تمهيد: يُعدّ التفكير الناقد من أهم مقومات إنتاج المعرفة في العصر الحديث، إذ تتمثل قيمته في قدرة الفرد على تحليل المعلومات وتقويمها وتفسيرها، ثم توظيفها في إصدار أحكام منطقية واتخاذ قرارات تستند إلى البراهين. وقد ازدادت أهميته مع التطور التقني وتدفق المعلومات، لما يوفره من قدرة على التمييز بين الحقائق والادعاءات، وكشف المغالطات، والحد من الانحيازات، والتعامل الواعي مع مختلف القضايا.
ويُنظر إلى التفكير الناقد في المجالات الفلسفية والتربوية والنفسية بوصفه عملية ذهنية تشمل التحليل والتفسير والاستدلال والتقييم، كما يُعد من المهارات الأساسية التي تسعى المؤسسات التعليمية إلى تطويرها لدورها في دعم التعلم المستمر، وحل المشكلات، والابتكار، واتخاذ القرارات السليمة.
ويتناول الفصل مفهوم التفكير الناقد عبر عرض تعريفاته واتجاهاته، وتتبع تطوره التاريخي، وإيضاح علاقته بالتفكير التحليلي من حيث أوجه التشابه والاختلاف ووظيفة كل منهما في معالجة المعلومات وبناء الأحكام. كما يناقش أهميته في مجالات التعليم والعمل واتخاذ القرار، ويختتم باستعراض أبرز سمات المفكر الناقد، مثل الموضوعية، والانفتاح على الآراء المختلفة، والاستدلال المنطقي، وتقييم الأدلة، والاستعداد لمراجعة الأحكام في ضوء المعطيات الجديدة.
أولا: تعريف التفكير الناقد
قبل تناول التفكير الناقد باعتباره موضوعًا للبحث العلمي، لا بد من تحديد عناصره. إذ إن مصطلحي «التفكير» و«النقد» ينطويان على دلالات واسعة، ويفسّرهما عدد كبير من الباحثين بطرائق متنوعة.
أ- التفكير
يمرّ التفكير بعدة مراحل متتابعة، تبدأ بصياغة الفرضيات. وخلال أوقات الاسترخاء أو التداعي الحر، تتوارد إلى الذهن أفكار عشوائية وغير مترابطة، ويُسمّى هذا النمط من النشاط التفكير العرضي. ولا يكون التفكير دائمًا متصلًا بصورة مباشرة بالإدراك الحسي، فقد تظهر الأفكار بمعزل عن المؤثرات الخارجية. إلا أن هذه الأفكار لا تصبح ذات دلالة وانتظام إلا عبر مرحلة التأمل، إذ تتصل كل فكرة منطقيًا بما قبلها وما بعدها، فتتشكل بذلك سلسلة متماسكة من الأفكار(1).
يُعدّ التفكير خصيصةً جوهرية وهبها الله لكل إنسان، ومن ثمّ فهو ليس مقتصرًا على الفلاسفة، بل يشمل جميع البشر. أما التفكير الفلسفي، الذي يثير مختلف التساؤلات بواسطة العقل، فلكل إنسان عقل، ولذلك لا بد أن يمارس التفلسف في مرحلة ما، وأن يتأمل في أمر من أمور محيطه، أو يشك، ويسعى إلى اكتشاف الحقائق وقضايا الوجود وكنه الأشياء. كما أن التفلسف أمرٌ ملازم للإنسان بوصفه معطى عقليًا، أي إنه مكوّن من مكونات العقل البشري، ويرتبط بالتفكير ارتباطًا طبيعيًا وثيقًا. (2)
والتفكر، ببساطة ووضوح، يُمثل إحدى سمات الحياة اليومية، ويتصل بالحس المشترك أو بالمفاهيم المتداولة. فهو عنصر لا ينفصل عن الممارسة الإنسانية اليومية. وبوجه عام، تمثل الفلسفة ممارسةً فكريةً منظمة، تواصل سعيها إلى بلوغ الحكمة وفهم التجربة الإنسانية. وهي ترمي في نهاية الأمر إلى تحديد هذه التجربة وتوجيهها. وفي هذا الإطار، يعتقد ماكنتاير أن النشاط الفلسفي يشكل رصيدًا من الأفكار المتعلقة بطبيعة الواقع والوجود والإنسان، فضلًا عن تقويم التجربة الإنسانية نفسها. كما يتضمن بحث طرائق معرفة الأشياء، وتعيين المفاهيم التي يمكن استخدامها لمعالجة المشكلات التي يواجهها البشر. أما راندال، فيعتبر التقليد الفلسفي شبيهًا بـ"صندوق أدوات" يضم عددًا من الأدوات الفكرية التي يحوزها الفيلسوف، ويستعين بها في التعامل مع المشكلات التي تعترضه. (3)
ويُعدّ كل تفكير يبحث في جوهر معتقد فلسفي تفكيرًا فلسفيًا. ورغم أن الفلاسفة المتخصصين هم الذين يتخذون من التفكير الفلسفي مهنة لهم، فإنهم لا ينفردون به، إذ يمكن أن يظهر كذلك لدى مفكرين آخرين، كالعلماء، والأدباء، والنقاد، وغيرهم. تتصف القضايا الفلسفية بترابطها الشديد؛ فكلما نجح الفيلسوف في إيجاد حل لإحدى المشكلات، برزت أمامه مشكلات أخرى تحتاج إلى معالجة، الأمر الذي يجعل الفلسفة مجالًا زاخرًا بالحيوية والتجدد. وتتنوع مجالات الفلسفة لتضم موضوعات عديدة، منها: فلسفة العلم، فلسفة الدين، فلسفة الفن (علم الجمال)، فلسفة التاريخ، فلسفة التربية، فلسفة الحكومة (الفلسفة السياسية)، فلسفة العلوم الاجتماعية، فلسفة الرياضيات، وفلسفة اللغة، إلى جانب مجالات أخرى تُظهر تعدد اهتمامات الفلسفة واتساع آفاقها. (4)
تعمل الممارسة الفلسفية بجد على بلوغ التوازن المنشود بين الوضوح والبساطة. فهي تقوم على موازنة دقيقة بين الفحص المتكامل للتجارب التي تُنتج الإشكالات المتنوعة، وبين الجمع المتواصل للتفاصيل المتعارضة الكامنة في تلك التجارب. وتتمثل غاية التجربة الإنسانية في السعي إلى حياة جيدة؛ حياة تقوم على المبادئ، والقيم، والسكينة. ومن هنا، يغدو البحث الفلسفي وسيلة لفهم معنى جودة الحياة، وكشف الطرق الموصلة إليها. (5)ومن سمات التفلسف: التحليل، والتقويم النقدي، والتفكير المجرد، والدافعية المرتفعة للإنجاز، والاستقلال الفكري، والإحساس بالدهشة. (6)
ب- النقد
تعود كلمة "نقدي" (Critical) إلى الأصل اليوناني Kriterion، الذي يمكن ترجمته إلى "المعيار الذي يتم الحكم بواسطته". ومن ثم يمكن تعريف المعيار بأنه قاعدة أو مبدأ يُستند إليه في الحكم على أمر ما؛ وهو المعنى الذي اعتمده إيمانويل كانط (1724–1804)، إذ جعل مبادئ الحكم محورًا أساسيًا في عمل الفلاسفة. وكان شعاره لعصر التنوير هو Sapere Aude، وهي عبارة لاتينية تعني "تجرأ على المعرفة"، أو "تحلَّ بالشجاعة لاستخدام عقلك الخاص". (7)
وتعرّف الموسوعة الوطنية الأوزبكية النقد بأنه:
1- دراسة شيء ما وتحليله وتقويمه من أجل إصدار حكم عليه أو تقدير قيمته (مثل: النقد الأدبي).
2- إبداء موقف سلبي من شيء محدد.
3- القيام بتقييم متكامل يرمي إلى الكشف عن أوجه النقص ومعالجتها.
كما يقدّم المعجم التفسيري للغة الأوزبكية عددًا من التعريفات للنقد، منها فحص مواطن القوة والضعف في عمل أو فكرة، وتحليل الأفكار بطريقة علمية، والتأكد من مدى صحتها وموضوعيتها. (8)
لا يقتصر النقد على الإقرار بأن الأوضاع ليست على النحو المطلوب، بل يمثل عملية تحليلية تسعى إلى تفكيك الافتراضات المتجذرة وطرائق التفكير التقليدية التي يُنظر إليها غالبًا باعتبارها غير قابلة للمساءلة. وهو يدعونا إلى مواجهة الممارسات التي نتقبلها من دون تمحيص، وإثارة أسئلة عميقة تُظهر أن ما نعدّه بديهيًا أو طبيعيًا قد لا يكون كذلك. لذلك، فإن ممارسة النقد لا تعني التحليل والتفكيك فحسب، وإنما تتمثل أيضًا في إعادة النظر في الأمور التي تبدو واضحة، وتحويل المسلمات البسيطة إلى موضوعات تستدعي تفكيرًا عميقًا. (9)ولا شك في أن تصحيح الأخطاء يُعد من الوظائف الجوهرية والمهمة للنقد. فالنقد لا يتوقف عند تحليل الأفكار أو تقويمها، بل يتحول كذلك إلى أداة فعالة لتصويب الأخطاء ودفع الفكر نحو مزيد من الدقة والعمق. (10)
كيف يمكن توظيف النقد وسيلةً لتصحيح الأخطاء ومواجهتها؟ يتم ذلك في ضوء العناصر الآتية:
1- تشخيص الأخطاء بدقة:
يسهم النقد في الكشف عن مواطن الضعف والقصور في الأفكار أو الممارسات، سواء أكانت هذه الأخطاء ناجمة عن سوء فهم، أم مبالغة في التعميم، أم افتراضات غير سليمة.
2- إعادة صياغة الأفكار:
لا يقتصر النقد على تفكيك الأفكار غير الصحيحة، بل يهدف أيضًا إلى بنائها من جديد وفق أسس أكثر قوة وترابطًا.
3- الاستفادة من الأخطاء:
يتيح النقد فرصة للتأمل في الأخطاء وتحويلها إلى وسيلة للتطور الفكري وتنمية الإبداع.
4- تنشيط الحوار:
من خلال معالجة الأخطاء، يفسح النقد المجال أمام نقاشات بناءة، تسهم في إثراء التفكير الجماعي وتعميق فهم القضايا المطروحة.
5- دعم الحقيقة:
يساعد النقد على تنقية المعرفة من الشوائب، بما يقربنا من إدراك أكثر وضوحًا للحقيقة.
6- دفع عجلة التطور:
عبر مواجهة الأخطاء، نستطيع التقدم نحو تحسين الأفكار وتطوير المناهج.
7- ترسيخ الاستقلال الفكري:
يعلمنا النقد كيفية التفكير بشكل مستقل وتجنب القبول الأعمى لما يُعرض علينا.
بعد توضيح الدلالة المستقلة لكل من مصطلحي "التفكير" و"النقد"، يمكن الوقوف على عدد كبير من التعريفات المرتبطة بمفهوم التفكير الناقد، إذ تتباين هذه التعريفات تبعًا للسياقات الفكرية والفلسفية التي ترد فيها. وقد ناقش عدد من الفلاسفة والمفكرين عبر التاريخ “مفهوم التفكير الناقد”، وطرحوا تصورات متعددة بشأنه. ومن أبرز هذه التعريفات:
أ- تعريف الاتجاه الفلسفي
1- تعريف جون ديوي (John Dewey)
"إن جوهر التفكير الناقد يتمثل في تعليق الحكم، بينما يتمثل جوهر هذا التعليق في البحث من أجل تحديد طبيعة المشكلة قبل البدء في محاولات حلها. وهذا الأمر، قبل أي شيء آخر، ينقل الاستنتاج من مجرد استنتاج إلى استنتاج خضع للاختبار، كما يحول النتائج المقترحة إلى أدلة مثبتة. "(11). وهو«فحص نشط ومتواصل ودقيق لأي اعتقاد أو صورة مفترضة من صور المعرفة، في ضوء الأسس التي يقوم عليها والنتائج المترتبة عليه». (12)
2- تعريف روبرت إنيس ( Robert Ennis)
" التفكير الناقد هو تفكير تأملي معقول يركّز على اتخاذ قرار بشأن ما ينبغي تصديقه أو ما ينبغي فعله. " وهو "التفكير التأملي المعقول الذي يتمحور حول اتخاذ قرار بشأن ما ينبغي الإيمان به أو القيام به". (13) ورغم أن هذا التعريف يبدو عامًا وغير دقيق، وهو ما أقرّ به إنيس نفسه، فإنه أتبع ذلك بعرض قائمة تفصيلية بالسمات التي يتصف بها المفكرون النقديون، والتي يكونون مستعدين أو يميلون بطبيعتهم إلى ممارستها. (14) ومن أبرز هذه الميول:
1- البحث عن صياغات واضحة للأطروحة أو السؤال، وعرضها بوضوح.
2- البحث عن أسباب واضحة وبيانها.
3- الحرص على امتلاك معرفة كافية بالمعلومات.
4- الاعتماد على المصادر والملاحظات الموثوقة، مع الإشارة إليها في الغالب.
5- مراعاة الموقف أو السياق بأكمله.
6- الاهتمام بالقضية الأساسية في سياق الموضوع.
7- الانتباه إلى البدائل والاحتمالات الأخرى.
8- التحلي بالانفتاح الذهني، من خلال:
أ- أخذ وجهات النظر الأخرى بجدية.
ب- تأجيل الحكم عندما لا تكون الأدلة والأسباب كافية.
9- تبني موقف محدد وتعديله عندما تستدعي الأدلة والأسباب ذلك.
10- السعي إلى بلوغ أعلى مستوى ممكن من الدقة بما يتناسب مع متطلبات الموقف.
11- محاولة "الوصول إلى الحقيقة أو الصواب" في حدود الإمكان والمتاح.
12- استخدام قدراتهم في التفكير النقدي. (15)
3- تعريف مايكل سكريفن وريتشارد بول
Michael Scriven and Richard Paul))
"التفكير الناقد هو عملية فكرية منضبطة تقوم على استخدام المفاهيم وتطبيقها وتحليلها وتركيبها و/أو تقويم المعلومات التي جُمعت أو أُنتجت عن طريق الملاحظة، أو الخبرة، أو التأمل، أو الاستدلال، أو التواصل، بوصفها أدلة توجه الاعتقاد والسلوك. وفي صورته المثالية، يستند التفكير الناقد إلى قيم فكرية عامة تتجاوز حدود تقسيمات المجالات المعرفية، ومن بينها: الوضوح، والدقة، والتحديد، والاتساق، والارتباط، وقوة الأدلة، وسلامة الأسباب، والعمق، والشمول، والإنصاف. كما يشمل فحص البنى أو العناصر الفكرية الكامنة وراء جميع عمليات الاستدلال، ومنها: الغرض، والمشكلة أو السؤال المطروح، والافتراضات، والمفاهيم، والأساس التجريبي، والاستدلال الذي يقود إلى النتائج، والآثار والعواقب، والاعتراضات الناشئة عن وجهات النظر البديلة، والإطار المرجعي. "(16)
ويعرّفانه أيضا بأنه: "عملية عقلية منضبطة تشمل بصورة نشطة وماهرة صياغة المفاهيم، واستخدام المعلومات، وتحليلها، وتركيبها و/أو تقويمها، سواء أكانت تلك المعلومات ناتجة عن الملاحظة أو الخبرة أو التأمل أو الاستدلال أو التواصل، لتكون أساسًا موجّهًا للمعتقدات والأفعال. "(17)
4- تعريف بيتر أ. فاسيوني وتقرير دلفي (Facione & Delphi Report)
- يعرّف الباحث الأمريكي فاسيوني التفكير الناقد بقوله:
" التفكير الناقد، هو القدرة على ممارسة نشاط أو عملية أو إجراء محدد. وبوجه عام، و أداء الفعل المناسب في الوقت الملائم". (18)ويبيّن فاسيوني أن التفكير الناقد هو تفكير يتصف بالشك من غير سخرية، والانفتاح الذهني من غير تردد، والتحليل من غير مبالغة في التدقيق. كما يتسم بالحسم دون عناد، وبالتقييم دون إصدار أحكام، وبالقوة في عرض الأفكار دون الاعتماد على الآراء الشخصية وحدها. (19)
- تعريف تقرير دلفى
" التفكير الناقد هو حكم مقصود ومنظّم ذاتيًا، يقود إلى التفسير والتحليل والتقييم والاستدلال، إلى جانب توضيح الاعتبارات الدليلية والمفاهيمية والمنهجية والمعيارية أو السياقية التي يقوم عليها ذلك الحكم " (20)
5- تعريف ليبمان Lipman
« التفكير الناقد هو تفكير يتسم بالمهارة والمسؤولية، ويساعد على إصدار أحكام سليمة لأنه: 1- يستند إلى معايير؛ 2- يقوم بتصحيح نفسه؛ 3- يراعي السياق»(21)
6- تعريف ماكبيك McPeck
" التفكير الناقد هو التوظيف الملائم للشك التأملي ضمن مجال المشكلة موضوع الدراسة"(22)
7- تعريف جون باسمور John Passmore))
" التفكير الناقد هو عملية تتصف بالتأمل والإبداع. (23)
8- تعريف براون وكيلي
"التفكير الناقد هو عملية إعادة فحص المشكلات والقضايا والظروف والمواقف بصورة مستمرة، عبر تحليلها وتقويمها والعمل على تطويرها. "(24) وهو "استجابة الفرد لما يسمعه ويقرؤه من خلال عملية تقويم منهجية ومنظمة». (25)
9- تعريف ج. أ. براوس ود. وود
( (J. A. Braus and D. Wood
يستند تعريفهما إلى تعريف روبرت إنيس، وهو:
" التفكير الناقد هو تفكير عقلاني تأملي ينصبّ على اتخاذ قرار بشأن ما ينبغي اعتقاده وما ينبغي فعله". ويعمل أصحاب التفكير الناقد على فهم ذواتهم والوعي بها، والاتصاف بالموضوعية والمنطق، والسعي إلى استيعاب وجهات نظر الآخرين". ويعتقد الباحثان أن التفكير الناقد يتجسد في البحث عن المنطق السليم، والقدرة على التخلي عن الأفكار المسبقة والتحيزات الشخصية. (26)
10- تعريف شافرسمان Schafersman
" التفكير الناقد، هو ممارسة التفكير السليم بهدف الوصول إلى معرفة دقيقة وموثوقة عن العالم (27). ويتقاطع التفكير الناقد، في أحد أبعاده، مع المنهج العلمي؛ ففي كلٍّ منهما تُحدَّد المشكلة، وتُصاغ الفرضية، وتُجمع البيانات المرتبطة بها، ثم تُختبر الفرضية وتُقوَّم بصورة منطقية، وصولًا في النهاية إلى اتخاذ قرارات موثوقة بالاستناد إلى النتائج. وبناءً على ذلك، يُنظر إلى التفكير الناقدعلى أنه توظيف للمنهج العلمي في مواقف الحياة اليومية، وليس نشاطًا محصورًا في الميادين والممارسات العلمية المتخصصة. (28)
يستند هذا التعريف إلى ثلاثة مرتكزات أساسية:
1- العقلانية Rationality) ): إذ يصف التفكير الناقد بأنه "التفكير السليم من أجل تحصيل معرفة صحيحة وموثوقة عن العالم"، وهو تصور فلسفي معرفي.
