"أخطر أشكال الضياع أن يعيش الإنسان في زمن انتهى، أو في حياة لا تخصه " (الكاتب).
لا يبدأ ضياع الإنسان دائماً بفقدان المكان أو المال أو الفرص، بل قد يبدأ حين يفقد علاقته بالحاضر، فيغدو جسده في زمن، بينما يظل وعيه عالقاً في زمن آخر، أو منشغلاً بحياة أشخاص آخرين. فقد يبدو الإنسان في الظاهر مندمجاً في تفاصيل حياته اليومية، يؤدي أعماله ويؤدي أدواره الاجتماعية بصورة اعتيادية، لكنه في العمق قد يكون أسير ذاكرة لا تكف عن استدعاء الأمس، أو رهينة اهتمام دائم بما يفعله الآخرون وما يملكونه وما يحققونه. وفي هذا السياق، لا تكمن المشكلة في الماضي بوصفه جزءاً أصيلاً من التجربة الإنسانية، ولا في الآخرين بوصفهم شركاء في الحياة الاجتماعية، وإنما في تحولهما إلى مركز تستنزف حوله الأفكار والانفعالات والقرارات، حتى يفقد الحاضر مكانته بوصفه المجال الوحيد الذي يستطيع الإنسان أن يمارس فيه إرادته ويصنع أثره.
وعلى الرغم من أن هذه الظاهرة تبدو في ظاهرها مسألة فردية تتعلق بطريقة التفكير أو بإدارة المشاعر، فإنها في حقيقتها أكثر تعقيداً من ذلك. فالإنسان لا يصوغ وعيه بمعزل عن المجتمع، بل يتشكل إدراكه للزمن ولذاته وللآخرين داخل بيئة اجتماعية وثقافية تحدد ما يستحق الاهتمام، وما ينبغي الخوف منه، وما يعد نجاحاً أو إخفاقاً. وعلى هذا الأساس، فإن الانشغال بالماضي أو بالآخرين لا يعكس دائماً ضعفاً في الشخصية أو عجزاً عن إدارة الحياة، بل قد يكون استجابة لظروف اجتماعية وثقافية أعادت تشكيل أولويات الإنسان وأسلوب نظرته إلى ذاته وإلى العالم من حوله.
لقد أصبح الإنسان المعاصر يعيش في بيئة تتزاحم فيها الذكريات والصور والمقارنات بوتيرة غير مسبوقة. فالتطور الرقمي لم يختصر المسافات بين الناس فحسب، بل اختصر أيضاً المسافة بين الإنسان وماضيه، وبين حياته وحياة الآخرين. فالصور القديمة، والذكريات المستعادة، والأحداث التي كان الزمن كفيلاً بإبعادها، أصبحت حاضرة بضغطة زر، كما أصبحت تفاصيل حياة الآخرين متاحة بصورة يومية، حتى بدا وكأن الإنسان يعيش في زمنين معاً، ويشارك في عشرات الحيوات في الوقت نفسه. ومع هذا التداخل، لم يعد التحدي الحقيقي هو كثرة ما نعرفه، بل قدرتنا على المحافظة على حضورنا في حياتنا نحن، دون أن نستنزف وعينا فيما لا نملك تغييره أو فيما لا يضيف إلى نمونا شيئاً.
ووفق الرؤية السوسيولوجية، لا تكمن خطورة هذه الظاهرة في كونها سلوكاً فردياً متكرراً، بل في تحولها إلى نمط ثقافي يعاد إنتاجه بصورة مستمرة. فحين يصبح الالتفات إلى الماضي أكثر شيوعاً من التفكير في المستقبل، أو يصبح الانشغال بحياة الآخرين أكثر حضوراً من الانشغال ببناء الذات، فإننا لا نكون أمام حالات فردية معزولة، بل أمام ثقافة اجتماعية تعيد توجيه الوعي بعيداً عن الحاضر، وتستنزف طاقات الأفراد في مساحات لا تمنحهم قدرة حقيقية على الفعل أو التغيير. وعند هذه النقطة، لا يعود السؤال لماذا يضيع بعض الناس؟ بل يصبح السؤال الأعمق كيف تنتج المجتمعات المعاصرة أشكالاً جديدة من الضياع، تجعل الإنسان غائباً عن الزمن الوحيد الذي يملكه حقاً؟
وإذا كان ضياع الحاضر يبدأ على مستوى الفرد، فإنه لا يتشكل بمعزل عن المجتمع. فالإنسان لا يختار دائماً طريقة نظرته إلى الزمن أو إلى ذاته بإرادة مستقلة، وإنما يتأثر بالبنية الثقافية والاجتماعية التي يعيش في إطارها. ولهذا، فإن الماضي والآخرين لا يكتسبان هذه السلطة على وعي الإنسان من تلقاء نفسيهما، بل لأن المجتمع قد يمنحهما، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، مكانة تتجاوز حجمهما الطبيعي، حتى يصبحا معياراً لفهم الحاضر وتقييم الذات.
