدة، حيث أصبحت العقلانية الآلية والنزعة الأداتية عبئاً على الإنسانية بدلاً من أن تكون منقذاً لها. فالمقاومة، في هذا السياق، لا ينبغي أن تكون دفاعاً عن الحداثة بقدر ما تكون رفضاً لانغلاقها على نفسها وتذكيراً لها بما أهملته من أبعاد جمالية وأخلاقية في سباقها نحو السيطرة على الطبيعة والإنسان.

إن النقد الحداثي للمقاومة يتطلب الحذر من الوقوع في فخ النسبوية المطلقة، أو الانغماس في تشاؤم ما بعد الحداثة الذي ينفي إمكانية أي تحول جماعي. المقاومة التي نرتجيها هي تلك التي تستلهم روح الحداثة النقدية، أي قدرتها على مساءلة المسلمات وكسر التابوهات، دون أن تتخلى عن الإيمان بقيمة الحقيقة والعدالة والحرية. إنها مقاومة تعرف أنها ليست الأولى ولا الأخيرة وأن كل انتصار يحمل في طياته بذور هزيمته وكل هزيمة تفتح آفاقاً لانتصارات قادمة. وهذا الوعي الجدلي يحمي المقاومة من الغرور ويمنحها مرونة تمكنها من التكيف مع تحولات الزمن دون أن تفقد بوصلتها الأخلاقية.

في هذا المنحى، تبرز أهمية استعادة مفهوم "الفعل" بوصفه محوراً للمقاومة، بعيداً عن كل أشكال السلبية والانتظار. فالفعل المقاوم ليس مجرد استجابة للظروف بل هو خلق للظروف وتغيير لقواعد اللعبة وإنتاج لمعانٍ جديدة. والفعل هنا يفترض وعياً ذاتياً وقدرة على التخيل وشجاعة على المخاطرة وإرادة على التحمل. هذه الصفات تجتمع في الشخصية الحداثية التي لا تنتمي بالكامل إلى أي معسكر بل تظل في حالة من الترحال الفكري تمتحن الأفكار بالممارسة وتصحح الممارسة بالنظر النقدي. وإن كان هذا النموذج صعب المنال، فإنه يبقى مثالاً ينير الطريق ويدفع نحو اقتحام المجهول بثقة متواضعة.

ما يلفت النظر في تحولات المقاومة الحديثة هو ظهور أشكال جديدة من التضامن تتجاوز الحدود الجغرافية والانتماءات الهوياتية التقليدية، لتشمل قضايا البيئة والجنس والتكنولوجيا والمعرفة الرقمية. هذه التضامنات العابرة للقارات تشكل نوعاً من الهامش العالمي الذي يواجه مركزية الرأسمالية والإمبريالية الثقافية واستغلال الموارد الطبيعية. غير أن هذه الشبكات تواجه بدورها تحديات تتعلق بالتماسك وبتوزيع الأدوار وبإمكانية تحويل طاقتها الاحتجاجية إلى برامج بناءة. وهنا تعود إشكالية المركز والهامش لتطرح نفسها على مستويات متعددة، مما يستدعي وعياً مركباً قادراً على الربط بين المحلي والعالمي وبين اللحظي والتاريخي وبين الخاص والعام.

 نحو فلسفة للمقاومة المتجسدة

لكل ما تقدم، يبدو من الضروري تجاوز النظريات المجردة في معالجة المقاومة، والاتجاه نحو فكر يولي اهتماماً كبيراً للتجربة المعاشة، وللجسد بوصفه مسرحاً للصراع والتحرر. فالجسد، في منظومة المركز، يُختزل إلى موضوع للمراقبة والتأديب والاستثمار، بينما في منطق الهامش، قد يتحول إلى أداة للصمود والتعبير والانتفاض. المقاومة المتجسدة هي تلك التي تستعيد وعي الجسد بحدوده وإمكاناته وتستثمر ألمه في صنع رؤى جديدة للعالم وتجعل من شهوته ورهبته مصدراً للجمال والمقاومة في آن. هذا المنحى، الذي تجسد في فلسفات نيتشه وفوكو ودولوز، يفتح أمامنا آفاقاً لفهم المقاومة كطاقة إبداعية تتدفق في كينونة الإنسان وتتجاوز كل تقسيم ثنائي بين الروح والجسد، الفكر والفعل، الفرد والجماعة.