2- المنهج العلمي: يوضح الصلة بين التفكير النقدي ومراحل المنهج العلمي، بدءًا من تحديد المشكلة وصياغة الفرضية، مرورًا بجمع الأدلة واختبارها، وانتهاءً بالتوصل إلى استنتاجات مبررة.
3- نظرية المعرفة: يهتم بالكيفية التي تُبرَّر بها المعرفة، وبالتمييز بين المعرفة الموثوقة وغير الموثوقة، وهو مجال يندرج ضمن الفلسفة، ولا سيما فلسفة العلم.
11- تعريف قاموس كامبريدج للفلسفة
"التفكير الناقد هو نشاط ذهني يوظف العقل في فحص المعتقدات والادعاءات والحجج بطريقة منظمة، وذلك عبر تحليل الأدلة، وتقييم قوة الاستدلال، وتحديد أوجه القصور أو المغالطات، بهدف إصدار أحكام قائمة على مبررات واضحة، لا على الانطباعات أو التحيزات. كما يرتبط التفكير الناقد ارتباطًا وثيقًا بالعقلانية؛ لأنه يتطلب من الفرد الاستعداد لإعادة النظر في آرائه عند ظهور أدلة جديدة، والتمييز بين الحجج الصحيحة وغير الصحيحة، والالتزام بالقواعد المنطقية عند الاستدلال واتخاذ القرارات. "(29)
ب- تعريف الاتجاه النفسى
1- تعريف ديان هالبرن Diane F. Halpern) )
عرفت التفكير الناقد في مؤلَّفها "سيكولوجية التفكير الناقد" بأنه "تفكير هادف يتصف بالاتزان والمنطق والتركيز، ويعتمد على توظيف المهارات والاستراتيجيات المعرفية من أجل بلوغ النتائج المطلوبة. "(30)
2- تعريف واتسون- جليزر Watson- Glaser) )
" التفكير الناقد هو تركيب من الاتجاهات والمعارف والمهارات". ويتضمن هذا التركيب ما يأتي:
أ- اتجاهات الاستقصاء: وتشمل القدرة على ملاحظة وجود المشكلات، والإقرار بالحاجة العامة إلى أدلة تؤيد ما يُزعم أنه صحيح.
ب- المعرفة بطبيعة الاستدلالات الصحيحة والتجريدات والتعميمات:
وهي المعرفة التي تتيح تحديد مدى قوة الأدلة المتنوعة أو دقتها بأسلوب منطقي.
ت- المهارات الخاصة باستخدام الاتجاهات والمعرفة السابقة وتطبيقها:
أي القدرة على الاستفادة من هذه الاتجاهات والمعارف وتوظيفها عمليًا في عملية التفكير. "(31)
3- تعريف إليس أورمود Ellis Ormrod) )
"التفكير الناقد هو فحص المعلومات أو الحجج من حيث درجة دقتها وقيمتها. "(32)
4- تعريف دانيال ويلينجهام (Daniel Willingham)
"التفكير الناقد يمثل في الحقيقة جزءًا فرعيًا من ثلاثة أنماط من التفكير: الاستدلال، وإصدار الأحكام واتخاذ القرارات، وحل المشكلات. وهو يُشكّل جزءًا من هذه الأنماط لأننا نستخدمها في تفكيرنا باستمرار، غير أننا لا نمارس التفكير النقدي إلا في بعض الأوقات. "(33)
5- تعريف هالونن Halonen) )
" التفكير الناقد هو نزوع الفرد أو قدرته على الانخراط في نشاط ذهني يتسم بالشك المنهجي والتأمل العميق عند اتخاذ قرارات عقلانية بشأن ما يفعله أو ما يعتقده". (34)
ت- تعريف الاتجاه الاجتماعى عند ستيفن د. بروكفيلد
( (Stephen D. Brookfield
"التفكير الناقد هو معالجة المشكلات فقط، وتفكيك البنى الأيديولوجية المهيمنة داخل المجتمع. ومن ثم فهو يمكّن الأفراد من التعرف إلى الأيديولوجيات التي تنقلها المؤسسات التعليمية، ووسائل الإعلام، والأسرة، ومجالات العمل، والحكم عليها بصورة نقدية. وبذلك، يدعم كلٍّ من اتخاذ القرارات القائمة على المنطق، والتعامل النقدي مع النظم الاجتماعية والثقافية. "(35)
ث- تعريف الاتجاه التربوى
1- تعريف الرابطة الأمريكية للكليات والجامعات
" التفكير الناقد هو عادة عقلية تتسم بفحص القضايا والأفكار والمنتجات الفكرية فحصًا شاملًا قبل قبول رأي أو استنتاج أو صياغته. "(36)
وفيما يلي عدد من الملاحظات المهمة بشأن هذا التعريف:
- التفكير الناقد عادة عقلية: أي إنه لا يمثل مهارة بسيطة يتم اكتسابها عبر دراسة مقرر جامعي واحد. فالمقرر الواحد لا يكفي لتكوين هذه العادة، وإنما يقتصر دوره على تقديم بعض المهارات الأساسية التي تساعد في بنائها. أما تطوير هذه العادة أو تعزيزها فيرتبط بممارساتك اليومية وخياراتك المتواصلة، وإلا فقد تظل المعارف التي اكتسبتها من دون توظيف فعلي في حياتك.
- يتفاوت الأفراد في مدى امتلاكهم لعادات التفكير الناقد: فقد يلتحق بعض الطلاب بهذا المقرر وهم يتمتعون بخبرة ومهارة مناسبتين في التفكير النقدي، وستتيح لهم المناقشات في هذه الحالة فرصة مراجعة عاداتهم الراهنة والتأكد منها. بينما قد يرى آخرون أنهم مفكرون نقديون بالفعل، غير أنهم سيتعرفون إلى مفاهيم ومصطلحات مستحدثة ربما تدفعهم إلى مراجعة هذا التصور.
- يرتكز التفكير الناقد على حكم قيمي جوهري: إذ نشأ هذا المجال ضمن إطار الفلسفة الأوروبية، وقام على الاعتقاد بأن الآراء التي تستند إلى التأمل والتفكير العميق تفوق في قيمتها الآراء المتسرعة أو الانفعالية. ولذلك، عندما تكون القضية المطروحة ذات أهمية، يصبح من المفيد امتلاك المهارات التي تعين على التفكير الهادئ والعميق، وهي المهارات التي سيركز عليها هذا المقرر. (37)
2- تعريف النظرية التربوية
"التفكير الناقد هو أسلوب إدراكي يقوم على الاستدلال المتروي والنظر المحايد في المعلومات من أجل التوصل إلى حل محتمل لمشكلة معينة. وبحسب التربويين، يتضمن التفكير النقدي عددًا من المهارات المنطقية القابلة للتعليم، فضلًا عن ميل أو توجه نحو البحث التأملي المنفتح يمكن تنميته وتطويره ". (38)
تبيّن التعريفات السابقة أن التفكير الناقد لم يعد يُفهم على أنه مجرد مهارة تحليلية، بل غدا عملية عقلية واعية ومنظمة تشتمل على تحليل المعلومات وتقويمها، وتمحيص الأدلة والحجج، وتطبيق معايير عقلانية للوصول إلى أحكام وقرارات تستند إلى مبررات. كما توضح الأدبيات الحديثة أن التفكير النقدي يزاوج بين المهارات المعرفية والميول العقلية، ويتأثر بالسياق والخبرات السابقة، ويُستخدم في حل المشكلات واتخاذ القرارات وتكوين المعرفة.
الخلاصة: بعد مراجعة التعريفات السابقة (ديوي، إنيس، هالبرن، فاسيوني، سكريفن وبول، ليبمان، واتسون- جليزر، شافرسمان، بروكفيلد، وغيرها)، يتبين أنها تلتقي في مجموعة من العناصر الأساسية، تتمثل في:
- التفكير نشاط عقلي واعٍ ومنظم.
- يرتكز على التحليل والتفسير والتقويم والاستدلال.
- يعتمد على تمحيص الأدلة والحجج في ضوء معايير عقلانية ومنطقية.
- يستلزم التفتح الذهني والتفكير التأملي والمراجعة الذاتية.
- يستهدف تكوين أحكام وقرارات ومعتقدات مسوَّغة، ومعالجة المشكلات بفاعلية.
وعليه، يمكن تقديم تعريف متكامل يضم جوهر هذه التعريفات، كما يأتي:
"التفكير الناقد هو أسلوب من التفكير التأملي العقلاني، يقوم على التوظيف الواعي والمنظم للمهارات والميول المعرفية في تحليل المعلومات وتفسيرها وتقويمها والاستدلال عليها، ودراسة الأدلة والافتراضات بالاستناد إلى معايير موضوعية ومنطقية؛ بغية التوصل إلى أحكام وقرارات ومعتقدات قائمة على أدلة كافية ومبررات سليمة، بما يساعد على حل المشكلات وتكوين المعرفة واتخاذ القرارات الرشيدة. "
ثانيا: نشأة التفكير الناقد وتطوره
ينبغي أولًا الاعتراف بالمكانة التاريخية للفلسفة حتى يتسنى لنا تقدير إسهامها في تطوير التفكير الناقد ومعالجة المشكلات. فقد ظهرت الفلسفة في اليونان القديمة، وكانت الركيزة التي تأسس عليها الفكر الغربي. وقد خصّص فلاسفة من أمثال سقراط وأفلاطون وأرسطو هذا المجال للبحث المستمر عن الحقيقة، مستندين إلى التفكير الناقد في فحص الواقع القائم وبيان مواطن المغالطة. فضلًا عن ذلك، أرست مناهجهم الفلسفية الأسس التي انطلقت منها مجالات معرفية متعددة، مثل العلوم والسياسة والأخلاق(39) ومن ثمّ، فإن الفلسفة والنقد متلازمان بصورة وثيقة، إلى حد يمكن معه القول إن الفلسفة ليست إلا ضربًا من ضروب النقد المنهجي. (40)
وفي هذا الإطار، أشار جون ديوي إلى أن: "الفلسفة في جوهرها نقد، وتتميز بمكانتها الخاصة بين مختلف أشكال النقد بفضل طابعها العام؛ فهي نقد للنقد، إن جاز التعبير. والنقد هو حكم قائم على التمييز، وتقدير يتسم بالتروي، ولا يوصف الحكم بأنه نقد على نحو مناسب إلا عندما يكون موضوع التمييز مرتبطًا بالخير أو بالقيم". (41)
أ- الأصول اليونانية للتفكير الناقد.
1- سقراط.
استخدم الفلاسفة اليونانيون القدماء تتابعًا مكوّنًا من ثلاث مراحل من الأسئلة بهدف فهم المشكلة. يبدأ السؤال الأول بـ(هل المشكلة حقيقة أم واقعة؟)، ثم يأتي السؤال الثاني: (كيف يمكن تعريف المشكلة؟)، أما السؤال الثالث فهو: (إلى أي نوع تنتمي المشكلة؟). ويطرح الفيلسوف هذه الأسئلة من أجل تضييق مجال التفكير وتركيزه على جانب معين، الأمر الذي يسهم في تحقيق فهم أعمق للمشكلة (42)
ويمكن إرجاع بدايات مفهوم التفكير الناقد إلى سقراط؛ إذ انشغل بإثبات الحقيقة بعيدًا عن تأثير سلطة أصحاب النفوذ أو الحكام. وكان يعتقد أن أصحاب السلطة ربما يمتلكون معرفة تفتقر إلى العقلانية، وأن المعرفة لا تكون صحيحة إلا إذا قامت على أسئلة عميقة تقود، عبر التحليل الناقد، إلى اعتقاد صادق يستند إلى مبررات. كما واجه سقراط السلطة الحاكمة في عصره، رافضًا الأفكار المفروضة من غير تحليل نقدي متين وأدلة صريحة. وقد صدر بحقه حكم بالإعدام سنة 399 قبل الميلاد، نتيجة تعاليمه الفلسفية التي رأى حكام أثينا أنها تمثل خطرًا عليهم. (43)
أتقن سقراط فن التوليد، أي التوليد الفكري. غير أن اهتمامه لم يكن منصبًا على مساعدة الأجساد في عملية الولادة، وإنما على رعاية النفس خلال مخاضها الفكري. وكان يستطيع التمييز بين الأفكار التي تفرزها عقول الشباب، فيحدد ما إذا كانت أوهامًا باطلة أم أفكارًا نبيلة وحقيقية وُلدت فكريًا. فإذا وجد أن الفكرة ليست سوى وهم زائف، سعى إلى تفنيدها وإسقاطها بهدوء. ومن هنا تتجلى حكمة سقراط في وعي الإنسان بجهله، وإقراره بأنه لا يحيط بكل شيء علمًا، وتحرره من الأحكام المسبقة. (44)
و كان المنهج السقراطي وسيلة فعّالة وُضعت لمواجهة الافتراضات، وفحص الأفكار المسبقة، ودعم التفكير الناقد. وقد جسّد سقراط، الفيلسوف المعروف الذي انتهت حياته مبكرًا بسبب شجاعته الفكرية، التأثير الكبير للسؤال والحوار في الوصول إلى الحقيقة. فمن خلال مشاركته في حوارات عقلانية دقيقة، سعى إلى تحليل الحكمة التقليدية وكشف ما تحتويه من تناقضات ومواطن ضعف. وبفضل هذا الأسلوب الجدلي، نما التفكير الناقد وتطور، فاتحًا المجال أمام فهم أعمق ووضوح فكري أكبر (45)
يرتكز المنهج السقراطي على حوارٍ تحليلي يسعى إلى تفكيك الآراء الشائعة وإظهار ما تنطوي عليه من تناقضات، بهدف بلوغ الحقيقة من خلال النقاش لا التلقين. ويتخذ المعلم موقف الجاهل لتحفيز المتحاور على التفكير بصورة مستقلة، مستخدمًا الأسئلة والفحص المتعمق للمفاهيم. وتعتمد هذه الطريقة على فهمٍ دقيق للروابط بين عناصر القضية المطروحة وأسلوب تفكير المحاوَر، ويمكن عرضها في مجموعة من المراحل الجدلية المنسقة التي ترمي إلى توضيح الحقيقة بواسطة العقل والحوار.
1- تظاهر المعلم بعدم معرفته بالحقيقة، وهو ما يُعرف بالسخرية السقراطية، يعكس منهجًا يقوم على التواضع الفكري والاهتمام بالمسائل الأساسية في تشييد الحجة. وكما لدى ديكارت، يُمثل هذا المنهج شرطًا مهمًا للتنقيب عن الحقيقة وفهمها بصورة أعمق.
2- يمثل الحوار أو المحادثة أسلوبًا فعّالًا لاكتشاف الحقيقة، انطلاقًا من الاعتقاد بوجود معرفة أساسية بالحق والخير كامنة في داخل كل إنسان. ويحدث ذلك على الرغم من أن الفرد قد يتوصل أحيانًا إلى أحكام متعجلة اعتمادًا على ملاحظات غير مكتملة أو ميول شخصية. ويمكن إظهار هذه الحقيقة الإنسانية المشتركة عبر التحليل الدقيق، والتفكير الجدلي، والبحث المعتمد على السؤال والجواب. وتُسمى هذه الطريقة غالبًا بـ "فن التوليد الفلسفي".
