إذا كان الإنسان قد تعلم بالصبر كيف يثبت أمام الابتلاء، وبالتوكل كيف يحسن السعي دون أن يستسلم لقلق النتائج، وبلغ بالرضا سكينة النفس أمام حكمة الوجود - كما بينا في المقالات السابقة - فإن رحلته لا تبلغ كمالها إلا بالمحبة. فالمحبة ليست مرتبة منفصلة عما سبقها، بل هي الثمرة التي تنضج في القلب بعد طول المجاهدة، وهي النور الذي يجمع ما تفرق من قوى الإنسان، فيوحد إرادته، ويهذب وجدانه، ويمنح وجوده وجهة واضحة لا يضل عنها.
فالإنسان لا يعيش بما يملك وحده، ولا بما يعلم وحده، وإنما يعيش في النهاية بما يحب. فالمحبة هي البوصلة التي توجه المعرفة، والإرادة، والعمل نحو الغاية التي يختارها الإنسان لنفسه. وما يحبه الإنسان هو الذي يشكل نظرته إلى الحياة، ويرسم اختياراته، ويحدد أولوياته، حتى ليغدو الإنسان، مع مرور الأيام، صورة لما استقر في قلبه من محبوبات. ومن هنا كانت المحبة أكثر من عاطفة عابرة أو ميل نفسي؛ إنها حقيقة من حقائق الوجود الإنساني، وقوة باطنة تمنح الحياة معناها، وتكشف للإنسان الغاية التي من أجلها يعيش ويسعى.
وإذا تأملنا المحبة في عمق الوجود الإنساني، وجدناها ليست مجرد استجابة وجدانية، وإنما هي حركة وجودية تدفع الإنسان دائما إلى تجاوز حدود ذاته. فهو لا يكتفي بما هو كائن، بل يتطلع إلى ما يراه أكمل، وأجمل، وأبقى. ومن هنا كان الإنسان كائنا باحثا عن الكمال، وكانت المحبة هي القوة التي تشده إلى ذلك الكمال؛ لأنها انجذاب الفطرة إلى ما تراه جديرا بالتعلق والاتباع.
ولذلك لم تكن المحبة في التصور الإسلامي أمرا يكتسبه الإنسان بقدرته وحدها، بل هي قبل ذلك نعمة إلهية، وهبة ربانية، يفيض الله بها على القلوب التي أقبلت عليه، كما أنها تكليف إلهي دعا الله إليه في كتابه، وربط به حقيقة الإيمان. فقال تعالى: (والذين آمنوا أشد حبا لله)، وقال أيضا: (يحبهم ويحبونه). وهكذا لا تبقى المحبة مجرد شعور يختلج في القلب، بل تصبح رابطة متبادلة، يتقرب بها العبد إلى ربه، ويتجلى بها فضل الله على عبده، حتى تغدو أساس العلاقة بين الإنسان وخالقه.
ومن هنا تكتسب المحبة مكانتها بوصفها إحدى أسمى مدارج الكمال والجمال في الوجود الإنساني؛ لأنها لا تغير مشاعر الإنسان فحسب، بل تعيد بناء وجوده كله. فالإنسان المتفرق بين محبوبات متزاحمة يعيش مشتت الإرادة، مضطرب الوجهة، أما إذا توحد محبوبه الأعلى، انتظمت سائر رغباته في نسق واحد، وأصبح قلبه أكثر صفاء، وعقله أكثر بصيرة، وسلوكه أكثر اتزانا. ولهذا لا تكون المحبة الحقيقية هروبا من العالم، وإنما إعادة ترتيب العلاقة به في ضوء الغاية الكبرى التي تمنح كل شيء قيمته ومعناه.
وإذا كانت المحبة تتجلى في صور متعددة داخل الحياة الإنسانية، كمحبة الوالدين، والأبناء، والوطن، والعلم، والخير، والجمال، فإن هذه المحاب جميعا تظل محبات جزئية، تكتسب مشروعيتها واعتدالها من انتظامها في محبة أسمى منها جميعا، هي محبة الله تعالى. وإنما تنحرف حين تستقل عن غايتها، أو تتحول من وسائل تعين الإنسان على أداء رسالته إلى غايات تستعبد قلبه، فيفقد بذلك ميزان الأولويات الذي تقوم عليه الحياة المتوازنة. أما محبة الله، فهي المحبة الخالصة التي تتوحد عندها مقاصد القلب، لأنها تتعلق بمن له الكمال المطلق، والجمال المطلق، والبقاء المطلق.