إن فلسفة المقاومة المتجسدة لا ترفض العقل بل توسع مفهومه ليشمل العاطفة والحدس والممارسة، كما لا تهمل البنى الاجتماعية، بل تنظر إليها باعتبارها نتاجاً لتجسيدات تاريخية قابلة للتغيير. ومن هنا، يصبح التغيير ممكناً عندما يتشكل وعي جديد بالجسد الجماعي، أي بالعلاقات التي تربط الأجساد فيما بينها، وتشكل شبكات من التأثير والتأثر. هذه الشبكات قد تكون مواقع للمقاومة حين تتحرر من هيمنة الصور النمطية وتستعيد قدرتها على الدهشة وعلى ابتكار أساليب عيش بديلة تفلت من قبضة التطبيع. وعلى هذا النحو، تتحول المقاومة إلى فن للوجود لا إلى مجرد سياسة للنفي.

إن التحدي الأكبر الذي يواجه هذا الفكر هو كيفية ترجمته إلى ممارسات سياسية واجتماعية ملموسة، دون أن يفقد غناه النظري، ودون أن تتحول إلى أيديولوجيا جديدة تكرر أخطاء سابقاتها. ولعل الحل يكمن في الحفاظ على التوتر الخلاق بين الطموحات الكبرى والإنجازات الجزئية، بين الرؤية الشاملة والخطوات التكتيكية، بين الثبات على المبادئ والمرونة في الوسائل. هذه المقاومة الهجينة، التي تمتزج فيها العزيمة بالدهاء والجدية بالسخرية والانتماء بالانفتاح، هي الأقدر على الصمود في وجه عواصف العولمة والتقلبات الاقتصادية والأزمات الوجودية التي تعصف بالإنسان المعاصر.

 خاتمة: في أفق مقاومة لانهائية

في ختام هذه التأملات، يبدو جلياً أن المقاومة ليست حالة استثنائية تظهر في لحظات الأزمات بل هي بُعد أصيل في الوجود الإنساني يرافق حركة التاريخ ويعكس قدرة الإنسان على تجاوز واقعه نحو آفاق جديدة. المركز والهامش، في هذه الرؤية، ليسا موقعين جامدين بل هما قطبان يتجاذبان ويتداخلان ويتبادلان الأدوار، مما يجعل أي مشروع مقاوم دائرياً بطبيعته، ممتداً في الزمان، متعدداً في المكان. وعليه، فإن السعي إلى تحرر نهائي أو إلى عدالة كاملة، هو وهم يغذيه الخيال المثالي، بينما الرجاء الحقيقي يكمن في القدرة على الاستمرار في المقاومة وتجديد أدواتها وتنويع أساليبها، مع إدراك أن كل نضال يفتح الطريق لنضالات لاحقة، وأن معنى الحرية يكمن في ممارستها ذاتها أكثر مما في تحقيقها كغاية.

إذا كانت الفلسفة الحديثة قد علمتنا شيئاً، فهو أن الإجابة عن الأسئلة الكبرى لا تكون بإغلاقها بل بإبقائها مفتوحة وتعميق حيرتها وجعلها قوة دافعة للتفكير والعمل. المقاومة بهذا المعنى هي حب للحياة ورغبة في تجاوز المألوف وإصرار على صنع معنى حيث يبدو العبث مسيطراً. وهي، في العمق، احتفال بتعدد الأصوات واعتراف بجمال الاختلاف وتوكيد لقيمة التضامن في عالم تمزقه آليات التنافس. إنها، أخيراً، نداء للخروج من شرنقة الأنانية والانطلاق نحو فضاءات مشتركة تلتقي فيها آلام الجميع وآمالهم، لتشكل نسيجاً لا ينفصم من الكرامة المشتركة والأفق المتجدد للأمل.

***

عبد السلام مسعودي

في المثقف اليوم