3- يشكل تحديد المفاهيم وصياغة تعريفات دقيقة مرحلة جوهرية تسبق محاولة معرفة كيفية توظيفها عمليًا في مختلف مجالات الحياة.
4- يقوم الانتقال من الوقائع الملاحظة إلى حقائق أكثر عمومية على اتباع المنهج الاستقرائي في التفكير. وفي الوقت نفسه، يتصف منهج سقراط بالطابع الاستنتاجي، إذ يعمل على استنباط النتائج والآثار المتصلة بمفاهيم معينة، ثم تقويم مدى صحتها(46)
ويتمثل أساس المنهج السقراطي في الحوار المعتمد على الأسئلة؛ فهو يحث الفرد على إعادة النظر في معتقداته وتمحيص الأسس التي تستند إليها آراؤه، بدلًا من التسليم بها دون نقد. ولا يستخدم سقراط الأسئلة لإحراج محاوريه، بل لكشف التناقضات وإعادة تشكيل الفهم وفق أسس أكثر عقلانية. وتمثل هذه العملية سبيلًا إلى بلوغ معرفة أعمق. كذلك فإن الإقرار بالجهل لا يدل على الضعف، بل يشكل بداية للتعلم؛ إذ يعتقد سقراط أن الوعي بحدود المعرفة هو الذي يحفز الإنسان على التساؤل والبحث. ولهذا يتصل التفكير النقدي بالمنهج السقراطي من خلال مجموعة من العناصر:
- تمحيص الافتراضات.
- تقويم الأدلة.
- الإقرار باحتمال الخطأ.
- الاستعداد لتقبل وجهات النظر المتنوعة.
- ترسيخ التواضع الفكري(47)
2- أفلاطون.
ألّف أفلاطون (نحو 428–348/347 ق. م) عددًا كبيرًا من المحاورات النقدية التي ظهر فيها سقراط. ففي محاورة "جورجياس"، على سبيل المثال، وضع أفلاطون كاليكليس، وهو شاب أرستقراطي متكبر وربما عنيف، في حوار ومواجهة مع سقراط. وكان كاليكليس يعتقد أن الأقوياء ليسوا مطالبين بالالتزام بأي قيود أخلاقية في طريقهم إلى النجاح، في حين رأى سقراط أن التعرض للظلم أكثر أخلاقية من ممارسته. وقد عمد سقراط إلى تفنيد حجج خصمه واحدة بعد أخرى، كما يفعل في مختلف محاورات أفلاطون. (48)
وطوّر أفلاطون كذلك تصورات تتعلق بالأخلاق وعلم النفس الأخلاقي. فقد اعتبر أن العيش حياة فاضلة يستلزم المعرفة، إلى جانب تهذيب الاستجابات الانفعالية السليمة. كما رأى أن النفس البشرية تتألف من ثلاثة أجزاء... ويشكّل هذا التصور أساسًا مهمًا في التفكير الناقد الأفلاطوني؛ إذ يفرّق أفلاطون بين المعرفة العقلية والانطباعات الحسية. فبلوغ الحقيقة لا يتحقق بمجرد ملاحظة الأشياء في صورتها الظاهرة، وإنما يتم عبر توظيف العقل في تحليل المفاهيم والمبادئ الكامنة وراءها. كذلك تصل نظريته الأخلاقية بين التفكير الناقد والسلوك؛ فالمفكر الجيد لا يكفيه امتلاك المعرفة، بل ينبغي أن يمتلك أيضًا القدرة على ضبط رغباته وانفعالاته، واتخاذ قرارات تستند إلى العقل والفضيلة. (49)
أما أقسام النفس الثلاثة عند أفلاطون في كتاب "الجمهورية " فهي:
1- الجزء العاقل (Rational Part): يتولى التفكير والحكمة والسعي إلى الحقيقة.
2- الجزء الغضبي أو الإرادي (Spirited Part): يتصل بالشجاعة والطموح وحماية المبادئ.
3- الجزء الشهواني (Appetitive Part): يختص بالرغبات والاحتياجات الجسدية.
ويعتقد أفلاطون أن الفضيلة تتحقق عندما يتولى العقل قيادة سائر أجزاء النفس، وهو مبدأ يمكن صلته بالتفكير الناقد؛ لأن التفكير السليم يستلزم القدرة على ضبط الأحكام والانفعالات، وتقويم الأفكار بطريقة عقلانية(50)
يمكن النظر إلى أكاديمية أفلاطون بوصفها نموذجًا مبكرًا للتعليم الذي يدمج بين التفكير الناقد والتعلم متعدد التخصصات. فقد جسّدت تطبيقًا عمليًا لرؤيته بشأن أهمية التعليم القائم على البحث والحوار العقلي. ولم تكن الأكاديمية مجرد مؤسسة لنقل المعلومات، بل كانت تهدف إلى تدريب العقل على التحليل والاستدلال والسعي وراء المعرفة. ومن خلال دراسة الرياضيات والفلسفة والعلوم المتنوعة، كان أفلاطون يعتقد أن المتعلم ينمّي قدرته على:
- التفكير المنطقي والمجرد.
- تمحيص الأفكار بدلًا من قبولها من دون دليل.
- البحث عن المبادئ العامة المفسرة للظواهر.
- تعزيز الاستقلال الفكري والقدرة على إصدار الأحكام العقلانية. (51)
3- أرسطو.
كان أرسطو (384–322 ق. م) أول من تناول دراسة تركيب الحجج الصحيحة والحجج الفاسدة. فقد ميّز ثلاثة عشر نمطًا من الحجج أو القياسات الخاطئة، وفسّرها بأمثلة واضحة وجلية، وصنّفها في مجموعتين:
أولًا: الحجج التي تعتمد على التباس اللغة، مثل:
- العدد 5 يتألف من 2 و3.
- العدد 2 زوجي، والعدد 3 فردي.
- إذن العدد 5 زوجي وفردي.
ثانيًا: الحجج التي تقوم على استنتاج غير سليم، مثل:
- الشخص الذي يعاني من الحمى يكون ساخنًا.
- إذن كل شخص ساخن يعاني من الحمى.
وقد عرض أرسطو الاختلافات الفكرية المرتبطة بالطريقة التي ننظر بها إلى معتقداتنا. فبحسب رأيه، قد تكون لدينا تصورات مضللة عن معتقداتنا تستند إلى انطباعات سطحية ومؤقتة، أو تكون لدينا معتقدات أعمق تنشأ من السعي إلى البحث فيما يتجاوز المظاهر الخارجية. وقد أسهم أرسطو في تمهيد الطريق أمام المفكرين الذين جاؤوا بعده لمراجعة المعتقدات وتحديها بصورة منظمة، من خلال التعمق في التفكير في النتائج المترتبة على الأفكار التي نتبناها. كذلك برز الاستدلال القائم على التحليل المتكامل والعقل(52)
كما ألّف أرسطو أول كتاب في "علم الخطابة"، بيّن فيه أهمية الإيثوس ethos (الأخلاق والمصداقية) والباثوس pathos (العاطفة)، إلى جانب اللوغوس (العقل والمنطق)، في إلقاء الخطب الجيدة وتأليف المسرحيات. (53) وتجسّد مقولة أرسطو: "من دلائل العقل المتعلم أن يستطيع استيعاب فكرة ما من غير أن يضطر إلى قبولها. " مبدأً جوهريًا في التفكير الناقد، يتمثل في التمييز بين الفهم والموافقة. فالمفكر الناقد لا يعتنق الفكرة لمجرد سماعها، ولا يرفضها قبل دراستها، بل يتيح لها مجالًا للفحص والتقويم. (54)
كما يرتبط التفكير الناقد بالمنطق الأرسطي، ولا يزال يشكّل قوة فكرية بارزة في عصرنا للأسباب الآتية:
1- التفكير الواضح
في عالم ممتلئ بالتغريدات والمنشورات والآراء المتسرعة، تمكّننا أدوات أرسطو من كشف الحجج الضعيفة وصياغة حجج أقوى وأكثر منطقية.
2- التعليم
تسهم مقررات المنطق في تطوير التفكير الناقد لدى الطلاب، عبر توظيف مبادئ أرسطو للتخلص من التحيز والتشوش والوصول إلى تفكير أكثر وضوحًا.
3- التكنولوجيا
بدءًا من استعلامات قواعد البيانات وانتهاءً بعمليات اتخاذ القرار في الذكاء الاصطناعي، تعتمد أجهزة الحاسوب على بنيات منطقية ترجع أصولها إلى أعمال أرسطو. فعند استخدام محرك بحث مثل Google، يكون المنطق حاضرًا خلف هذه العملية.
4- النقاش والحوار
سواء أكان الموضوع متعلقًا بسياسات المناخ أم بالقضايا الأخلاقية المعقدة، تساعد القياسات المنطقية الأرسطية على الانتقال من الأدلة إلى النتائج بأسلوب عقلاني، من غير الوقوع في المغالطات المنطقية. (55)
لم يقتصر دور أرسطو على ابتكار علم المنطق، بل منحنا منهجًا للتفكير السليم في عالم يزخر بالتعقيد والغموض. فقد كان كتابه "الأورجانون (Organon)"، بما اشتمل عليه من مباحث التصنيفات والقياسات المنطقية والمبادئ الدقيقة، أشبه بصندوق أدوات ذهني يعين على تشييد حجج تصمد أمام الفحص والتحليل. ومن تصنيف الحيوانات إلى بحث موضوعات كالفضيلة والأخلاق، امتد أثر منطقه إلى شتى ميادين المعرفة، ولا تزال بصماته تؤثر في الطريقة التي نفكر ونستدل بها في عصرنا الراهن. ولا شك في أن المنطق الحديث طوّر أدوات أكثر تعقيدًا وتقدمًا، غير أن أرسطو أرسى الأساس الأول الذي قامت عليه تلك التطورات. وعندما ندافع عن فكرة أو نحاول حل مشكلة، فإننا نسلك طريقًا مهّده أرسطو قبل أكثر من ألفي عام. وهذا إنجاز عظيم لرجل لم يكن يملك سوى قلم وريشة وبعض الرقوق. (56)
ب- التفكير الناقد في العصور الوسطى
خلال العصور الوسطى، تم الحفاظ على التفكير الناقد وتطويره بشكل أساسي من خلال الدراسات اللاهوتية والفلسفية. فقد كان الفكر المدرسي (Scholasticism)، وهو منهج ظهر في الجامعات الأوروبية خلال العصور الوسطى، يهدف إلى التوفيق بين اللاهوت المسيحي والفلسفة الكلاسيكية، وخاصة فلسفة أرسطو. وقد أكد مفكرون مثل توما الأكويني أهمية الاستدلال المنطقي والتفكير الجدلي في المناقشات الدينية والفلسفية. وعلى الرغم من أن هذا العصر كان مقيدًا إلى حد كبير بالسلطة الدينية والأطر العقائدية السائدة، فإنه أسهم في تطوير الحوار المنظم والتحليل النقدي بوصفهما أدوات أساسية في دراسة اللاهوت والنقاش الفكري(57)
وفى العصور الوسطى الأوروبية اهتم الفلاسفة بالنقد ، فقد تسائل توما الأكويني ( 1225–1274)هل نصل إلى الحقيقة عن طريق العقل أم عن طريق الإيمان؟ واقترح طريقة للوصول إلى الرؤية المسيحية للعالم باستخدام العقل، ولذلك أصبح الفيلسوف الأبرز للكنيسة الكاثوليكية. وفي الوقت نفسه، حارب الراهب وليام الأوكامي ( 1287–1347) استخدام الكلمات والأفكار غير الضرورية، وكان يرغب في إزالة جميع "الكيانات الزائدة" من الحجج. ويُعرف هذا المبدأ باسم شفرة أوكام . (58)
واذا كانت الكنيسة الرومانية المسيحية خلال العصور الوسطى في العالم الغربي، هيمنت على المجال الفلسفي، فقد رأى توما الأكويني في كتابه "الخلاصة اللاهوتية " أن الفلسفة كانت بمثابة "خادمة اللاهوت". وكان على الأكويني أن يوازن بين المعتقدات اللاهوتية والتحولات الفلسفية التي طرأت على المجتمع القائم على تلك المعتقدات. وقد جادل الأكويني بأن القدرة الكامنة في العقل والتفكير المنطقي تبرر ضرورة إدخال الاستدلال العقلي في التحليل الموضوعي لغرض الإيمان، وليس في جوهر الإيمان ذاته. وبالطبع، يوضح موقف الأكويني أن التفكير الناقد لا يعني بالضرورة رفض المعتقدات الدينية القائمة، بل يساعد على رفض المعتقدات التي تفتقر إلى أسس عقلانية. (59)
وقد أسهم علماء عرب مسلمون، مثل ابن رشد، في تعزيز التفكير الناقد الموجَّه نحو المعتقدات اللاهوتية. كما أدخلت المفاهيم الإسلامية الخاصة بتفسير النصوص المقدسة مبادئ فلسفية تتمثل في مفهوم "الاجتهاد" أو التفسير التحليلي الذي مارسه الفقهاء المسلمون . (60)
وقد بدا أثر التفسير التحليلي الإسلامي حاضرًا بصورة غير مباشرة في أفكار فلاسفة وعلماء لاهوت عصر النهضة الأوروبي، مثل فرانسيس بيكون ورينيه ديكارت، الذين دعوا إلى فهم تجريبي للعالم قائم على الملاحظة والاستدلال. كما ناقش مكيافيلي في كتابه "الأمير" بصورة نقدية ضرورة إصلاح الفلسفات السياسية السائدة في ذلك الوقت. وقد أدى التأثير المشترك لهؤلاء المصلحين الفلسفيين خلال عصر النهضة إلى تحرير الفكر الاجتماعي والسياسي، دون القضاء على المعتقدات اللاهوتية لدى عامة الناس. (61)
ت- التفكير الناقد خلال عصري النهضة والتنوير
خلّفت حركة التحرر الفلسفي الفرنسية، التي تولّى قيادتها كلٌّ من بيير بيل، ومونتسكيو، وفولتير، وديدرو، تأثيرات مستمرة في فلسفة التفكير الناقد. فقد اعتقد هؤلاء الفلاسفة الفرنسيون البارزون أن العقل البشري يتكوّن ويتنظّم عبر العقلانية والمنطق. ويتيح العقل والمنطق للتفكير الناقد الإنساني إدراك تعقيدات العالم وحقيقته. وقد شدّد مونتسكيو وفولتير بصرامة على ضرورة اعتماد التحليل الفكري المنظم والمنضبط عند ممارسة النقد. في حين رأى ديدرو أن كل سلطة ينبغي أن تكون موضع فحص (62)
فقد كان فرانسيس بيكون (1561–1626) أول من اقترح المنهج التجريبي على الفلاسفة والعلماء، وحثّهم على تحطيم "أصنامهم"، أي تحيزاتهم وتصوراتهم المسبقة. وفي مقابل التجريبية، دعا رينيه ديكارت (1596–1650) إلى اتباع المنهج العقلاني للوصول إلى الحقيقة، مقرونًا بـ "الشك المنهجي"، وهو موقف يتمثل في عدم الوثوق بصورة منظمة بكل ما نعتقده. ويُعد جون لوك (1632–1704) بالنسبة إلى إنجلترا نظير ديكارت بالنسبة إلى فرنسا. ففي مؤلفه "مقالة في الفهم البشري"، كشف، ضمن أمور أخرى، مواطن الضعف في المنطق الأرسطي، إذ رأى أن كل فكرة مركبة لا بد أن تكون حصيلة حجة، أي تركيبًا من أفكار بسيطة (وهي ذكريات التجارب الحسية المباشرة)، ومن ثم فإن "العقلانية الخالصة" ربما لا تكون سوى وهم. وفي عام 1658، ألّف بليز باسكال (1623–1662) كتاب "فن الإقناع" بوصفه مقدمة لعمل مدهش في الهندسة. ورغم أن هذا العمل لم يُنشر قط، فإن الجمع غير المألوف بين الرياضيات والخطابة يبيّن مقدار الصرامة التي سعى الفيلسوف وعالم اللاهوت الفرنسي إلى فرضها على بناء الخطاب. وعلى الرغم من انتمائه إلى أنصار عصر التنوير، كان جيريمي بنتام (1748–1832) يطمح إلى إقامة علم للسياسة. وكان يؤمن بأن البشر قد يخطئون أيضًا إذا كان المنطق قابلًا للخطأ. وقد وسّع تلميذه بالمعمودية جون ستيوارت مل (1806–1873) مذهب بنتام النفعي، وأضاف إليه تصوره الخاص. (63)
1- فرانسيس بيكون
يمثل التفكير الناقد عند فرانسيس بيكون امتدادًا واضحًا لمشروعه الرامي إلى تنقية العقل من مصادر الوهم والخطأ التي أعاقت تطور المعرفة، وهو ما شرحه في "نظرية الأوهام أو الأصنام" ضمن كتابه "الأورجانون الجديد". فقبل تأسيس معرفة علمية سليمة، يؤكد بيكون ضرورة إخضاع القدرات المعرفية للإنسان لنقد منهجي، لأن العقل لا يتعامل مع الطبيعة بحياد كامل، بل تعتريه تشوهات مصدرها طبيعته الخاصة، وخبرته الفردية، واللغة المتداولة، والأنساق الفكرية الموروثة. ومن ثم يلتقي التفكير الناقد مع مشروع بيكون في كونه مسارًا لفحص المعتقدات والافتراضات وتقويمها قبل التسليم بصحتها. ولا ينحصر هذا النقد في تحديد الأخطاء، بل يشكل مرحلة أولية للانتقال إلى المنهج الاستقرائي الذي دعا إليه بيكون؛ إذ يعتمد هذا المنهج على تخليص العقل من الأحكام السابقة، والارتكاز إلى الملاحظة الدقيقة والتجربة وحصر الوقائع، ثم التدرج من الحالات الجزئية إلى القواعد العامة. وبذلك يغدو التفكير الناقد عند بيكون وسيلة سلبية لهدم العوائق المعرفية التي تجسدها الأصنام، ووسيلة إيجابية لإعادة بناء المعرفة على قاعدة الاستقراء والتجربة؛ فالنقد يهيئ للعقل سبيل المنهج، والمنهج يساعده على تخطي قيوده الطبيعية وبلوغ معرفة أكثر صدقًا ونفعًا بالطبيعة.