ويبرز الماضي بوصفه أول أشكال هذا الاستلاب. فالذاكرة الإنسانية وجدت لتكون خزينة للتجارب والخبرات، يسترشد بها الإنسان وهو يبني مستقبله، لكنها قد تتحول، في ظروف اجتماعية معينة، إلى قوة تشد الوعي إلى الخلف. ولا يحدث ذلك لأن الإنسان يعجز عن النسيان فحسب، بل لأن بعض المجتمعات تعيش زمناً تتراجع فيه الثقة بالمستقبل، فيصبح الماضي أكثر وضوحاً وأقل غموضاً من الآتي. وكلما ضعفت قدرة المجتمع على إنتاج الأمل، ازداد الميل إلى استحضار الأمس، حتى يتحول الحنين من شعور إنساني طبيعي إلى ثقافة جماعية تنظر إلى الوراء أكثر مما تنظر إلى الأمام.
وتبدو هذه الظاهرة أكثر وضوحاً في المجتمعات التي عاشت أزمات ممتدة أو تحولات عميقة، حيث لا يبقى الماضي مجرد ذاكرة شخصية، بل يصبح مرجعاً جماعياً يقارن الناس به حاضرهم، ويقيسون من خلاله ما فقدوه أكثر مما يفكرون فيما يستطيعون بناؤه. ومع مرور الزمن، تتشكل علاقة غير متوازنة مع الذاكرة، فبدلاً من أن تكون الخبرة قوة تساعد على الفهم واتخاذ القرار، تصبح سلطة تفرض حضورها على كل محاولة للتغيير، وكأن المستقبل لا يملك شرعيته إلا إذا كان امتداداً للماضي.
وعند هذه النقطة، تكمن المفارقة، فالإنسان لا يتوقف عند الحدث الذي مضى، وإنما عند المعنى الذي يمنحه لذلك الحدث. ولذلك، فإن أكثر ما يستنزفه ليس الماضي ذاته، بل استمرار إعادة تفسيره واجتراره، حتى تتحول الذاكرة إلى فضاء دائم للمراجعة والندم والافتراضات التي لا تنتهي. وعندئذ، يستهلك العقل جزءاً كبيراً من طاقته في محاكمة ما انتهى، بدلاً من توجيهها إلى ما يمكن إنجازه. وهكذا لا يصبح الماضي عائقاً لأنه وقع، بل لأنه يظل حاضراً بالطريقة التي يُعاد بها إنتاجه داخل الوعي الفردي والثقافة الاجتماعية معاً.
غير أن الاستلاب لا يقف عند حدود الماضي، بل يجد شكلاً آخر أكثر انتشاراً في المجتمع المعاصر، يتمثل في الانشغال المستمر بالآخرين. وإذا كانت المقارنة الاجتماعية ظاهرة قديمة صاحبت الإنسان منذ نشوء الحياة الجماعية، فإنها اكتسبت اليوم أبعاداً غير مسبوقة بفعل البيئة الرقمية التي جعلت حياة الآخرين حاضرة على مدار الساعة. فلم يعد الإنسان يقارن نفسه بمن يعرفهم فقط، بل أصبح يقارن واقعه اليومي بصور مختارة بعناية، تعرض النجاح دون الفشل، والرفاه دون المشقة، واللحظات الاستثنائية بوصفها حياة اعتيادية.
ولذلك، لم تعد المنصات الرقمية والتكنولوجية مجرد وسائل للتواصل الاجتماعي، بل تحولت إلى فضاءات تعيد تشكيل إدراك الإنسان لقيمة ذاته. فكلما ازداد تعرضه لصور الإنجاز والتميز والثراء والقبول الاجتماعي، ارتفعت معاييره في تقييم نفسه، حتى وإن كانت تلك الصور لا تعكس الواقع إلا بصورة جزئية. ومع تكرار هذا النمط، يصبح الإنسان أكثر انشغالاً بموقعه في أعين الآخرين من انشغاله بموقعه الحقيقي في مسار حياته، ويتحول الاعتراف الخارجي تدريجياً إلى مصدر رئيس لتقدير الذات.
