عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

علي عمرون: من أجل حق الدفاع عن الفلسفة

لا تُقاس قيمة الفلسفة بكتب ونصوص الفلاسفة فقط، ولا بالأسماء الكبرى الممتدة من سقراط إلى كانط ومن الكندي إلى ابن رشد، وإنما هي تقليد حيّ لا يستمر إلا إذا وجد من يحمله، ومن يدافع عنه، ومن ينظم حضوره في الفضاء العام. فالأفكار العظيمة لا تحمي نفسها بنفسها؛ ولا يستطيع رجل الفلسفة وحده أن يضمن بقاء الفلسفة في الثانوية أو الجامعة أو المجال العمومي. إنه يحتاج كما احتاج سقراط إلى أغورا أثينا، والى حكمة الخليفة الموحدي أبو يعقوب يوسف الذي أحب الفلسفة، وقرّب ابن رشد الى مجالسه وجعله طبيبه وقاضيهً، والى الجرأة في قول الحقيقة، وأكثر من ذلك يحتاج إلى فضاء جماعي يحول الفلسفة من همس فردي شبيه بهمس يتامى الدهر إلى صوت عام، ومن عزلة المستضعفين إلى مقاومة منظمة.

ولهذا لم يكن تاريخ الفلسفة تاريخ عباقرة فحسب، بل كان أيضاً تاريخ مؤسسات وجمعيات وروابط مهنية ومجلات فلسفية ومنتديات للحوار، طريق الفلسفة كان على الدوام طريق مقاومة ودفاع عن حرية التفكير قولا وفعلا وهو مسلك لا يقل أهمية عن إنتاج الأفكار الفلسفية ذاتها. ومن هذا المنطلق، لا يُنظر إلى واجب توسيع دائرة الجمعيات والنقابات الفلسفية باعتباره امتيازاً مهنياً أو إجراءً إدارياً، بل باعتباره أحد الشروط المدنية التي تجعل وجود الفلسفة ممكناً في المجتمع. فحين يمتلك الفلاسفة والأساتذة والباحثون جمعيات فلسفية ومنظمات متعددة المشارب ويكون لهم حق الاجتماع والتنظيم والتعبير بصورة قانونية، تتحول الفلسفة من نشاط فردي معزول إلى قوة ثقافية قادرة على الدفاع عن مكانتها في التعليم، والمساهمة في النقاش العمومي، وصون استقلال الفكر من الضغوط الأيديولوجية والسياسية. أما حين يُفرَّغ هذا الحق من مضمونه، فإن الفلسفة لا تُمنع بالضرورة، لكنها تُدفع تدريجياً إلى الهامش حتى تغدو حضوراً شكلياً لا يملك القدرة على التأثير.

من هنا تنبع أهمية هذا الموضوع؛ فهو لا يبحث في الجمعيات الفلسفية بوصفها هيئات تنظيمية فحسب، بل يدرسها باعتبارها تجسيداً لحق أصيل من حقوق الإنسان، وركناً من أركان المجتمع المدني، وآلية أساسية لحماية حرية الفكر. فالحق في التنظيم ليس مسألة قانونية خالصة، بل هو أيضاً قضية فلسفية وثقافية تتصل بمصير العقل النقدي نفسه، وبقدرة المجتمع على أن يجعل من الفلسفة ممارسة حية لا مجرد مادة دراسية يتباكى على حذفها او دحرجتها أو إرث ثقافي يُحتفى به في المناسبات.

التاريخ يعلّمنا أن أولى خطوات قتل الفلسفة هي قتل حق التنظيم بين أهلها من خلال حصره في اطر ضيقة او تحويله الى ملكية خاصة فأكثر الطعنات كانت من الذين ينتسبون اليها او من ما يمكن تسميته أصدقاء الفلسفة المزيفون، ولا شك ان تعدد الجمعيات الفلسفية وتنوع طرق الدفاع عن حق التفلسف يسمح للفلسفة ان تجد متنفسا لها من خلال ممارسة حية تتجاذبها تيارات متعددة. وعندما تتأرجح الجمعيات الفلسفية بين التأسيس والتعطيل، وبين الحضور والغياب، فإن الفلسفة ستظل في كثير من الأحيان ضيفاً ثقيلاً على المؤسسات التعليمية، لا صوت لها إلا في دوائر محدودة.

نحن لا نسعى هنا إلى مجرد إحصاء للجمعيات، بل إلى استعادة الوعي بالحق الجمعوي في الدفاع عن الفلسفة كحق أصيل من حقوق الإنسان، مستندين إلى المادة 20 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان التي تكفل حرية الاجتماع السلمي وانه لكلِّ شخص حقٌّ في حرِّية الاشتراك في الاجتماعات والجمعيات السلمية، وإلى المادة 27 التي تضمن المشاركة الحرة في الحياة الثقافية.