إذا كان الأمر كذلك، فما المقصود بنظرية الأوهام؟ وما صلتها بالمنهج الاستقرائي لدى فرانسيس بيكون؟
تتمحور أعمال فرانسيس بيكون في مجملها حول فكرة "الانطلاق من الصفر. " starting from scratch ويعني ذلك، من ناحية، تقويض البناء المعرفي القائم، ومن ناحية أخرى، إعداد تصور لبناء بديل. فمن خلال نظرية "الأوهام" يهدم بيكون الصرح المعرفي القديم، بينما يقيم عبر منهجه المعتمد على الاستقراء والتجربة صرحًا جديدًا. وتتمثل وظيفة نظرية الأوهام في تنبيه الإنسان إلى الأوهام التي يقع فيها وإلى خداعه لذاته، في حين وُضع المنهج الاستقرائي للتعامل مع هذه الأوهام منذ المرحلة الأولى بأسلوب ناجع. (64)
وفوق ذلك، قدّم بيكون آليته النقدية باعتبارها آلية تقويض وهدم. فقد اعتبر أن وضع العلوم في عصره، سواء من جهة عجزها عن تقديم حلول نافعة أو من جهة حركتها الفكرية، يكفي لإثبات ضعف المبادئ والافتراضات التي تقوم عليها. لذلك لم تكن نظرية الأوهام مشروعًا إصلاحيًا يسعى إلى معالجة إخفاقات محدودة أو إدخال فرضيات مؤقتة لتطوير النموذج المتداول؛ وإنما أراد بيكون البرهنة على أن المنظومة الفكرية بأكملها فاسدة في أساسها، وأنه يستحيل في إطارها بناء دعاوى معرفية صحيحة أو تقديم حلول عملية ناجحة إلا عرضًا وبالمصادفة. (65)
وفي القسم الأول من كتاب «الأورجانون الجديد» ، يسعى بيكون إلى "تقويض" أسباب ضعف العلم وأخطائه، من خلال توجيه النقد إلى ثلاثة مصادر أساسية للسلطة المعرفية: العقل البشري في طبيعته، والقياس المنطقي (القياس الأرسطي)، والفلسفة التقليدية. وتتضح جذرية فكرة الانطلاق من الصفر في كون هذه السلطات الثلاث كانت، بحسب رأيه، تمثل مجموع مصادر السلطة العلمية المتاحة في عصره. فقد كان غرضه الرئيس طرح منهج جديد للبحث العلمي، ووضع نظام للتحقق من صحة المعرفة. (66)
أسهم كتاب بيكون «الأورجانون الجديد» في تهيئة الطريق أمام المنهج العلمي الحديث. غير أن بين دفتيه فكرة أشد إثارة؛ فقد طرح نظرية أولية حول الانحيازات المعرفية أثبتت الأيام أنها كانت متقدمة على عصرها بصورة لافتة. فقبل دانيال كانيمان، وآموس تفرسكي، بل وحتى ديفيد هيوم، صنّف بيكون أشكال الخطأ البشري بطريقة تبدو اليوم كأنها تصور مبكر لكثير من مفاهيم علم الإدراك المعاصر. وقد سمّى هذه الأخطاء «أوهام العقل»، وهي تحريفات منتظمة تحول دون رؤيتنا للعالم على حقيقته. وقسّمها إلى أربعة أنواع:
1- أوهام القبيلة (Idols of the Tribe)
وهي الأخطاء الكامنة في الطبيعة الإنسانية ذاتها. فقد رأى بيكون أن العقل البشري يميل إلى الإفراط في التعميم، وإلى اكتشاف قدر من النظام والترتيب أكبر مما هو قائم فعليًا. ويتفق ذلك مع ما نسمّيه اليوم انحياز اكتشاف الأنماط، أي نزوع الإنسان إلى ملاحظة أنماط داخل بيانات عشوائية، أو استنتاج روابط سببية في مواضع لا توجد فيها مثل هذه الروابط حقيقة.
2- أوهام الكهف Idols of the Cave) )
وهي الانحيازات الشخصية التي تتشكل بفعل التجارب الفردية أو التعليم أو الحالة المزاجية. ويمكن مقارنتها اليوم بما يُعرف بانحياز التأكيد، أو الاستدلال بالتوافر، أو حتى الاستدلال المدفوع بالرغبة. فقد فهم بيكون أن كل شخص يعيش في «كهفه» الخاص، وينظر إلى العالم من خلال عدسة تحرّف إدراكه. ومن ثمّ، تنشأ هذه الأوهام من التربية، والاستعدادات الفطرية، والعلاقات الاجتماعية.
3- أوهام السوق Idols of the Marketplace) )
في هذا الجانب يتقدم بيكون على عصره بإدراكه أن اللغة ليست أداة محايدة للتواصل. فالألفاظ قد تكرّس سوء الفهم، أو تستدعي روابط مضللة، أو تُبقي الأفكار الخاطئة حية عبر الزمن. ووفق مصطلحات علم النفس المعرفي الحديث، يمهّد ذلك لمفاهيم مثل تأثير التأطير والتهيئة الدلالية، أي الطريقة التي تؤثر بها الإشارات اللغوية في عمليات التفكير والإدراك. وترتبط هذه الأوهام بقدرة الكلمات على توجيه تصوراتنا للأشياء، وهي تنشأ من التجارة واختلاط الناس بعضهم ببعض، الأمر الذي يؤدي إلى هيمنة لغة أهل السوق والعامة.
4- أوهام المسرح Idols of the Theatre) )
والمقصود بها الافتراضات الفلسفية والنظم الفكرية الموروثة. فقد أدرك بيكون أن المذاهب الفكرية السائدة قد تتحول إلى عقائد جامدة تقيّد حرية البحث والتقصي. ويقابل ذلك اليوم مفاهيم مثل الانحباس داخل النموذج الفكري السائد أو التفكير الجمعي، إذ تقاوم المؤسسات والأيديولوجيات كل دليل يتعارض مع مسلّماتها الأساسية. وهذه الأوهام تنشأ مما تكتسبه النظريات الموروثة من مكانة ونفوذ. وفي هذا السياق، ينتقد بيكون أرسطو وأفلاطون وغيرهما ممن يفسرون الأشياء بألفاظ مجردة، على حد قوله. وهذه الأوهام ليست مغروسة في عقولنا بالفطرة، وإنما تطرأ عليها نتيجة الخضوع للآراء الخاطئة. (67)
تلك هي العوائق التي ينبغي التخلص منها لبلوغ الحقيقة. غير أن هذا الجانب السلبي لا يكفي وحده، بل لا بد من اعتماد أسلوب جديد في البحث. لذلك انتقل بيكون، عقب نقده للعقل، إلى تحديد مراحل هذا الأسلوب الجديد الذي اصطلح على تسميته بالمنهج الاستقرائي.
يتألف منهج بيكون من ثلاث مراحل أساسية:
أولًا: تقديم وصف دقيق للوقائع.
ثانيًا: ترتيب هذه الوقائع أو تصنيفها ضمن ثلاثة جداول:
- "جدول الحضور" ويتضمن الحالات التي تظهر فيها الصفة أو الخاصية موضوع الدراسة.
- "جدول الغياب" ويتضمن الحالات التي لا تظهر فيها تلك الخاصية.
- "جدول المقارنة" ويضم الحالات التي تتجلى فيها الخاصية بمستويات متفاوتة.
ثالثًا: استبعاد كل ما تكشف هذه الجداول عن عدم صلته بالظاهرة موضع البحث، ثم تعيين العوامل أو الخصائص المرتبطة بها فعليًا. (68)
ومن ثم يتضح منهج بيكون باعتباره بناءً تصوريًا شاملًا، «يمتد تطبيقه إلى جميع مراحل المعرفة، إذ ينبغي أن تبقى العملية كلها حاضرة في الذهن خلال كل مرحلة. فالاستقراء لا يقتصر على الارتقاء إلى المبادئ أو البديهيات العامة، بل يشمل كذلك الانتقال إلى التطبيقات العملية؛ حيث تُستنبط من المبادئ العامة حالات جزئية جديدة، كما تُستخلص من هذه الحالات الجزئية مبادئ أخرى جديدة. وينطلق المنهج الاستقرائي من التجربة الحسية، ثم يعبر، بواسطة التاريخ الطبيعي (الذي يعرض المعطيات الحسية بوصفها أسسًا ضامنة للمعرفة)، إلى المبادئ أو القضايا الأولية، المستنبطة من جداول العرض أو الناتجة عن تجريد المفاهيم. ولا يضع بيكون الخبرة في مرتبة الخبرة اليومية المألوفة، بل يرى أن المنهج يتولى تقويم المعطيات الحسية وتوسيع نطاقها وتحويلها إلى وقائع، وهو ما يتصل بإعداده للجداول: جداول الحضور، وجداول الغياب، وجداول المقارنة أو الدرجات، أي تفاوت درجات الحضور أو الغياب. ويمكن دعم الجدول الأخير بجداول الحالات المضادة، التي قد تفضي إلى القيام بالتجارب. (69)
يختتم الكتاب الأول من «الأورجانون الجديد» تناوله لمرحلة الهدم النقدي لمصادر الأخطاء ومظاهرها في العلوم، عبر تحديد ثلاثة أشكال من النقد تُعد شرطًا أساسيًا لإرساء المنهج الاستقرائي، وهي:
1- نقد «العقل الإنساني الطبيعي»، وذلك بكشف أوهام العقل أو الأصنام (Idola).
2- نقد «البراهين»، أي نقد القياسات المنطقية باعتبارها غير قادرة على إنتاج معرفة جديدة.
3- نقد «النظريات»، أي نقد النظم الفلسفية التقليدية التي تأسست على مبادئ لم تخضع للتمحيص. (70)
2- رينيه ديكارت
ديكارت من رواد الفكر الناقد الحديث فقد اهتم بالشك، والفحص، واستخدام العقل للوصول إلى اليقين، و صمم على إيجاد أساس لا يمكن الشك فيه تُبنى عليه المعرفة. ولم يستطع الاعتماد على التجربة باعتبارها هذا الأساس، لأن كثيرًا من الأشياء التي تعلّمها واعتبرها صحيحة تبيّن لاحقًا أنها خاطئة، وكان مصدرها التجربة. وبعد أن شعر بعدم الرضا عن الإجابات التي قدمها له العالم الخارجي أثناء بحثه عن هذا الأساس، قام بتحول جذري، فقرر أن يبحث داخل ذاته، وأن يختار لنفسه الطريق الذي سيتبعه. وقد قاده ذلك إلى إخضاع كل شيء، بما في ذلك ذاته، لفحص نقدي صارم بواسطة الشك، حتى يصل إلى ما لا يمكن أن يكون خاطئًا تحت أي ظرف. ومن هنا يمكن تأسيس معرفة موثوقة. (71)
بعد دراساته، وجّه رينيه ديكارت نقدًا إلى معظم ما درسه تقريبًا. فقد أخضع التعليم التقليدي لنقد قوي شمل العلوم الإنسانية، والأخلاق، والمنطق، وغيرها، باستثناء الرياضيات التي رأى فيها قدرًا من اليقين في بديهياتها. حتى النظام التعليمى عند اليسوعيين رغم اعجابه به. لكنه رأى في الوقت نفسه أن هذا التعليم لم يكن قائمًا على أساس متين، ولذلك شرع في البحث عن منهجية جديدة. وكان هدفه الكشف عن الحقائق التي لا يمكن الشك فيها. وقد أوضح ذلك عندما قال، كما نقل نورمان: "إن هدفي الحالي ليس تعليم المنهج الذي ينبغي لكل شخص أن يتبعه من أجل الاستخدام الصحيح لعقله، بل فقط وصف الطريق الذي حاولت أن أُدير به عقلي الخاص" . وقد اختار ثلاثة مبادئ مهمة يمكن أن توجهه في مسعاه:
1- الاعتماد على العقل وحده، وليس على السلطة أو التقليد.
2- تجنب الخلط بين الواضح واليقيني وبين ما هو افتراضي أو محتمل فقط.
3- الوصول إلى الأفكار الواضحة والمتميزة والعمل بها، وعدم استخدام مصطلحات تفتقر إلى معنى واضح أو قد تكون بلا معنى أصلًا. (72)
ومن خلال ذلك، خاض ديكارت معركته ضد الغموض والخطأ؛ فقد كانت مغامرته مغامرة العقل، وكانت انتصاراته انتصارات للحقيقة. لقد أراد اكتشاف وتطبيق المنهج الصحيح في البحث عن الحقيقة، وهو منهج يسمح له بإثبات الحقائق بطريقة عقلية ومنظمة، سواء كانت هذه الحقائق معترفًا بها سابقًا أم لا . يقول " أفهم بالمنهج مجموعةً من القواعد اليقينية والسهلة، بحيث إن كل من يلتزم بها بدقة لن يأخذ شيئًا خاطئًا على أنه صحيح، وبدون أي إهدار للجهد العقلي، بل من خلال زيادة معرفته خطوةً بعد خطوة، سيصل إلى فهم حقيقي لكل تلك الأشياء التي لا تتجاوز قدرته العقلية. "(73)
رأى ديكارت قدرًا من اليقين في إجراءات المنهج الرياضي، وأراد تطبيقها في الفلسفة من أجل إعادة بنائها، أو على الأقل نقلها من أساس بلا دعائم إلى أساس ثابت. ومن أجل تحقيق ذلك، رفض منطق أرسطو والتجربة الحسية , و بنى منطقه الخاص على الحدس والاستنباط. فالحدس عنده هو نشاط عقلي يتمثل في إدراك بعض الحقائق البسيطة بوضوح تام، بحيث لا يترك مجالًا للشك، أما الاستنباط فهو استنتاج ضروري ينطلق من حقائق معروفة بيقين. ويرى ديكارت أن هذين المنهجين، أي الحدس والاستنباط، هما أكثر الطرق يقينًا للوصول إلى المعرفة، وأن العقل لا ينبغي أن يقبل أي طريق آخر، بل يجب رفض جميع الطرق الأخرى باعتبارها موضع شك واحتمال للخطأ والخطر. وبناءً على ذلك، فإن أي معرفة تقوم على الحدس والاستنباط بوصفهما منهجًا لها لا يمكن إلا أن تكون معرفة يقينية، وهذا يصبح أساس المعرفة. (74)
وهكذا استخدم ديكارت منهج الشك من أجل العثور على نقطة بداية يقينية بشكل مطلق، يمكن من خلالها بناء أساس معرفتنا. بدأ ديكارت إعادة البناء أولًا بالتخلص من الأفكار والآراء التي كان يحملها في الماضي. لكنه قبل ذلك كان يحتاج إلى مبدأ موجّه يكون بمثابة نور يهديه في طريقه. وقد حدد أربعة مبادئ أساسية:
1- ألا أقبل أي شيء على أنه صحيح ما لم أعرف بوضوح أنه كذلك.
2- تقسيم الصعوبات إلى أكبر عدد ممكن من الأجزاء.
3- الانتقال من أبسط المعارف وأكثرها يقينًا إلى المعارف الأكثر تعقيدًا.