ولا تنفصل هذه الظاهرة عن الثقافة الاستهلاكية التي أعادت تعريف النجاح بوصفه شيئاً يجب أن يعرض قبل أن يعاش. فلم يعد الإنجاز في كثير من الأحيان يكتسب قيمته من أثره الحقيقي، بل من قدرته على جذب الانتباه وإثارة الإعجاب. وبهذا، يصبح الظهور قيمة اجتماعية في حد ذاته، وتتحول المقارنة إلى ممارسة يومية تعيد إنتاج شعور دائم بعدم الاكتفاء، لأن الإنسان لا يقيس نفسه بواقعه، بل بصور مثالية يصعب أن تتحقق في الحياة الفعلية.
وعندما يلتقي الاستغراق في الماضي مع الانشغال الدائم بالآخرين، يفقد الحاضر مكانته الطبيعية. فالماضي يستحوذ على الوعي بما لا يمكن تغييره، والآخرون يستحوذون عليه بما لا يمكن امتلاكه كاملاً، وبينهما تتآكل المساحة الوحيدة التي يستطيع الإنسان أن يمارس فيها حريته وإرادته. ومن هنا، فإن أخطر أشكال الضياع لا تتمثل في خسارة الزمن، بل في فقدان القدرة على العيش فيه، لأن الإنسان قد يقضي سنوات طويلة وهو حاضر بجسده، لكنه غائب بوعيه، موزع بين ذاكرة تستدعيه باستمرار، وصور تستنزفه دون أن تضيف إلى حياته معنى حقيقياً.
وإذا كانت المجتمعات المعاصرة قد نجحت، بدرجات متفاوتة، في إعادة تشكيل علاقة الإنسان بالماضي وبالآخرين، فإن ذلك لا يعني أن هذا الاستلاب قدر لا يمكن تجاوزه. فالبنى الاجتماعية والثقافية تؤثر في الإنسان، لكنها لا تلغي قدرته على الوعي والنقد وإعادة بناء علاقته بذاته وبالعالم. وهنا تتجلى أهمية الحاضر، ليس لأنه الزمن الأقصر بين الماضي والمستقبل، بل لأنه المجال الوحيد الذي يمتلك فيه الإنسان إمكانية الفعل، والقدرة على تحويل المعرفة إلى ممارسة، والخبرة إلى تغيير.
ومن هذا المنطلق، فإن التحرر الحقيقي لا يعني قطع الصلة بالماضي، لأن المجتمعات التي تفقد ذاكرتها تفقد جزءاً من هويتها، كما لا يعني الانفصال عن الآخرين، لأن الإنسان كائن اجتماعي لا يكتمل وجوده خارج شبكة العلاقات الإنسانية. وإنما يبدأ التحرر عندما يستعيد الماضي مكانته بوصفه مصدراً للفهم لا سجناً للوعي، وعندما يعود الآخرون شركاء في التجربة الإنسانية لا مقياساً دائماً لتحديد قيمة الذات. فالمشكلة لا تكمن في الذاكرة ولا في المجتمع، بل في اختلال العلاقة معهما، بحيث يتحول ما ينبغي أن يكون وسيلة للنمو إلى مصدر دائم للاستنزاف.
ولذلك، فإن استعادة الحاضر ليست فعلاً زمنياً فحسب، بل هي عملية إعادة تنظيم للوعي. فالإنسان لا يحرر نفسه بمجرد تجاهل ما مضى، ولا بمجرد التوقف عن مقارنة نفسه بالآخرين، وإنما عندما يعيد ترتيب أولوياته وفق ما يملك القدرة على التأثير فيه. فكلما اتسعت المسافة بين ما يشغل تفكير الإنسان وما يستطيع تغييره، ازداد شعوره بالعجز، وكلما اقترب اهتمامه من دائرة فعله الحقيقي، ازدادت قدرته على الإنجاز واستعاد إحساسه بالمعنى.