ومن هنا تنشأ ثمرة جليلة من ثمار المحبة، هي أنس القرب. فالإنسان لا يأنس إلا بمن أحب، ولا يجد الطمأنينة الكاملة إلا فيمن استقر حبه في أعماق قلبه. فإذا امتلأ القلب بمحبة الله، زال عنه وحش التعلق بما يفنى، وأصبح يشعر بالقرب من ربه قربا معنويا يقوم على المعرفة، والطاعة، والذكر، والثقة، لا على قرب المكان. وحينئذ لا ينسحب الإنسان من العالم، بل يعود إليه بروح جديدة؛ فيرى في العمل عبادة، وفي العلم رسالة، وفي الإنسان أخا في الإنسانية، وفي الكون آية تدله على خالقه. وهنا يتحول الوجود الإنساني من مجرد حياة تؤدى إلى حياة تعاش في ظل الأنس بالله، فيجد الإنسان في هذا الأنس سكينة لا تعكرها تقلبات الدنيا، ولا تنال منها حوادث الزمان.
ولما كانت المحبة بهذه المنزلة الرفيعة في بناء الوجود الإنساني، فقد استأثرت بعناية واسعة في التراث الإسلامي عامة، وفي التجربة الصوفية خاصة؛ إذ نظر إليها أرباب السلوك لا بوصفها عاطفة عابرة، وإنما باعتبارها قوة تربوية تعيد تشكيل القلب، وتهذب الإرادة، وتوجه الإنسان إلى غايته. ومن هنا أفاض أئمة التصوف في بيان حقيقتها، والكشف عن آثارها، ودرجاتها، كل بحسب ذوقه ومنهجه، مع اتفاقهم جميعا على أن المحبة الصادقة هي التي تثمر صفاء القلب، واستقامة السلوك، ووحدة المقصد.
وقد كانت رابعة العدوية من أوائل من عبروا عن هذا المعنى تعبيرا خالدا، حين قالت:
"أحبك حبين: حب الهوى** وحبا لأنك أهل لذاكا."
فلم تجعل المحبة مجرد رجاء للثواب أو خوف من العقاب، بل ارتقت بها إلى محبة خالصة لله؛ لأنه سبحانه أهل للمحبة في ذاته، لكماله وجلاله وجماله. ولم تكن رابعة تدعو إلى إلغاء الرجاء أو الخوف، وإنما أرادت أن تكشف أن للمحبة مرتبة تسمو بالإنسان حتى يصبح الله هو المقصود الأول، لا ما يترتب على عبادته من نعيم أو نجاة.
ثم جاء الجنيد البغدادي، فربط المحبة بالاستقامة والاتباع، ورأى أن المحبة الصادقة لا تنفصل عن الطاعة، وأن صدق الدعوى يظهر في موافقة المحبوب. وبهذا أعاد الجنيد التوازن إلى التجربة الصوفية، فجعل المحبة بناء يزكي السلوك، لا انفعالا يكتفي بالمشاعر، لأن المحبة التي لا تظهر آثارها في العمل تبقى دعوى لم تكتمل حقيقتها.
وفي القرن الرابع الهجري، وسع أبو طالب المكي دائرة الحديث عن المحبة، فجعلها من أعمال القلوب التي تنمو بالمجاهدة، وتقوى بالذكر، وتصفو بالمراقبة. ورأى أن القلب إذا امتلأ بمحبة الله، انصرفت همومه عن التعلق بما يفنى، وصارت علاقته بالدنيا علاقة استخدام لا استعباد، فيتحرر الإنسان من سلطان الشهوة، ويصبح أكثر قدرة على توجيه حياته نحو غايتها الكبرى.