4- إقامة روابط كاملة ومراجعات شاملة بحيث لا يتم إغفال أي شيء. (75)
كانت هذه القواعد هي المبادئ التي استخدمها ديكارت في بحثه عن الحقيقة التي كانت تحيّره، ومنها انطلق إلى الشك المنهجي ، وهو ليس رفضًا شاملًا لكل شيء يعتقد الإنسان أنه يعرفه باعتباره خاطئًا، بل هو وسيلة لتجنب الاعتقاد بأشياء ليست مؤكدة تمامًا ولا تقبل الشك. وقد قال، كما أشار سكيري Skirry)): "لن يُدخل في أحكامه شيئًا إلا ما يظهر لعقله بوضوح وتميّز تامين، بحيث لا يكون لديه سبب للشك فيه. "وفي هذا المسعى، تبنّى ديكارت موقفًا شبيهًا بالشكّية، لكنه لم يكن يهدف إلى رفض معتقداته، بل إلى اختبارها بالشك. وكانت استراتيجيته العامة تتمثل في استبعاد كل اعتقاد يحتوي على أدنى درجة من الشك، من أجل الوصول في النهاية إلى حقائق يستحيل الشك فيها. (76)
لقد استخدم الشك المنهجي بهدف اكتشاف ما إذا كانت هناك حقيقة لا يمكن الشك فيها. وخلال هذه العملية حدث تحول فكري مشهور، وهذا التحول هو أن الشك يمثل شكلًا من أشكال التفكير. رأى أن هناك شيئًا واحدًا يمكنه أن يكون متأكدًا منه تمامًا، وهو حقيقة أنه يفكر، وأنه إذا كان يفكر فإنه موجود. فلا يمكنه أن يشك في أنه يفكر، لأن الشك نفسه نوع من التفكير. وحتى لو حاول الشيطان المخادع أن يجعله يشك في أنه يفكر، فإن ذلك لن يؤدي إلا إلى إثبات وجوده. وبالمثل، لا يمكنه أن يشك في وجوده؛ لأنه لو شك في أنه موجود، فإن هذا الشك ذاته سيكون دليلًا على وجوده . وبالنسبة إليه، لا يستطيع الإنسان أن يشك في ذاته، وبالتالي لا يستطيع أن يشك في تفكيره، حتى لو كان في حالة حلم؛ إذ إنه متأكد على الأقل من أنه يحلم. فكل شيء يقوم على معرفة الذات، أي الوعي بالذات. ويرى ديكارت أننا قد نخطئ في أحكامنا، لكن فوق جميع الأحكام يوجد مبدأ لا يمكن أن يخذلنا أبدًا، وهو حاضر دائمًا أمامنا، سواء كنا واعين به بصورة نشطة أم لا. فقد كان متأكدًا من أنه لا يستطيع الشك في حقيقة أنه يشك، لأن فعل الشك نفسه يؤكد وجود الشخص الذي يقوم بالشك، وبذلك أوصله إلى نتيجة حاسمة. ومن هنا توصل إلى أن التفكير هو الوجود، وهو ما أدى إلى عبارته الشهيرة: "أنا أفكر إذن أنا موجود". (77)
ويرى ديكارت أن: "المعرفة فطرية، وأننا نولد ولدينا ميل طبيعي إلى تكوين أفكار وأحكام معينة". وتُعد الأفكار من أهم العناصر في نظرية المعرفة عند ديكارت، وقد صنّفها إلى ثلاثة أنواع: "لكن من بين هذه الأفكار، يبدو لي أن بعضها فطري، وبعضها مكتسب من الخارج، وبعضها الآخر مُشكّل أو مخترع بواسطتي؛ لأنه بما أن لدي القدرة على فهم ما يسمى شيئًا أو حقيقة أو فكرة، يبدو لي أنني أمتلك هذه القدرة من مصدر لا يعود إلا إلى طبيعتي الخاصة. ولكن إذا سمعت الآن صوتًا ما، أو رأيت الشمس، أو شعرت بالحرارة، فقد حكمت حتى الآن بأن هذه الأحاسيس تأتي من أشياء معينة موجودة خارج ذاتي؛ وأخيرًا يبدو لي أن صفارات الإنذار (الحوريات) والكائنات الخيالية وما شابهها قد تشكلت من ذهني. ومع ذلك قد أقنع نفسي بأن كل هذه الأفكار تنتمي إلى طبيعة الأفكار التي أسميها مكتسبة من الخارج، أو أنها كلها فطرية، أو أنها كلها مجرد خيالات، لأنني لم أكتشف بعد أصلها الحقيقي بوضوح. "(78)
هنا يميز ديكارت بين ثلاثة أنواع من الأفكار:
1- الأفكار الفطرية
لا تثير صعوبات كبيرة؛ إذ يرى ديكارت أنه يستطيع تفسير مصدر هذه الأفكار، مثل فكرة الشيء أو فكرة الفكر، بالرجوع إلى طبيعته الخاصة. فهو كائن موجود يفكر، ولذلك يمكن رد أصل محتوى هذه الأفكار، أي الأشياء التي تمثلها، إلى حقيقة طبيعته.
2- الأفكار المكتسبة أو الوافدة من الخارج
تشكل هذه الافكار مشكلة مباشرة بالنسبة لديـكارت، لأن الطبيعة - كما يقول - جعلته يعتقد أنها تأتي من أشياء موجودة خارج ذاته. ولذلك فإن مصدرها يعود إلى أشياء خارجية عن العقل، مثل رؤية الشمس أو الشعور بحرارة النار.
3- الأفكار الخيالية أو المصطنعة .
هى أيضًا لا تمثل مشكلة؛ لأنه يستطيع تفسيرها بالرجوع إلى نفسه، فهو يقوم بتركيبها من أفكار أخرى يمتلكها مسبقًا. (79)
وهكذا تُظهر فلسفة ديكارت حضورًا قويًا للتفكير الناقد، إذ قام مشروعه الفلسفي على رفض التسليم بالمعارف السائدة وإخضاعها للفحص العقلي الصارم من خلال الشك المنهجي. فالشك عنده لم يكن غاية في ذاته، بل كان وسيلة للكشف عن الحقيقة وتمييز المعرفة اليقينية من الآراء القابلة للخطأ. ويتجلى تفكيره النقدي في نقده للحواس، وللمعارف الموروثة، وللأسس التي قامت عليها علوم عصره، ثم بحثه عن أساس ثابت للمعرفة تمثل في الكوجيتو "أنا أفكر إذن أنا موجود". كما يعكس اعتماده على الوضوح والتميّز، والتحليل، والتنظيم المنهجي انتقال العقل من مجرد قبول الأفكار إلى اختبارها وتقييمها. ومع ذلك، فإن موقفه يظل قابلًا للنقد من منظور التفكير الناقد المعاصر، بسبب اعتماده الكبير على العقل وإهماله النسبي لدور التجربة في بناء المعرفة. لذلك يمكن اعتبار ديكارت أحد رواد التفكير الناقد، لأنه أسس لنمط من التفكير يقوم على التساؤل، والتحليل، والتحقق، وعدم قبول أي فكرة قبل فحص أسسها ومبرراتها.
ث- الفلسفة النقدية الحديثة والمعاصرة
1- كانط
تدور الفكرة المحورية في فلسفة كانط النقدية – ولا سيما في مؤلفاته الثلاثة: "نقد العقل الخالص"، و"نقد العقل العملي"، و"نقد ملكة الحكم" – حول مبدأ الاستقلالية الإنسانية. ويعتقد كانط أن الفهم الإنساني يمثل المنطلق الذي تقوم عليه القوانين العامة للطبيعة، والتي تضبط تجربتنا بصورة شاملة، كما أن العقل البشري يشرّع لنفسه القانون الأخلاقي الذي تقوم عليه عقيدتنا بالله والحرية والخلود. ومن ثم، تتكامل المعرفة العلمية والأخلاق والمعتقدات الدينية وتتساند، لأنها تنبني جميعًا على الأساس ذاته، أي الاستقلالية الإنسانية، التي تُعد كذلك غاية الطبيعة ضمن التصور الغائي للعالم الذي يقدمه كانط، ساعيًا من خلاله إلى الجمع بين الأبعاد النظرية. (80)
وبهذا، أحدث كانط تحولًا فلسفيًا ما تزال آثاره حاضرة إلى يومنا هذا. فقد أسهمت مؤلفاته في إعادة صياغة نظرية المعرفة، والفلسفة الأخلاقية، وعلم الجمال، وفلسفة القانون والسياسة، الأمر الذي جعله أحد الأعمدة الكبرى للفكر الحديث (81)
اتخذ كانط من النقد أداة لفحص الأفكار وتمحيصها، عبر النظر المتكامل في مختلف جوانبها، من أجل استجلاء ما غمض منها وإظهار التناقضات الكامنة فيها. كما تناول بالتحليل مسائل المعرفة المرتبطة بالأفكار والنظريات التي بحثها، بهدف بيان ما تنطوي عليه من صواب أو خطأ. ويبدو أن كانط كان متأثرًا بنقد الأوضاع التاريخية التي شهدتها أوروبا في مجالات متعددة، من بينها المجالان السياسي والاجتماعي. وقد ظهر هذا التوجه النقدي في مؤلفاته الأساسية: "نقد العقل الخالص"، و"نقد العقل العملي"، و"نقد ملكة الحكم". فلم يكن كانط يقبل بصورة مسلّمة ما طرحه الفلاسفة السابقون أو المعاصرون له، بل كان يفحص آراءهم ويناقشها، مما مكّنه من الوقوف على مواطن الضعف والتناقض فيها. يطلق كانط على عصره اسم "عصر النقد". وإذا كان كانط قد تأمل عصره، فإن المجتمعات الغربية تبدو، حتى اليوم، مستمرة في العيش ضمن مرحلة يهيمن عليها النقد. فمنذ عصر التنوير، غدا النقد مكوّنًا جوهريًا من مكونات الهوية الثقافية والوعي الذاتي لدى هذه المجتمعات. كما اضطلع بدور حاسم في بناء هوية الحداثة وتصورها لذاتها. (82)
أما النقد لدى كانط، فليس مجرد مسعى سلبي يرمي إلى رصد الأخطاء والحدود، وإنما هو في حقيقته سعي إلى إصلاح تلك الأخطاء... ويرى كانط أن النقد يجب أن يقوم على أحكام عقلية عامة تتصل بالموضوع، مؤكدًا أهمية الحكم النقدي للعقل، أو ملكة النقد التي يتمتع بها العقل نفسه. ولذلك، لا ينحصر النقد في كونه قدرة فاصلة تمكّن الإنسان من التمييز بين المعرفة اليقينية وما يبدو معرفة صحيحة، بل يستلزم أيضًا طابعًا عقلانيًا، الأمر الذي يجعله نوعًا من "المراجعة الذاتية". (83)
في مستهل كتابه "نقد العقل الخالص"، يبيّن كانط أن العقل البشري، القادر على إصدار الأحكام بشأن العالم المحيط به، "مثقل بمسائل لا يستطيع التنصل منها، لأنها تُفرض عليه بصورة طبيعية". وهذه المسائل تتجاوز إمكاناته الخاصة، فيعجز عن تقديم أجوبة كاملة عنها، لكنه لا يستطيع في الوقت نفسه إهمالها. أما فيما يتعلق بالعقل العملي، وبخاصة بعد تأليفه كتابي "نقد العقل العملي" و"أساس ميتافيزيقا الأخلاق"، فقد غدا النقد عند كانط بمثابة "محكمة" يتولى العقل البشري إدارتها. (84))
يعرّف كانط مفهوم النقد، بوجه عام، باعتباره بحثًا في حدود المعرفة: ماذا يمكننا أن نعرف؟ وبأي كيفية نعرفه؟. إلى جانب ذلك، يبيّن كانط شروط إمكان المعرفة؛ أي أنه يقترح، في إطار نسقه الفلسفي، بنية تتيح قيام المعرفة الإنسانية. وتتمثل الفكرة الأساسية الأولى التي نرغب في عرضها في أن الموضوعات هي وحدها ما يستطيع الإنسان معرفته بالفعل، إلا أن هذه المعرفة تكون محددة سلفًا بواسطة الذات العارفة ذاتها؛ فالعقل هو الذي يضفي على «موضوع» المعرفة صورته الواقعية الفعلية. ولفهم هذه العملية، يفرّق كانط بين شكلين من أشكال استخدام العقل:
أولًا: الاستخدام النظري للعقل:
ويشمل المعرفة القبلية الخالصة، وهي معرفة لا تستند إلى الواقع الخارجي، سواء إلى الأشياء في ذاتها أو إلى المعطيات الحسية، بل تكون قائمة قبل أي تحديد صادر عن الخارج. ولذلك فهي تحدد ما ينسجم مع موضوع محدد ومفهومه، وما لا ينسجم معه.
ثانيًا: الاستخدام العملي للعقل:
وهو الاستخدام الذي يمنح الموضوع وجوده الواقعي، بوصفه الفعل الأولي الذي يشكل شرطًا ضروريًا لإمكان الموضوع. وينشأ تحديد ما يمكن أن يكون عليه الموضوع أو ما يستحيل أن يكون عليه من امتلاك الإنسان لبنى عقلية باطنية تتيح له استيعاب تنوع المعطيات الحسية وتركيبها ضمن مفهوم متماسك وموحد. (85)
و يقدّم كانط تحليلًا دقيقًا ومفصلًا للاستخدام النظري للعقل وقدرته على استيعاب المعرفة، أو، بالمعنى ذاته، على فهم عملية التفكير. كما يبحث كذلك في مسألة الإرادة أو القدرة على الفعل. وهكذا، يعمل كانط في مؤلفاته النقدية الأولى على بناء صورة الذات العارفة، ويفسّر أيضًا الشروط القبلية للمعرفة الكامنة في الذات نفسها، بمعزل عن الموضوعات الخارجية. ومن جهة أخرى، يدرس كانط الجانب العملي للفكر، أي الطريقة التي تدفع بها بعض الأفكار والأحكام الإنسان إلى التصرف على نحو معين، وتجعله يتردد بين ما ينبغي أن يفعله وما يفعله في الواقع. (86)
وبناءً على ذلك، يمكن اعتبار كانط الفيلسوف الذي جعل النقد مركزًا للفلسفة. فلم تكن الفلسفة لديه مجرد طلب للمعرفة، وإنما كانت فحصًا نقديًا لإمكانات العقل نفسه. فقد حاول كانط تعيين حدود العقل، وقدراته، ومجالات استخدامه المشروعة. ولا ينحصر النقد عنده في رفض الأفكار أو تحليلها تحليلًا سلبيًا، بل هو إجراء منظم لدراسة العقل غايته: تحديد ما يستطيع العقل معرفته على نحو يقيني وما يتجاوز طاقته، وإرساء الأسس السليمة للمعرفة بعيدًا عن الشك الشامل أو الدوغمائية العمياء، والتمييز بين وظائف العقل المتنوعة: كيف يعمل في ميادين المعرفة والأخلاق والجماليات؟.
حاول كانط تخطي الصراع القائم بين العقليين (كديكارت وليبنتز) والتجريبيين (كهيوم ولوك) عبر طرح تصوره الخاص للمعرفة. فقد رأى أن العقل لا يتمتع بحرية مطلقة في إنتاج المعرفة، كما يقول العقلانيون، لكنه في الوقت نفسه لا يخضع للتجربة خضوعًا كاملًا، كما يذهب التجريبيون. ويتمثل الحل الكانطي في أن المعرفة تتكون من تفاعل العقل مع التجربة، إذ يتولى العقل تنظيم المعطيات الحسية وتصنيفها وفق مفاهيم فطرية، كالزمان والمكان والسببية. ويتمحور نقد كانط حول تحليل شروط إمكان المعرفة، أي حول السؤال عن كيفية إمكان الإدراك وحدوده. كما اهتم بكيفية تصرف الإنسان تصرفًا أخلاقيًا، رافضًا الأخلاق القائمة على النتائج أو المنفعة، مثل النفعية. وقد أقام الأخلاق على العقل والواجب من خلال الأمر الأخلاقي المطلق الذي ينص على: "تصرف فقط وفقًا للمبدأ الذي يمكنك أن تجعله قاعدة عامة للجميع. " وينصب النقد هنا على فحص مبادئ العقل الأخلاقي، وبيان ما إذا كانت الأخلاق تقوم على العقل الخالص أم على عوامل خارجية. ويرى كانط أن الحكم الجمالي ليس موضوعيًا بصورة خالصة، كما في الرياضيات، وليس ذاتيًا بالكامل أيضًا، بل ينشأ من تفاعل حر بين العقل والخيال. ويتمثل النقد هنا في تحليل طبيعة الأحكام الجمالية والطريقة التي تتكون بها.
كما حوّل كانط، في فلسفته، النقد إلى "محكمة يديرها العقل ذاته"، فأصبح العقل هو القاضي الذي يتولى تحديد حدود معرفته واستعمالاته الصحيحة. وينبغي للعقل أن يرسم حدوده بنفسه، لأن تخطيها يفضي إلى الوقوع في الأوهام الميتافيزيقية، كالسعي إلى البرهنة على وجود الله أو الروح بوسائل عقلية محضة، وهو ما عدّه كانط خارج حدود المعرفة الممكنة. وقد أسهم هذا النقد في إعادة صياغة الفلسفة بوصفها بحثًا عقليًا شاملًا، لا مجرد تقصٍّ عن حقائق ميتافيزيقية.
و تتمثل تطبيقات فلسفة كانط النقدية في المحاور الآتية:
أولاً: نقد نظرية المعرفة.
ثانياً: نقد ميتافيزيقا الأخلاق.
ثالثاً: نقد الحكم الجمالي.