بناءً عليه، فإن المجتمعات التي تسعى إلى بناء إنسان أكثر توازناً لا تكتفي بدعوة أفرادها إلى التفاؤل أو الثقة بالنفس، بل تعمل على ترسيخ ثقافة تمنح قيمة للعمل الحقيقي أكثر من المظاهر، وللإنجاز أكثر من الشهرة، وللمعرفة أكثر من الانطباعات السريعة. فكل ثقافة تعيد الاعتبار للجهد والإبداع والتفكير النقدي، تساهم في بناء أفراد أقل ارتهاناً للمقارنة وأكثر قدرة على إنتاج ذواتهم بصورة مستقلة. أما الثقافات التي تجعل المكانة الاجتماعية رهينة الظهور، أو النجاح رهينة اعتراف الآخرين، فإنها تعيد إنتاج حالة من القلق الدائم، لأن الإنسان سيظل يبحث عن قيمته خارج ذاته، في معايير تتغير باستمرار ولا تعرف الاكتفاء.
إن أخطر ما يواجه الإنسان اليوم ليس تسارع الزمن، بل تشتت الوعي داخله. فوفرة المعلومات، وكثافة الصور، وتسارع الأحداث، لم تمنحه بالضرورة فهماً أعمق للحياة، بل قد تدفعه إلى توزيع اهتمامه على كل شيء، حتى يفقد القدرة على التركيز فيما يصنع الفرق الحقيقي في حياته. وعندما يصبح العقل مشغولاً بكل ما يحدث، يفقد طاقته على بناء ما ينبغي أن يحدث. ولهذا، فإن الحفاظ على الحاضر لم يعد مجرد مهارة شخصية، بل أصبح شكلاً من أشكال المقاومة الثقافية في زمن تتنافس فيه القوى الاجتماعية والرقمية على جذب الانتباه واستنزافه.
وفي الختام، لا يبدأ المستقبل عندما تتغير الظروف من حولنا، بل عندما نستعيد حقنا في أن نعيش الزمن الذي نملكه، لا الزمن الذي انتهى، ولا الزمن الذي يعيشه الآخرون. فالحياة لا تختزل بما نحتفظ به من ذكريات، ولا بما نعرفه عن الآخرين، وإنما بما نبنيه من معنى في حاضرنا، لأن الحاضر ليس مجرد لحظة عابرة بين الأمس والغد، بل هو المجال الذي تتشكل فيه القرارات، وتُصاغ فيه القيم، ويُعاد فيه بناء الإنسان.
وليس المقصود من تجاوز الماضي أن نتخلى عن ذاكرتنا، فالأمم والأفراد الذين يفقدون ذاكرتهم يفقدون جزءاً من هويتهم، وإنما أن نستعيد العلاقة المتوازنة معه، بحيث يتحول إلى خبرة تثري الوعي بدلاً من أن تقيد الإرادة، وإلى مصدر للحكمة بدلاً من أن يكون سجناً للندم. كما أن العيش في الحاضر لا يعني الانفصال عن المستقبل، بل يعني امتلاك القدرة على التخطيط له انطلاقاً من فهم أعمق للواقع وإيمان أكثر رسوخاً بإمكان تغييره.
إن الإنسان يملك دائماً فرصة لإعادة ترتيب علاقته بالزمن، لأن قيمة الحاضر لا تنبع من خلوه من التحديات، بل من كونه الزمن الوحيد الذي يستطيع فيه أن يتعلم من ماضيه، ويصنع مستقبله، ويمنح حياته اتجاهاً ومعنى. وكلما استطاع أن يحرر وعيه من استنزاف الذكريات ومن هيمنة المقارنات، اتسعت قدرته على رؤية الفرص الكامنة في واقعه، وتحولت طاقته من اجترار ما كان إلى بناء ما يمكن أن يكون.
وعندما يدرك الإنسان أن وعيه هو أثمن موارده، وأن زمنه هو رأسماله الحقيقي، وأن قيمته لا تستمد من الماضي ولا تمنح له من الآخرين، بل تتجسد فيما يضيفه إلى حياته وحياة من حوله من معرفة وعمل وقيم، يكون قد تحرر من أكثر أشكال الاستلاب خفاءً. وحينها يستعيد الماضي مكانته بوصفه معلماً لا حاكماً، ويستعيد الحاضر دوره بوصفه ميدان الفعل، ويغدو المستقبل أفقاً مفتوحاً تصنعه الإرادة الواعية أكثر مما تصنعه الظروف. فهناك تبدأ الحرية الحقيقية، حين يعيش الإنسان زمنه بوعي، ويستثمر خبرته بحكمة، ويمنح مستقبله حقه في أن يولد من أفضل ما في ماضيه، لا من أثقل ما فيه.
***
د. حسام الدين فياض/ باحث وأكاديمي سوري
الأستاذ المساعد في النظرية الاجتماعية المعاصرة
قسم علم الاجتماع كلية الآداب في جامعة ماردين- تركيا








