عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

مصطفى غلمان: الزمن السائل وأحلام الأجيال الجديدة

يراودني منذ سنوات إحساس غريب، أشبه بقلق داخلي عميق، يتسلل إلى أسئلتي حول الكيفية التي بدأ أطفالنا ينظرون بها إلى الحياة والمستقبل. إنه نوع مختلف من الارتياب لم أعرفه وأنا أقارن بين تحولات الأجيال السابقة، ولا وأنا أتأمل الفروق بين زمننا وزمن من جاء بعدنا؛ لأن المسافة بين الأمس واليوم لم تعد مجرد اختلاف في أنماط العيش، بل أصبحت قطيعة في معنى الحلم ذاته.

 لقد كنا أبناء زمن الانكسارات والنكبات، أبناء سنوات الجمر والانتظار الطويل. تعلمنا أن السعادة لا تحتاج دائما إلى امتلاك الأشياء، بل كانت تتشكل من تفاصيل صغيرة، من لحظات عابرة نمنحها قيمتها لأنها نادرة.

كنا نؤجل الرغبات دون أن نشعر بأن التأجيل هزيمة، وننتظر الفرج بوصفه وعداً ممكناً، لا باعتباره وهماً مؤجلاً. كان للوقت إيقاعه البطيء، وكانت الأشياء تستمد معناها من علاقتنا بها، لا من سرعة استهلاكها.

 أما اليوم فقد تغيرت خريطة التطلعات. يبدو أن أبناءنا يحملوننا ثمن التحولات العميقة التي فرضها منطق العصر الجديد؛ عصر السرعة والصورة والخوارزمية. إنهم لا يعيشون فقط داخل العالم الذي صنعناه لهم، بل داخل عالم آخر تعيد فيه المنصات الرقمية تعريف النجاح، وتصنع فيه النماذج الجديدة للنجومية والاعتراف الاجتماعي.

 لقد أصبحت الخوارزميات لا تكتفي بتوجيه انتباههم، بل تساهم في تشكيل رغباتهم، وتحديد ما يستحق الحلم وما يجب أن يُنسى.  أخشى أحيانا أن يكون جيلنا قد ورّث أبناءه عالما وفّر له من الأدوات أكثر مما منحه من المعاني.

إنهم يندفعون نحو كل احتمال للنجاح السريع، نحو أي نافذة قد تفتح لهم باب الشهرة أو الاعتراف، حتى لو كان الثمن هو اختزال الذات في صورة عابرة أو رقم في فضاء لا يعرف الاستقرار.

  أتذكر كيف كان ابني، قبل سنوات قليلة، يحلم بأن يصبح نجماً في عالم "اليوتوبر"، حيث كانت الشهرة الرقمية تبدو له قمة الإنجاز الممكن. واليوم تغير الحلم، وأصبح يتطلع إلى نجومية لاعب كرة القدم لامين يامال، بما تحمله من رمزية النجاح العالمي المبهر. وبين الحلمين مسافة لا تقاس فقط بتغير الاهتمامات، بل بتحول عميق في بنية المخيال نفسه؛ فالحلم لم يعد رحلة طويلة لبناء الذات، بل أصبح يبحث عن أقصر الطرق إلى الضوء.

السؤال الأكثر إرباكاً: هل نحن أمام جيل فقد الصبر على انتظار المستقبل، أم أمام مستقبل جديد لم يعد يعترف أصلا بقيمة الانتظار؟ هل تحولت الطفولة من فضاء لاكتشاف العالم إلى ساحة مفتوحة للمنافسة على الانتباه؟ وهل أصبح الطفل المعاصر يعيش تحت ضغط ضرورة أن يكون مرئياً قبل أن يكون موجوداً؟.

  إن الخطر الأكبر ليس في تغير الأحلام، فالأحلام بطبيعتها تتبدل بتبدل الأزمنة، وإنما في أن تتحول الأحلام إلى منتجات جاهزة تصنعها منظومات التأثير الجديدة. فحين تصبح الخوارزمية وسيطا بين الطفل والعالم، فإنها لا تقدم له المعرفة فقط، بل تقترح عليه ما ينبغي أن يرغب فيه، ومن ينبغي أن يكونه.

 إن العتمة التي يشعر بها الكثير من الآباء اليوم ليست خوفا من المستقبل بقدر ما هي حيرة أمام مستقبل لا نملك مفاتيحه كاملة. نحن أمام جيل يعيش وفرة غير مسبوقة في المعلومات، لكنه يواجه ندرة متزايدة في المعنى؛ جيل يمتلك القدرة على الوصول إلى كل شيء تقريبا، لكنه يبحث بصعوبة عن الشيء الذي يمنحه سببا حقيقيا للوجود.

 وربما تكون مهمتنا الأعمق ليست مقاومة هذا العالم الجديد، ولا الحنين إلى زمن مضى، بل مساعدة أطفالنا على اكتشاف الفرق بين أن يكون الإنسان مشهوراً وأن يكون مؤثرا، بين أن يُرى وأن يكون موجودا، بين بريق الضوء المؤقت ونور المعنى الذي يبقى.

***

د. مصطفـــى غَلْمـــان

في المثقف اليوم