2- هيجل
ارتبط مفهوم النقد بعناصر فلسفة هيجل؛ إذ تناول في نسقه عددًا من الموضوعات المتنوعة، كـالمنطق، والطبيعة، واللغة، والدولة، والتاريخ، والفن، والدين، وتاريخ الفلسفة، حيث يكشف كل موضوع منها - بصورة أو بأخرى- عن مظاهر جلية للحرية والعقل. (87)
وفي سنة 1802، أصدر هيجل وشيلنج العدد الأول من مجلتهما "النقد الفلسفي". وقد كتب هيجل مقالته الافتتاحية تحت عنوان "في جوهر النقد الفلسفي عمومًا وعلاقته بالوضع الراهن للفلسفة خصوصًا". ويُعد هذا النص العمل الوحيد الذي خصصه هيجل لمفهوم النقد، إذ فرّق فيه بوضوح بين النقد المتداول الذي يقوم على مقاييس خارجية اعتباطية، والنقد الفلسفي الحقيقي. ويرى أن النقد الأصيل يستلزم وجود معيار مستقل عن الناقد وعن الشخص أو الموقف موضع النقد. كما يوافق هيجل كانط في اعتقاده بأن تعدد النظم الفلسفية لا يعدو أن يكون صورًا خاصة لفلسفة واحدة، وأنها في نهاية المطاف تجسد العقل في جوهره. (88)
يؤيد هيجل تصور كانط القائل إن العقل يستطيع، بل ينبغي له، أن يقيم محكمة للعدل تقوم على معيار أصيل للعقل، كما ظهر ذلك في مسار تاريخ الفلسفة. ومن الواضح أن هيجل يقصد بهذا المعيار جوهر فكرة الفلسفة ذاتها. وتتمثل وظيفة النقد في بيان الكيفية التي تتجلى بها [فكرة الفلسفة] ودرجة ظهورها بحرية ووضوح، بوصفها الإطار الذي جرى من خلاله تحويل [هذه الفكرة] إلى نسق علمي للفلسفة. (89)
ومن ثم، يلتقي هيجل مع كانط في القول بقدرة العقل على إقامة "محكمة عقلية"، غير أنه يتجاوز هذا التصور، إذ يرى أن هذه المحكمة ليست تحليلًا نقديًا جامدًا فحسب، وإنما هي مسار تاريخي يتجسد في تطور الفكر الفلسفي. فالمعيار الذي يستند إليه النقد ليس قاعدة خارجية، بل هو "فكرة الفلسفة نفسها"، وهي فكرة تتطور عبر الحقب التاريخية. ولا تتمثل مهمة النقد الفلسفي في إصدار الأحكام على الفلسفات السابقة فقط، بل في إظهار الطريقة التي نمت بها فكرة الفلسفة تاريخيًا باتجاه وعي أكثر اكتمالًا بذاتها.
الخلاصة: النقد عند هيجل هو مسار تاريخي تتطور من خلاله فكرة الفلسفة ذاتها، إذ يبين كيفية تحقق الفلسفة تدريجيًا بوصفها نسقًا علميًا شاملًا للعقل. فليس هناك نقد خارجي اعتباطي، وإنما معيار جوهري يتجسد في الفلسفة نفسها عبر التاريخ.
3- مدرسة فرانكفورت
يشير مصطلح "النظرية النقدية" Critical theory إلى مجموعة من التصورات التي تسعى إلى نقد المجتمع وإحداث تغييره، من خلال الجمع بين الرؤى المعيارية والتحليل التجريبي المستنير بصراعات المجتمع وتناقضاته ومساراته. وبمعناها المحدد، تحيل "النظرية النقدية" إلى أعمال أجيال متعددة من الفلاسفة والمنظرين الاجتماعيين ضمن التيار الماركسي الأوروبي الغربي المعروف باسم مدرسة فرانكفورت. وقد ظهرت هذه المدرسة خلال ثلاثينيات القرن العشرين في معهد البحوث الاجتماعية بفرانكفورت، واشتهرت بدراساتها البينية التي وحّدت بين الفلسفة والعلوم الاجتماعية بهدف دعم التحرر. وتوجد دراسات مستقلة تتناول عددًا من أبرز مفكري الجيل الأول في مدرسة فرانكفورت، ومنهم ماكس هوركهايمر Max Horkheimer (1895- 1973)، وتيودور دبليو أدورنو Theodor W. Adorno (1903- 1969)، وهربرت ماركيوز Herbert Marcuse (1898- 1979)، ووالتر بنيامين Walter Benjamin (1892- 1940)، إلى جانب المفكر البارز من الجيل الثاني، يورجن هابرماس Jürgen Habermas (مواليد 1929). (90)
في إطار محاولتهم التوفيق بين الفلسفة والعلوم الاجتماعية داخل نظرية نقدية، اتسم المشروع الكلي للجيل الأول من مدرسة فرانكفورت بتجديد منهجي لافت. فقد أعادوا النظر في الماركسية وطوّروها عبر مزجها بأفكار سيجموند فرويد وماكس فيبر وفريدريك نيتشه، وهو ما أفضى إلى صياغة نموذج نقدي جذري يستند بصورة أساسية إلى الواقع الاجتماعي. واستُخدم هذا النموذج في دراسة ظواهر متعددة، تبدأ من الاستبداد باعتباره ظاهرة سياسية، وتمتد إلى حضوره في الأسرة والأنماط النفسية العميقة، وصولًا إلى آثار الرأسمالية في البنى النفسية والاجتماعية والثقافية والسياسية، فضلًا عن تأثيرها في إنتاج المعرفة ذاتها. (91)
ولإدراك تصور مدرسة فرانكفورت للنقد الداخلي، ينبغي وضعه ضمن إطار رؤيتها الشاملة للمجتمع. إذ ينتقد هوركهايمر وأدورنو وماركيوز أربعة مكونات أساسية في المنهج الوضعي لدراسة المجتمع الإنساني:
1- الرؤية "الذرية" التي تنظر إلى المجتمعات الإنسانية بوصفها مجرد مجموعات من الوقائع والأحداث والمؤسسات المنفصلة؛
2- الرؤية "الموضوعية" التي تفترض أن الوقائع والمؤسسات الاجتماعية قائمة على صورتها ذاتها، بصرف النظر عن تصورات الأفراد ومواقفهم منها؛
3- الرؤية "الاسمية" التي تعتبر المفاهيم المستخدمة في وصف المجتمع مجرد أدوات يمكن تحديدها وفقًا لما نراه ملائمًا؛
4- الرؤية "القائمة على الفصل بين الحقيقة والقيمة" التي تطالب بأن تكون المفاهيم التي نصوغها وصفية خالصة، بحيث تُحدَّد فقط استنادًا إلى خصائص قابلة للملاحظة، بعيدًا عن أي أحكام قيمية. (92)
الخلاصة: يُفهم التفكير الناقد في فلسفة مدرسة فرانكفورت باعتباره نشاطًا عقليًا يتجاوز الإدراك السطحي للواقع، ويكشف البنى الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي تُنتج الهيمنة وتعيد ترسيخها. فالتفكير الناقد لا ينحصر في فحص الحجج أو الحكم عليها منطقيًا، بل يتعدى ذلك إلى نقد المسلَّمات والأيديولوجيات والمؤسسات التي تسهم في تشكيل وعي الأفراد وتوجيه سلوكهم. وبهذا المعنى، يغدو النقد وسيلة للتحرر الإنساني، لأنه يعمل على بناء وعي نقدي يساعد الأفراد على فهم آليات السيطرة والاستلاب، ثم السعي إلى تحويل الواقع باتجاه مجتمع أكثر عقلانية وعدلًا وحرية. ومن هنا، أقام مفكرو مدرسة فرانكفورت صلة بين التفكير الناقد والممارسة الاجتماعية، مؤكدين أن المعرفة الحقيقية لا تكتفي بتفسير العالم، بل تشارك كذلك في نقده وتغييره.
وقد تبلور هذا التصور بصورة أوضح لدى يورجن هابرماس، الذي وصل التفكير الناقد بالعقلانية التواصلية، ورأى أن الحوار الحر المستند إلى الحجج العقلانية والنقد المتبادل يشكل قاعدة إنتاج معرفة موضوعية واتخاذ قرارات جماعية بعيدة عن الإكراه والهيمنة. وهكذا غدا التفكير الناقد أداة لترسيخ التواصل العقلاني، وإظهار التشوهات التي تحول دون الفهم المتبادل، وتعزيز المشاركة الديمقراطية داخل المجال العام.
ج- الموجات الثلاث عند ريتشارد بول
يلخص ريتشارد بولRichard Paul تاريخ التفكير الناقد في ثلاث "موجات":
أولا: الموجة الأولى(1970- 1982)
اعتمدت هذه الموجة على المنطق، والجدل، والاستدلال، وكان هدفها الربط بين التفكير النقدي والقدرة الحجاجية الشكلية لدى الطلاب، بوصفه أداةً لتحسين أحكامهم وتبريرها. وقد احتلت الفلسفة الأنجلوساكسونية فيها مكانةً مهمة من خلال وضع معايير معيارية انطلاقًا من منظور المنطق الصوري وغير الصوري . وكان اهتمامها الرئيس يتمثل في تصميم مقررات تهدف إلى تعزيز التفكير النقدي بالاعتماد على المهارات المنطقية والجدلية. غير أن مفهوم التفكير النقدي، وفق هذا المنظور، ظل محدودًا جدًا، لأنه لم يأخذ في الاعتبار لا السياق ولا عناصر المعنى المرتبطة بالتفكير.
ثانيا: الموجة الثانية(1980- 1993)
اتسمت هذه الموجة بجمعها لنتائج أبحاث من تخصصات متعددة، تضمنت عناصر لم تكن قد أُدرجت من قبل ضمن التصورات المنطقية الصارمة للتفكير النقدي. وقد ركز منظرو هذا الاتجاه على الأفكار، والسلوكيات، والمهارات التي تستخدم التأملية لفحص تخصص معين بعمق. وبذلك اتسع نطاق التفكير النقدي ومجاله ومستويات تطبيقه.
ومع ذلك، فقد أسهم هذا الاتجاه أيضًا في حصر التفكير النقدي داخل مجالات معرفية محددة، من دون مراعاة طبيعته العابرة للتخصصات، وبدرجة أقل تطبيقاته العملية في السياقات الواقعية التي تتطلب مهارات حل المشكلات أو في المواقف اليومية. بالإضافة إلى ذلك، وبدلًا من توسيع مفهوم "المنطق" , سعى بعض منظري هذه المرحلة إلى إقصائه، مما أدى إلى تحويل التفكير النقدي إلى مهارة خاصة بمجالات معرفية محددة.
ثالثا: الموجة الثالثة (1994- حتى الآن)
سعت هذه الموجة، في المقام الأول، إلى ترسيخ دور العواطف، والقيم، والذاتية، إلى جانب المعايير العقلانية والمنطقية المستخدمة في عملية التفكير. ويركز المنظور النفسي- المعرفي للتفكير النقدي، الذي كان بالغ الأهمية في هذه المرحلة، على الخصائص القابلة للقياس لفعل التفكير النقدي، مثل المهارات (المعرفية) التي يتضمنها، والاستعدادات (الاتجاهية) الضرورية لممارسة التفكير النقدي .
وفي الوقت نفسه، تُعد ما وراء المعرفة، أي القدرة على التفكير في طريقة تفكير الفرد، جزءًا أساسيًا من هذا النموذج. وفيما يلي عرض عام للهدف الذي تسعى إليه كل "موجة" (93)
الأفكار الرئيسة للموجات الثلاث للتفكير النقدي وفقًا لريتشارد بول (94)
الموجة الأولى (1970- 1982) الموجة الثانية (1980- 1993) الموجة الثالثة (1994- حتى الوقت الحاضر)
طورت نظريات في المنطق غير الصوري، والحجاج، والتبرير، والإقناع، والبلاغة. طورت نماذج لتعليم التفكير النقدي في مستويات دراسية محددة أو ضمن مجالات معرفية معينة طورت نظريات شاملة ودقيقة للتفكير النقدي من خلال التكامل بين المنظور المنطقي للموجة الأولى ومفهوم التفكير عبر التخصصات في الموجة الثانية.
اهتمت بدراسة دور الاستدلال المنطقي في بناء الأحكام وتبريرها. بحثت العلاقة بين التفكير النقدي وحل المشكلات، والتفكير الإبداعي، والإدارة، والأجندات، والأيديولوجيات السياسية. درست المعايير الفكرية التي تميز التفكير النقدي داخل المجال الأكاديمي وخارجه.
طورت نظريات حول المغالطات المنطقية. طورت نظريات للتفكير النقدي مرتبطة بتخصصات معرفية محددة طورت نظريات شاملة وأدوات فعالة لقياس التفكير النقدي.
تناولت موضوعات فلسفية مرتبطة بالمنطق غير الصوري ونظريات الحجاج اهتمت بموضوعات مثل الإبداع، والعواطف، والحدس، وعلاقتها بالتفكير النقدي. حددت القواسم المشتركة بين النظرية والممارسة في مجال التفكير النقدي.
ركزت على إعداد مقررات في المنطق غير الصوري والتفكير النقدي. بحثت العلاقة بين التفكير النقدي وعلم النفس المعرفي. بحثت دور القيم والذاتية والانفعالات في عملية التفكير النقدي.
نظرت إلى التفكير النقدي بوصفه مجموعة من المهارات المنطقية والحجاجية وسعت مفهوم التفكير النقدي ليشمل مهارات وسياقات معرفية متعددة. قدمت تصورًا تكامليًا يجمع بين المهارات المعرفية، والاستعدادات العقلية، والأبعاد الأخلاقية والاجتماعية للتفكير النقدي.
وفى ختام هذا العنصر نشير إلى أن التفكير الناقد يرتبط بأربع شروط تسبق حدوثه وتؤسس له، وهي:
1- السياق التاريخي: كما توضح ذلك النظرية النقدية للمجتمع؛ حيث لا يُمارس التفكير في غياب الظروف الاجتماعية والتاريخية التي ينمو ضمنها.
2- مجتمع الفكر الذي يشمل الآخرين ويشاركهم: كما يتجلى في أفكار كانط وحنة أرندت؛ حيث لا يُعتبر التفكير فعلاً فردياً متقطعاً، بل هو شيء يتطور من خلال التفاعل مع الأفراد الآخرين.
3- الجسد والعواطف: كما تشير الفيلسوفة والباحثة الأمريكية باربرا ثاير- بيكون؛ إذ أن التفكير لا يمكن أن يُفصل عن التجارب الجسدية والعاطفية للشخص.
4- الخيال التأملي المرتبط بفهم وجهات نظر الآخرين: كما يتضح في أعمال كانط؛ حيث يسمح الخيال للإنسان بتجاوز موقعه الخاص واستيعاب وجهات نظر الآخرين. (95)
ثالثا: التفكير الناقد مقابل التفكير التحليلي: فهم الفروق
يعتبر كل من التفكير الناقد والتفكير التحليلي نوعين مختلفين من العمليات المعرفية، يتشاركان في بعض الخصائص، ولكنهما يتفاوتان من حيث الأهداف، والأساليب، والاستخدامات. كلاهما يعد مهمًا في حل المشكلات، واتخاذ القرارات، واستنتاج النتائج. معرفة الاختلافات بينهما تساعد الأفراد في استخدام مهارة التفكير المناسبة بناءً على الظروف والموقف. هنا نستعرض الاختلافات الرئيسية بين التفكير النقدي والتفكير التحليلي، مع تقديم أمثلة واضحة لكل منهما.
1- من حيث التعريف والتركيز
أولًا: التفكير الناقد
ينطوي التفكير الناقد على القدرة على تقييم المعلومات وتحليلها واتخاذ قرارات حولها، بما في ذلك الحجج والأفكار المطروحة. ويتضمن:
- طرح تساؤلات حول الافتراضات.
- استكشاف وجهات نظر مختلفة.
- التوصل إلى استنتاجات قائمة على المنطق والأدلة.
التفكير النقدي يبرز كعملية شاملة، حيث يركز على تقييم:
- صحة الحجج المطروحة.
- موثوقية المعلومات المتاحة.
- قوة الأفكار أو الادعاءات ومدى صحتها من الناحية المنطقية. (96)
ثانيًا: التفكير التحليلي
يشمل التفكير التحليلي تقطيع المعلومات أو القضايا المعقدة إلى مكونات أصغر يمكن تحليلها. ويركز على:
- استيعاب كيفية عمل الأشياء.
- الكشف عن الأنماط.
- تحديد الروابط بين مختلف العناصر. مثال:
ينتهج مهندس يشتغل على آلة معطلة أسلوب التفكير التحليلي من خلال:
- تقسيم النظام إلى مكوناته المختلفة.
- تحليل وظيفة كل مكون.
- تحديد مصدر الخلل.
كما يمكنه اختبار كل عنصر بشكل منفصل لاكتشاف الجزء الذي لا يعمل. (97)
2- من حيث الأسلوب والمنهجية
أولا: التفكير الناقد
غالبًا ما يعتمد التفكير النقدي على نهج شامل، حيث يطرح أسئلة واسعة مثل:
- ما نقاط القوة والضعف في هذه الحجة؟
- هل المقدمات صحيحة؟ وهل تؤدي منطقيًا إلى النتيجة؟
- ما الافتراضات التي تقوم عليها هذه الحجة؟ وكيف يمكن تحديها؟
يتضمن التفكير الناقد عادة:
- التقييم.
- التركيب.
- إصدار الأحكام.
ويركز على تقييم القيمة العامة للفكرة أو الحجة بناءً على:
- بنيتها المنطقية.
- الأدلة التي تستند إليها.
- الافتراضات الكامنة وراءها.