أهمية الحق في التنظيم الجمعوي للدفاع عن الفلسفة تتجلى بوضوح أكبر حين ننظر إلى التجارب الحية التي عرفتها بعض الدول. ففي فرنسا، التي تُعدّ النموذج الأبرز في هذا المجال، لم تبقَ الفلسفة مجرد مادة دراسية في التعليم الثانوي، بل أصبحت موضوعاً لصراع منظم ومتعدد الأطراف تديره جمعيات ونقابات مهنية. فمنذ تأسيس رابطة أساتذة الفلسفة في التعليم العام (APPEP) عام 1947، وهي الجمعية الأعرق من نوعها، ظلّ الدفاع عن مكانة الفلسفة في المناهج والحرية البيداغوجية وجودة مواضيع البكالوريا مهمة مركزية يتولاها الأساتذة أنفسهم. وقد تعزز هذا الدفاع مع ظهور تيارات أخرى أكثر تجديداً، مثل المجموعة الفرنسية للتعليم الجديد في قطاعها الفلسفي، ثم تأسيس الجمعية من أجل إنشاء معاهد البحث في تدريس الفلسفة (ACIREPh) عام 1998، التي سعت إلى تجديد الأدوات البيداغوجية وخلق فضاءات بحث مشتركة بين أساتذة الثانوي والجامعيين. أما مجموعة البحث في تدريس الفلسفة (GREPH)، التي نشأت في منتصف السبعينيات، فقد مثّلت التيار النقدي الأبرز، إذ رفضت فكرة «السن الطبيعي» للفلسفة ودعت إلى إدخالها مبكراً في المسار الدراسي. وإلى جانب هذه الجمعيات، تلعب النقابة الوطنية للتعليم الثانوي (SNES) دوراً مهماً عبر قطاعها المتخصص في الفلسفة، بينما تسند المفتشية العامة والكلية الدولية للفلسفة هذا المشهد المؤسسي المتنوع، وهناك العشرات من الجمعيات والمجلات التي لا يتسع المقام لحصرها.

ولا يقتصر الأمر على فرنسا. ففي ألمانيا، يضطلع Fachverband    Philosophie   بمهمة الدفاع عن تدريس الفلسفة والأخلاق في المدارس، بينما تجمع Deutsche Gesellschaft für Philosophie   بين الباحثين وأساتذة الثانوي والجامعيين. وفي سويسرا، تتولى جمعية أساتذة الفلسفة في التعليم الثانوي العالي (SPES) تمثيل هذه الفئة المهنية والدفاع عن حضور المادة. أما في المملكة المتحدة، فقد ظهرت في السنوات الأخيرة Association of Philosophy Teachers لتعبّر عن حاجة أساتذة المدارس الثانوية إلى إطار مهني خاص بهم. وعلى المستوى الدولي، تعمل الرابطة الدولية لأساتذة الفلسفة (AIPPh) على ربط هذه التجارب الوطنية فيما بينها.

أما في العالم العربي، فإن الصورة تبدو أكثر تبايناً وتأخراً نسبياً. ففي الجزائر تبرز الجمعية الجزائرية للدراسات الفلسفية، وفي تونس تسعى الجمعية التونسية للدراسات الفلسفية إلى الربط بين التعليم الثانوي والعالي وتنظيم الندوات والمجلات المتخصصة. وفي المغرب تمثل الجمعية المغربية لأساتذة الفلسفة إطاراً مهنياً مباشراً يدافع عن قضايا تدريس المادة في الثانوي. بينما تميل الجمعيات في مصر والأردن ولبنان واليمن إلى الطابع الأكاديمي والثقافي أكثر من الطابع النقابي المتخصص في الثانوي. وفي المملكة العربية السعودية، شكّل تأسيس جمعية الفلسفة عام 2020 تطوراً مهماً، إذ فتحت المجال أمام مبادرات جديدة في نشر الثقافة الفلسفية وفلسفة الأطفال، بعد سنوات طويلة من الغياب شبه الكامل للمادة عن المناهج. ومع ذلك، يظلّ الحضور الجمعوي في معظم الدول العربية أضعف مما هو عليه في فرنسا، وغالباً ما تتأرجح هذه الجمعيات بين فترات النشاط والخمول، أو بين الحضور في المؤتمرات والغياب عن التأثير الفعلي في السياسات التعليمية.

إن هذا التباين بين التجارب يكشف أن وجود جمعيات متعددة المشارب والتيارات ليس أمراً ثانوياً، بل هو شرط أساسي كي تتحول الفلسفة من مادة دراسية محاصرة أو شكلية إلى ممارسة حية قادرة على الدفاع عن نفسها داخل المدرسة وخارجها. ومن الحكمة القول ان  الخير كل الخير هو ان تجد في مجتمع ما جمعيات ومنظمات فلسفية ذلك ان اهم معيار لصحة مجتمع ما، هو أن ننظر إلى عدد جمعياته الفلسفية، لا إلى عدد فلاسفته. فالفيلسوف الواحد قد يكون هدية السماء وهبة الله لنا، لكن الجمعية الفلسفية هي صناعة الأرض، والأرض حين تصنع للفكر بيتًا يجتمع فيه، تكون قد بدأت تصنع تاريخها.

***

عمرون علي

في المثقف اليوم