ويبلغ الحديث عن المحبة ذروة نضجه الفلسفي والروحي في القرن الخامس الهجري عند أبي حامد الغزالي، الذي رأى أن المحبة تنشأ من إدراك القلب لما يتجلى له من معاني الكمال والجمال. فالنفس الإنسانية مفطورة على الميل إلى الكامل والجميل، وكلما ازداد الإنسان إدراكا لكمال الله وجلاله وجماله، ازداد تعظيما له، وانجذابا إليه، وتعلقا به. ومن هنا لم تعد المحبة عند الغزالي مجرد حالة وجدانية، بل أصبحت قوة روحية وأخلاقية تدفع الإنسان إلى التشبه، بقدر طاقته البشرية، بمعاني الخير، والرحمة، والعدل، والإحسان.
ثم تتسع آفاق المحبة عند عفيف الدين التلمساني ـ المتوفى ٦٩٠ هـ ـ فتغدو القوة الجامعة التي تنتظم الوجود الإنساني كله. فالمحبة عنده ليست مجرد منزلة من منازل السالكين، بل هي الحقيقة التي تعيد جمع الإنسان بعد تفرقه، وتوحد قواه بعد تشتتها، حتى يصبح القلب، والعقل، والإرادة متجهة جميعها إلى مقصد واحد. وبهذا المعنى لا تقتصر المحبة على تهذيب السلوك، وإنما تعيد بناء الإنسان من داخله، وتجعله أكثر استعدادا لتلقي أنوار الحقيقة.
وهكذا تلتقي الرؤية الفلسفية بالتجربة الروحية في حقيقة واحدة، وهي أن المحبة لا تلغي العقل، ولا تعطل الإرادة، وإنما تهذب كليهما، وتوجههما نحو الغاية التي تستحق أن تعاش الحياة من أجلها. فالقلب الذي يحب بغير بصيرة قد يضل، والعقل الذي يفكر بغير محبة قد يجف، أما إذا اجتمعت المحبة مع صفاء العقل، أشرق الوجود الإنساني بنور يجمع بين وضوح الرؤية وصدق التوجه.
ومن هنا يمكن القول إن المحبة لا تورث الأنس والقرب فحسب، بل تفتح أيضا أبواب المعرفة. فالمحبة الصادقة تصقل البصيرة، وتحرر القلب من أهوائه، وتجعله أكثر استعدادا لتلقي أنوار الحقيقة. وكلما ازداد القلب صفاء بالمحبة، اتسعت أمامه آفاق المعرفة، حتى يصبح الإنسان أكثر وعيا بحقيقة نفسه، وأكثر إدراكا لعظمة خالقه.
خلاصة القول: إن المحبة ليست نهاية الطريق، وإنما بداية إشراق جديد في الوجود الإنساني. فهي توحد القلب بعد تفرقه، وتورثه الأنس بعد وحشته، وتمنحه القرب بعد اغترابه، ثم تفتح له أبواب المعرفة التي يزداد بها بصيرة ويقينا. فإذا كان الإنسان قد تعلم بالصبر كيف يثبت، وبالتوكل كيف يطمئن، وبالرضا كيف يسكن، فإنه بالمحبة يتذوق جمال القرب، ويتهيأ لاستقبال نور المعرفة، حتى يقترب شيئا فشيئا من الغاية التي تنتظم عندها معاني الوجود كلها.
وهكذا يواصل الوجود الإنساني ارتقاءه في مدارج الكمال والجمال، حيث تهيئ كل منزلة لما بعدها، حتى يبلغ الإنسان من المعرفة ما يجعله أكثر قدرة على إدراك الحقيقة، وأقرب إلى المقصد الأعلى. ولذلك ستكون المعرفة حديثنا القادم، لا بوصفها زيادة في المعلومات، وإنما نورا تستنير به البصيرة، ومدرجا جديدا من مدارج الكمال والجمال، يتهيأ فيه الإنسان للوصول إلى الغاية الكبرى للوجود الإنساني، وهي التوحيد.
***
بقلم: أ. د. ياسر البتانوني
أستاذ الفلسفة الإسلامية بكلية الآداب جامعة المنوفية