ثانيا: التفكير التحليلى
غالباً ما يستند التفكير التحليلي إلى نهج شامل، حيث يطرح تساؤلات عامة مثل:
- ما هي نقاط القوة والضعف في هذه الحجة؟
- هل المقدمات دقيقة؟ وهل تؤدي بشكل منطقي إلى النتيجة النهائية؟
- ما هي الافتراضات التي تعتمد عليها هذه الحجة؟ وكيف يمكن اختبارها؟
ويتطلب التفكير التحليلي عادةً:
- التقييم.
- التركيب.
- إصدار الأحكام.
ويركز على تحليل القيمة العامة للفكرة أو الحجة استنادًا إلى:
- هيكلها المنطقي.
- الأدلة التي تستند إليها.
- الافتراضات الخفية وراءها. (98)
الخلاصة: الاختلاف الجوهري بين التفكير الناقدى والتفكير التحليلي هو أن:
- التفكير التحليلي يركز على تقسيم المشكلة وفهم عناصرها والروابط بينها من أجل الوصول إلى حل.
- التفكير النقدي يهتم بتقييم المعلومات والحجج وتقديم حكم مبني على الأدلة والمنطق.
يفترض التفكير التحليلي اعتماد نهج منتظم ومتدرج لتفكيك المشكلة أو الحجة إلى مكونات أصغر وأكثر وضوحًا. ويرتكز على إدراك:
- العناصر الأساسية للمشكلة.
- الروابط بين العناصر المختلفة.
- العوامل التي تؤثر على ظهور موقف أو إشكالية محددة.
ويعتمد التفكير التحليلي عمومًا على:
- التفكيك.
- التصنيف.
- التحليل المنطقي. (99)
2- من حيث التوجه نحو حل المشكلات
أولا: التفكير الناقد
يضع التفكير الناقد تركيزه على إيجاد الحلول، لكنه يعير اهتمامًا خاصًا لتقييم الخيار الأنسب، أو لتحديد ما إذا كان الحل المُقترح فعالًا ومناسبًا. ويقوم المفكرون النقديون بما يلي:
- دراسة وجهات النظر المختلفة.
- تقدير النتائج المحتملة لكل حل مطروح.
- فحص التداعيات الأخلاقية والاقتصادية والاجتماعية قبل اتخاذ أي قرار.
ثانيا: التفكير التحليلى
يركز التفكير التحليلي على إيجاد حلول دقيقة للمشكلات من خلال:
- تقسيم المشكلة إلى أجزاء.
- التعرف على مكوناتها الرئيسية.
- اكتشاف السبب الرئيسي للمشكلة.
- إنشاء حلول منطقية تعتمد على التحليل. (100)
4- من حيث عملية اتخاذ القرار
أولا: التفكير النقدي
يساعد التفكير الناقد في اتخاذ قرارات مستنيرة من خلال:
- فحص وجهات النظر المتعددة.
- تقييم موثوقية المصادر.
- التعرف على التحيزات المحتملة.
- مراجعة الافتراضات.
- التفكير في العواقب المحتملة قبل اتخاذ القرار.
ويحتاج هذا إلى:
- الاستعداد لتقبل أفكار مختلفة.
- القدرة على إصدار حكم دقيق ومدروس.
ثانيا: التفكير التحليلى
يركز التفكير التحليلي على اتخاذ قرارات متماسكة تستند إلى:
- البيانات.
- الحقائق.
- الأدلة. (101)
5- من حيث المهارات والتقنيات الأساسية
أولا: التفكير الناقد
يركز التفكير الناقد على:
- تقييم المعلومات.
- تركيب الأفكار.
- إصدار الأحكام.
ويتضمن مهارات مثل:
- السؤال عن الافتراضات.
- تحليل الحجج.
- الكشف عن الانحيازات.
- استكشاف الخيارات البديلة.
- تكوين الأحكام والنتائج.
ثانيا: التفكير التحليلى
يركز التفكير التحليلي على:
- الاستنتاج المنطقي.
- تحليل المشكلات.
- الكشف عن الأنماط.
ويتضمن مهارات مثل:
- تحديد العلاقات والأنماط.
- تفكيك المشكلات إلى مكونات أصغر.
- استنتاج الحلول من البيانات.
- استخدام المنطق في حل المشكلات. (102)
6- من حيث الهدف النهائي
أولا: التفكير الناقد
يتعلق التفكير الناقد بما يلي:
- تقييم المعطيات.
- إصدار الأحكام المتعلق.
- اختيار الأفضل عند اتخاذ القرارات أو الفهم.
ويركز على:
- تحديد دقة وموثوقية المعلومات.
- تحليل العواقب الأخلاقية للخيارات.
- تكوين استنتاج أو حكم يستند على المعرفة والدليل.
ثانيا: التفكير التحليلى
يرمي التفكير التحليلي إلى فهم كيفية تفاعل عناصر المشكلة أو الوضع مع بعضها ويركز على:
- استكشاف الأنماط.
- تقسيم القضايا المعقدة إلى مكونات أصغر.
- تحليل التفاصيل بشكل دقيق.
- الإتيان بحلول لمشكلات محددة. (103)
رابعا: أهمية التفكير الناقد
يحظى التفكير الناقد بأهمية متزايدة في ظل التطورات العلمية والتكنولوجية المتسارعة، وما يرافقها من تدفق هائل للمعلومات وتنوع في مصادرها؛ حيث يمثل أداة أساسية لتحليل المعلومات وتقييمها، واتخاذ القرارات المبنية على الأدلة، ومواجهة المشكلات بكفاءة. كما تظهر أهميته في تنمية القدرات المعرفية والشخصية، وتعزيز جودة التعلم، ودعم الأداء المهني، والإسهام في تقدم البحث العلمي وبناء المجتمعات القائمة على المعرفة. ويمكن تناول أهمية التفكير الناقد من خلال المحاور الآتية:
1- الأهمية الشخصية والمعرفية
يسهم التفكير الناقد في اتخاذ قرارات أكثر فعالية، وتعميق فهم الفرد لذاته وللعالم المحيط به، كما يساعد على التمييز بين المعلومات الصحيحة والمضللة، بما يدعم إصدار أحكام أكثر دقة وموضوعية. ويتطلب ذلك التحقق من مصادر المعلومات، والتعلم المستمر، وطرح الأسئلة لفحص الادعاءات وتقييمها بدلًا من قبولها أو رفضها دون تمحيص. كما يساعد التفكير الناقد على مراجعة القيم والقرارات بصورة موضوعية، مما يعزز الوعي بالذات والنمو الشخصي. ويُمكن الأفراد كذلك من فهم مبادئ الاستدلال السليم وتأمل أساليب تفكيرهم، إذ يقوم على ثلاثة عناصر رئيسة هي: المفهوم، والتطبيق، والاتجاه العقلي، ويركز على بناء المعتقدات وتقويمها في ضوء الأدلة والمنطق السليم. (104)
2- الأهمية التعليمية
يمثل التفكير الناقد أحد المرتكزات الأساسية للتعليم المعاصر؛ إذ ينمي قدرة المتعلمين على التفكير المستقل، وتحليل المعلومات، وتقويم الأحكام، والوصول إلى استنتاجاتهم الخاصة. كما يعزز التعلم الذاتي، والقدرة على التكيف مع المتغيرات، وفهم الذات والبيئة الاجتماعية، بما يدعم النمو المعرفي والشخصي، ويؤهل المتعلمين للتعامل مع المشكلات والقضايا المعاصرة بكفاءة. (105)
3- الأهمية المهنية
يُعد التفكير الناقد من أهم المهارات العامة المطلوبة في مختلف المهن؛ إذ يعزز القدرة على تحليل البيانات، وتقويم الأدلة، واستكشاف البدائل، وحل المشكلات، واتخاذ قرارات تحقق أفضل النتائج الممكنة. كما يُمكّن العاملين من أداء مهامهم بكفاءة واستقلالية، ويزيد من قيمتهم المهنية، فضلًا عن دوره في تنمية المرونة الذهنية والتكيف مع متطلبات اقتصاد المعرفة وبيئات العمل المتغيرة. (106)
4- الأهمية العلمية والاجتماعية
يسهم التفكير الناقد في كشف الأخطاء والثغرات المنطقية، وتعزيز العمل الجماعي، وبناء المعرفة، وتطوير النظريات، وتدعيم الحجج والاستدلالات. كما يشكل أساسًا للبحث العلمي؛ لاعتماده على اختبار الفروض والتحقق من النتائج، ويُعد ركيزة للممارسة الديمقراطية من خلال تنمية قدرة الأفراد على تحليل القضايا الاجتماعية وتكوين آرائهم بصورة موضوعية بعيدًا عن الانحياز. وإلى جانب ذلك، يسهم التفكير الناقد في تنمية الإبداع من خلال تقويم الأفكار الجديدة، واختيار أفضلها، وتطويرها للوصول إلى حلول مبتكرة وفعالة للمشكلات، كما يعزز مهارات التواصل والتعبير الواضح، وتحليل النصوص، وتحسين الفهم والاستيعاب. (107)
خامسا: خصائص المفكر الناقد
يمثل المفكر الناقد محور العملية النقدية؛ إذ لا يعتمد التفكير الناقد على امتلاك مجموعة من المهارات العقلية فقط، بل يتطلب كذلك مجموعة من الاتجاهات والسمات الفكرية التي توجه استخدام هذه المهارات بصورة صحيحة. فالمفكر الناقد لا يكتفي بجمع المعلومات أو إصدار الأحكام، وإنما يسعى إلى تحليل الأفكار، وتقييم الأدلة، وفحص الافتراضات، والوصول إلى نتائج قائمة على أسس منطقية وموضوعية.
وقد اهتم عدد من الباحثين بتحديد سمات المفكر الناقد، ومن أبرزهم بول وإلدر (Paul & Elder) اللذان أكدا أن التفكير الناقد يتضمن مجموعة من المهارات والإجراءات والمعايير التي تساعد الفرد على تحسين جودة تفكيره، كما يرتبط بمجموعة من السمات الفكرية التي تمكنه من ممارسة التفكير بصورة واعية ومنصفة. وبناءً على ذلك يمكن تناول سمات المفكر الناقد من خلال ثلاثة أبعاد رئيسة: المهارات الأساسية، ومعايير جودة التفكير، والسمات الفكرية.
أ- المهارات الأساسية للمفكر الناقد
يمتلك المفكر الناقد مجموعة من المهارات التي تمكنه من التعامل مع القضايا والمشكلات بطريقة منظمة، وتساعده على بناء الأحكام واتخاذ القرارات القائمة على الأدلة. ومن أبرز هذه المهارات ما يلي:
- 1 بناء الحجج وتحليلها
يُعد بناء الحجج من المهارات الأساسية في التفكير الناقد؛ إذ تقوم الحجة على مجموعة من المقدمات التي تؤدي إلى استنتاجات محددة. ولا تقتصر مهمة المفكر الناقد على صياغة الحجج، بل تتضمن أيضًا القدرة على تحليلها والكشف عن مدى وضوحها واتساقها ومنطقيتها، وتحديد أوجه القوة والضعف فيها، واكتشاف الحجج التي تفتقر إلى الدليل أو تعاني من التناقض. (108)
2- التحقق من الحقائق وتقويم الأدلة
يحرص المفكر الناقد على جمع الحقائق المرتبطة بالقضية محل الدراسة والتحقق من صحتها ومصادرها، لأن الاعتماد على معلومات غير دقيقة قد يؤدي إلى بناء استنتاجات خاطئة. لذلك يقوم بفحص الأدلة وتقويم مدى ملاءمتها وقدرتها على دعم الأفكار والنتائج التي يتم الوصول إليها. (109)
3- تقييم العلاقة بين المقدمات والاستنتاجات
يهتم المفكر الناقد بمدى الترابط المنطقي بين المقدمات والنتائج، فصحة الاستنتاج تعتمد على قوة الأدلة التي يستند إليها وعلى مدى اتساقها مع المعطيات المتاحة. ولذلك يعمل على التأكد من أن الحلول والاستنتاجات الناتجة عن عملية التفكير تستند إلى أسس منطقية واضحة. (110)
4- تطبيق الحلول واتخاذ الإجراءات المناسبة
لا يقتصر التفكير الناقد على التحليل النظري، بل يتطلب القدرة على استخدام النتائج التي تم التوصل إليها في معالجة المشكلات الواقعية. فبعد جمع المعلومات وتحليل الأدلة وبناء الحجج وتقويمها، يقوم المفكر الناقد بتحويل هذه النتائج إلى إجراءات عملية تساعد على الوصول إلى حلول فعالة وقابلة للتطبيق. (111)
ب- معايير التفكير الناقد
تتطلب ممارسة التفكير الناقد بصورة فعالة وجود مجموعة من المعايير التي يتم من خلالها الحكم على جودة الأفكار والاستدلالات. وقد أشار مور وتيتل (Moore & Tittle) إلى عدد من المعايير الأساسية التي ينبغي أن تتوافر في التفكير الناقد، ومنها:
1- الوضوح
يُعد الوضوح من أهم المعايير التي يقوم عليها التفكير الناقد، إذ لا يمكن تقييم فكرة أو حجة ما لم تكن معانيها ومقاصدها محددة بصورة واضحة. لذلك يهتم المفكر الناقد بوضوح اللغة والأفكار قبل إصدار الأحكام عليها.
2- الدقة والصحة
يتطلب التفكير الناقد التأكد من دقة المعلومات وصحتها، والاعتماد على الأدلة الموثوقة، وعدم إصدار أحكام تستند إلى معلومات ناقصة أو غير مؤكدة. فالبحث عن الحقيقة يمثل أحد الأهداف الأساسية للتفكير الناقد.
3- الارتباط أو الصلة
ينبغي أن ترتبط الأفكار والمعلومات المستخدمة بالقضية محل الدراسة، وأن تستند عملية اتخاذ القرار إلى اعتبارات ذات علاقة مباشرة بالموقف، لأن المعلومات غير المرتبطة قد تؤدي إلى تشتيت عملية التفكير.
4- الاتساق
يشير الاتساق إلى ضرورة توافق الأفكار والمعتقدات وعدم وجود تناقضات بينها؛ فالمفكر الناقد يسعى إلى بناء منظومة فكرية منطقية تتفق فيها المقدمات مع النتائج.
5- - الاكتمال والعمق
لا يكتفي المفكر الناقد بالنظر السطحي إلى القضايا، بل يسعى إلى تحليلها بصورة عميقة وشاملة، والنظر في مختلف جوانبها والعوامل المؤثرة فيها قبل الوصول إلى الحكم النهائي.
6- الإنصاف
يعتمد التفكير الناقد على الموضوعية والعدل في تقييم الأفكار، ويتطلب الانفتاح على وجهات النظر المختلفة، والتحرر من التحيزات الشخصية والأحكام المسبقة عند تحليل القضايا. (112)
ت- السمات الفكرية للمفكر الناقد
لا تكتمل شخصية المفكر الناقد بمجرد امتلاكه مهارات التحليل والتقويم، بل يحتاج إلى مجموعة من السمات والاتجاهات الفكرية التي توجه استخدامه لهذه المهارات بصورة مسؤولة وموضوعية. وقد أكد بول وإلدر أن التفكير الناقد الفعّال يرتبط بامتلاك مجموعة من الفضائل الفكرية التي تساعد الفرد على ممارسة التفكير بصورة مستقلة ومنصفة، ومن أبرز هذه السمات ما يلي:
1- التواضع الفكري
يشير التواضع الفكري إلى وعي الفرد بحدود معرفته، وإدراكه أن أفكاره ومعتقداته قد تتأثر بتحيزاته الشخصية أو بخبراته السابقة. ولا يعني ذلك التقليل من قيمة الذات أو الخضوع للآخرين، بل يعكس القدرة على الاعتراف بإمكانية الخطأ، وتجنب الادعاء بامتلاك الحقيقة الكاملة، والاستعداد لمراجعة الأفكار في ضوء الأدلة والمبررات المنطقية. كما يتضمن إدراك تأثير العوامل الاجتماعية والثقافية في تشكيل وجهات النظر والمعتقدات الشخصية. (113)
2- الشجاعة الفكرية
تتمثل الشجاعة الفكرية في استعداد الفرد لفحص الأفكار والمعتقدات التي قد تختلف عن آرائه أو تتعارض مع ما اعتاد عليه، والنظر إليها بعدل وموضوعية قبل إصدار الحكم عليها. فالمفكر الناقد لا يقبل الأفكار لمجرد شيوعها أو رفضها لمجرد اختلافها معه، بل يسعى إلى تقييمها وفق الأدلة والمنطق. كما تتطلب هذه السمة القدرة على مراجعة المعتقدات التي نشأ عليها الفرد، وإدراك احتمال وجود أخطاء أو جوانب ناقصة فيها، حتى وإن كانت تلك المعتقدات مقبولة لدى الجماعة التي ينتمي إليها. (114)
3- التعاطف الفكري
يعني التعاطف الفكري قدرة الفرد على فهم وجهات نظر الآخرين من خلال محاولة النظر إلى القضايا من منظورهم الخاص، وإدراك الأسس والمقدمات التي ينطلقون منها في بناء آرائهم. وتتطلب هذه السمة الوعي بميل الإنسان إلى التمركز حول ذاته، والاعتقاد بأن رؤيته الخاصة تمثل الحقيقة المطلقة، ولذلك يسعى المفكر الناقد إلى إعادة بناء أفكار الآخرين وفهمها قبل الحكم عليها، مع إدراك إمكانية وقوعه هو نفسه في الخطأ. (115)
4- النزاهة الفكرية
تعبر النزاهة الفكرية عن التزام الفرد بالصدق مع ذاته ومعايير التفكير التي يستخدمها في الحكم على الآخرين. فالمفكر الناقد يطبق معايير الأدلة والبراهين نفسها على أفكاره كما يطبقها على أفكار غيره، ويسعى إلى تحقيق الاتساق بين معتقداته وسلوكياته، كما يعترف بالتناقضات أو الأخطاء عندما تظهر، ويتعامل معها بموضوعية ومسؤولية. (116)
5- المثابرة الفكرية
تشير المثابرة الفكرية إلى استعداد الفرد لمواصلة البحث والتحليل رغم الصعوبات والعقبات والغموض الذي قد يواجهه أثناء التفكير. فالمفكر الناقد لا يتخلى عن البحث عن الحقيقة بسبب صعوبة المشكلة أو وجود معارضة، بل يواصل الاستقصاء واختبار الأفكار للوصول إلى فهم أكثر عمقًا ونتائج أكثر دقة. (117)
6- الإيمان بالعقل
يقوم الإيمان بالعقل على الثقة بقدرة الإنسان على استخدام التفكير المنطقي للوصول إلى استنتاجات معقولة واتخاذ قرارات رشيدة. ويعني كذلك الإيمان بإمكانية تنمية قدرات الأفراد العقلية من خلال التدريب والتعليم، بما يساعدهم على التفكير المستقل، وبناء الأحكام القائمة على الأدلة، وإدارة الحوار باستخدام الحجج العقلية بدلًا من الاعتماد على الانفعالات أو التحيزات. (118)
7- العدالة الفكرية
تتمثل العدالة الفكرية في الالتزام بالنظر إلى مختلف الآراء ووجهات النظر بإنصاف، بعيدًا عن المصالح الشخصية أو الانتماءات الجماعية. فالمفكر الناقد يسعى إلى تطبيق المعايير الفكرية بصورة موضوعية على جميع المواقف والأفكار، ولا يسمح لتحيزاته أو رغباته بالتأثير في عملية الحكم والتقييم. (119)
ج- خصائص المفكر الناقد في ضوء النموذج المتكامل
يتصف المفكر الناقد المثالي بمجموعة من الخصائص التي تجمع بين القدرة العقلية والاتجاهات الفكرية الإيجابية؛ فهو شخص يتسم بالفضول المعرفي، والانفتاح الذهني، والقدرة على تحليل القضايا المعقدة بصورة منظمة، والبحث عن المعلومات ذات الصلة، والاستعداد لمراجعة أفكاره عند ظهور أدلة جديدة.
كما يتمكن المفكر الناقد من فهم العلاقات المنطقية بين الأفكار، وبناء الحجج وتقويمها، والكشف عن الأخطاء والتناقضات في الاستدلال، وحل المشكلات بطريقة منهجية، وتحديد مدى أهمية الأفكار وارتباطها بالقضية محل الدراسة، بالإضافة إلى مراجعة مبررات معتقداته وقيمه الشخصية وتقويمها. (120)
ويرى بول أن التفكير الناقد الحقيقي لا يقتصر على استخدام مهارات التحليل لخدمة أهداف شخصية أو فئوية، بل يتضمن قدرة الفرد على التفكير في طريقة تفكيره نفسها بهدف تحسين جودة أفكاره. ومن ثم فإن المفكر الناقد في المعنى القوي هو الشخص الذي يستخدم قدراته العقلية لتحقيق فهم أعمق، واتخاذ قرارات أكثر مسؤولية، والمساهمة في خدمة المصالح المشتركة للمجتمع. أما التفكير الناقد بالمعنى الضعيف فهو استخدام مهارات التفكير المنضبط لخدمة مصالح فردية أو جماعية محددة دون الالتزام بالموضوعية والإنصاف. (121)
وبناءً على ذلك، فإن المفكر الناقد ليس مجرد شخص يمتلك مجموعة من المهارات العقلية، بل هو شخص يجمع بين المعرفة والقدرة على التحليل، والالتزام بالمعايير الموضوعية، والتحلي بالسمات الفكرية التي تمكنه من التعامل مع القضايا المختلفة بوعي واستقلالية. كما يستند تفكيره إلى مبادئ الوضوح والدقة والملاءمة والعمق، ويحترم وجهات النظر المختلفة، ويسعى باستمرار إلى تطوير فهمه وبناء أحكامه على أسس عقلانية ومنهجية. (122)
تعقيب
خلص هذا الفصل إلى أن التفكير الناقد يمثل عملية ذهنية منهجية تتجاوز مجرد اكتساب المعلومات إلى تحليلها وتقويمها وتفسيرها في ضوء معايير منطقية وموضوعية، بما يسهم في الوصول إلى أحكام وقرارات أكثر دقة ورشدًا. وقد أظهر استعراض مفهوم التفكير الناقد ونشأته وتطوره أنه نتاج مسار فكري طويل أسهمت في بنائه الفلسفة والعلوم الإنسانية والتربوية، حتى أصبح في الوقت الحاضر من أهم الكفايات التي تسعى المؤسسات التعليمية إلى تنميتها لدى المتعلمين.
وأخيرًا، فإن امتلاك خصائص المفكر الناقد، مثل الموضوعية، والانفتاح الذهني، والدقة في الاستدلال، والمرونة الفكرية، والاستقلال في إصدار الأحكام، يُعد أساسًا لممارسة التفكير الناقد ممارسة واعية وفاعلة. ومن ثم، فإن الإلمام بالمفاهيم التي تناولها هذا الفصل يمثل قاعدة معرفية ضرورية للانتقال إلى دراسة مهارات التفكير الناقد وآلياته واستراتيجيات تنميته، وهو ما ستتناوله الفصول اللاحقة من هذا الكتاب بصورة أكثر تفصيلًا وتطبيقًا.
***
ا. د. إبراهيم طلبه سلكها – مصر
.....................
الهوامش
1- Xasanova, Shohista Mirzaahmad qizi. “Critical Thinking Skills: Content, Essence, History, and Components. ” Western European Journal of Linguistics and Education 3, no. 4 (April 2025). https: //westerneuropeanstudies. com/index. php/2, p. 6.
2- Charles Fernyhough, “What Do We Mean by ‘Thinking’?”, Psychology Today, www. psychologytoday. com, retrieved, p. 21.
See also: Kevin N. Dunbar and David Klahr, “Scientific Thinking and Reasoning – Abstract and Keywords,” Oxford Handbooks: Scholarly Research Reviews, retrieved 2020, p. 13.
3- Alasdair MacIntyre, After Virtue, 2nd ed. (Notre Dame, IN: University of Notre Dame Press, 1984), p. 187.
See also: John Herman Randall, Jr. , How Philosophy Uses Its Past (New York: Columbia University Press, 1963), p. 19.
4- Monroe C. Beardsley and Elizabeth Lane Beardsley, Philosophical Thinking: An Introduction (Library of Congress, Printed in the United States of America, 1965), pp. 5–11.
5- William James, The Will to Believe (New York: Dover Publications, 1897; reprint, 1956), p. 65.
6- Oleksandr Kulyk, “On the Possibility to Teach Doing Philosophy,” ASIANetwork Exchange: A Journal for Asian Studies in the Liberal Arts, December 2018, p. 2.
7- Luc de Brabandere, “A Very Short History of Critical Thinking,” Philosophy Now, no. 172. https: //philosophynow. org/issues/172/A_Very_Short_History_of_Critical_Thinking
8- Xasanova, Shohista Mirzaahmad qizi. “Critical Thinking Skills: Content, Essence, History, and Components. ” Western European Journal of Linguistics and Education 3, no. 4 (April 2025). https: //westerneuropeanstudies. com/index. php/2, p. 7.
9- Daniela Dover, “Criticism as Conversation,” Philosophical Perspectives (Harvard University Press, 2020), p. 1.
10- Ibid , p. 2.
11- Kim, Brian. Critical Thinking. Oklahoma State University Libraries, 2019. https: //open. library. okstate. edu/criticalthinking/, p. 6.
12- Adhikari, Narayan Prasad, Jhupa Kumari Budhathoki, and Sharad Adhikari. “Use of Critical Thinking in Decision- Making Process. ” Perspectives on Higher Education 15, no. 1 (2025): 155–168. https: //doi. org/10. 3126/phe. v15i01. 81008.
13- Ennis, R. H. “Critical Thinking Assessment. ” Theory into Practice 32, no. 3 (1993), p. 180.
14- Ennis, R. H. “Critical Thinking Assessment. ” Theory into Practice 32, no. 3 (1993), p. 180.
15- Kim, Brian. Critical Thinking. Oklahoma State University Libraries, 2019. https: //open. library. okstate. edu/criticalthinking/, pp. 7–8.
16- Manchem, Shireesha. Critical Thinking and Problem Solving. A2Z EDULEARNINGHUB LLP, February 2025, p. 7.
17- Facione, P. A. Critical Thinking: A Statement of Expert Consensus for Purposes of Educational Assessment and Instruction: Research Findings and Recommendations. Newark, DE: American Philosophical Association, 1990, p. 27.
18- Mohd Nazir Md Zabit, Zuhairah Abdul Hadi, Zuriadah Ismail, and Tirzah Zubeidah Zachariah. “A Brief History and Review of Critical Thinking Skills: Malaysian Approach. ” Journal of Teaching and Education 8, no. 1 (2018): 153–164, p. 154.
19- Facione, Peter A. Critical Thinking: A Statement of Expert Consensus for Purposes of Educational Assessment and Instruction: Research Findings and Recommendations. Prepared for the Committee on Pre- College Philosophy of the American Philosophical Association, 1990. Available at: https: //eric. ed. gov/.
20- Suárez González, Javier Roberto, Daniela Pabón Llinás, Leonor Villaveces Franco, and Julio Antonio Martín Gallego. Critical Thinking and Philosophy: A Dialogue with New Tunes. Barranquilla Metropolitan Area, Colombia, 2020, p. 5.
21- Loc. cit.
22- Çiçek Sağlam, A. , and Büyükuysal, E. “Eğitim Fakültesi Son Sınıf Öğrencilerinin Eleştirel Düşünme Düzeyleri ve Buna Yönelik Engellere İlişkin Görüşleri. ” International Journal of Human Sciences 10, no. 1 (2013): 258–278, p. 259.
23- Loc. cit.
24- Loc. cit.
25- Dushina, I. V. Methods and Technology of Instruction: A Manual for Teachers and Students of Pedagogical Institutes and Universities. Moscow: Astrel Publishing House LLC, 2002, p. 203.
26- Smith, A. “Strategies to Improve Critical Thinking Skills in High School Students. ” Perspectives in Learning 2, no. 1 (2001). Retrieved from: http: //csuepress. columbusstate. edu/pil/vol2/iss1/4, p. 8.
27- Çiçek Sağlam, A. , and Büyükuysal, E. “Eğitim Fakültesi Son Sınıf Öğrencilerinin Eleştirel Düşünme Düzeyleri ve Buna Yönelik Engellere İlişkin Görüşleri. ” International Journal of Human Sciences 10, no. 1 (2013): 258–278, p. 260.
28- Audi, Robert (ed. ). The Cambridge Dictionary of Philosophy. 2nd ed. Cambridge: Cambridge University Press, 1999.
29- Halperin, P. Ya. “To the Psychology of the Formation of Speech in a Foreign Language. ” In Psycholinguistics and the Training of Foreigners in the Russian Language. Moscow: Moscow State University Press, 1972, pp. 60–71.
30- Kim, Brian. Critical Thinking. Oklahoma State University Libraries, 2019. https: //open. library. okstate. edu/criticalthinking/, p. 7.
31- Smith, A. “Strategies to Improve Critical Thinking Skills in High School Students. ” Perspectives in Learning 2, no. 1 (2001). Retrieved from: http: //csuepress. columbusstate. edu/pil/vol2/iss1/4, p. 8.
32- Hallstead, T. , and Pritchett, G. “Reading: The Bridge to Everywhere. ” Double Helix 1 (2013), p. 11.
33- Çiçek Sağlam, A. , and Büyükuysal, E. “Eğitim Fakültesi Son Sınıf Öğrencilerinin Eleştirel Düşünme Düzeyleri ve Buna Yönelik Engellere İlişkin Görüşleri. ” International Journal of Human Sciences 10, no. 1 (2013): 258–278, p. 260.
34- Xasanova, Shohista Mirzaahmad qizi. “Critical Thinking Skills: Content, Essence, History, and Components. ” Western European Journal of Linguistics and Education 3, no. 4 (April 2025). https: //westerneuropeanstudies. com/index. php/2, pp. 7–8.
35- Gruwell, Cindy, and Robin Ewing. Critical Thinking in Academic Research. 2nd ed. Minnesota State Colleges and Universities, 2022. https: //minnstate. pressbooks. pub/ctar2/, p. 21.
36- Loc. cit.
37- Gosner, G. T. “Critical Thinking. ” Encyclopaedia Britannica. Updated March 7, 2023. Accessed July 15, 2026. https: //www. britannica. com/topic/critical- thinking.
38- Bishop, Leah. “The Role of Philosophy in Critical Thinking and Problem- Solving. ” Planksip, July 7, 2024. https: //www. planksip. org/the- role- of- philosophy- in- critical- thinking- and- problem- solving/.
39- Jonathan Heard et al. Critical Thinking: Definition and Structure. Melbourne: The Australian Council for Educational Research Ltd, 2020, p. 2.
40- Roark, Dallas M. Introduction to Philosophy. Emporia, KS: Dalmor Publishing, 1982 (revised ed. , 2011), p. 7.
41- Bartlett, Robert C. “On the Politics of Faith and Reason: The Project of Enlightenment in Pierre Bayle and Montesquieu. ” The Journal of Politics 63, no. 1 (2001): 1–28.
42- Colaiaco, James A. Socrates against Athens: Philosophy on Trial. Routledge, 2013, p. 15.
43- Oleksandr Kulyk, “On the Possibility to Teach Doing Philosophy,” ASIANetwork Exchange: A Journal for Asian Studies in the Liberal Arts, December 2018, pp. 4–7.
44- Bishop, Leah. “The Role of Philosophy in Critical Thinking and Problem- Solving. ” Planksip, July 7, 2024. https: //www. planksip. org/the- role- of- philosophy- in- critical- thinking- and- problem- solving/.
45- Manchem, Shireesha. Critical Thinking and Problem Solving. A2Z EDULEARNINGHUB LLP, February 2025, pp. 7–8.
46- M. , Benjamin. The Socratic Method and Critical Thinking. Kindle Direct Publishing, September 5, 2023. https: //www. linkedin. com/in/benjaminmoss000.
47- Luc de Brabandere, “A Very Short History of Critical Thinking,” Philosophy Now, no. 172. https: //philosophynow. org/issues/172/A_Very_Short_History_of_Critical_Thinking.
48- Alain de Botton, The Consolations of Philosophy. New York: Vintage Books, a division of Random House Inc. , 2001, pp. 16–17.
49- M. , Benjamin. The Socratic Method and Critical Thinking. Kindle Direct Publishing, September 5, 2023. https: //www. linkedin. com/in/benjaminmoss000.
50- Grim, Patrick. The Philosopher’s Toolkit: How to Be the Most Rational Person in Any Room. The Teaching Company, 2013, p. 23.
51- Rychlak, Joseph F. “Can the Strength of Past Associations Account for the Direction of Thought?” The Journal of Mind and Behavior (1987): 185–193, p. 186.
52- Luc de Brabandere, “A Very Short History of Critical Thinking,” Philosophy Now, no. 172. https: //philosophynow. org/issues/172/A_Very_Short_History_of_Critical_Thinking.
53- Rychlak, Joseph F. “Can the Strength of Past Associations Account for the Direction of Thought?” The Journal of Mind and Behavior (1987): 185–193, p. 186.
54- Walia, Gandharv. “Quote of the Day by Plato: ‘The Right Question Is Usually... ’ Life Lessons from Motivational Quote on Critical Thinking, Inquiry, True Understanding, Intellectual Humility and Deep Curiosity. ” The Economic Times, August 1, 2026.
55- Loc. cit.
56- Rychlak, Joseph F. 1987. “Can the Strength of Past Associations Account for the Direction of Thought?” The Journal of Mind and Behavior, 185–93 ,p- 186
57- Loc- Cit
58- Direction of Thought?” The Journal of Mind and Behavior, 185–93 ,p- 186
59- Rychlak, Joseph F. 1987. “Can the Strength of Past Associations Account for the
Direction of Thought?” The Journal of Mind and Behavior, 185–93 ,p- 186
60- Haftador, Hasan Rezaee, and Azam Khodaparast. 2015. “Ijtihad in Quranic
Exegesis. ” Asian Social Science 11 (27): 125 ,p- 125
61- Serrat, Olivier. 2017. “Critical Thinking. ” In Knowledge Solutions, 1095–1100 ,p- 1097
62- Sumner, William Graham. 1906. “Folkways: A Study of the Sociological
Importance of Usages. ” Manners, Customs, Mores, and Morals, Ginn & Co. ,p- 12
63- Luc de Brabandere, “A Very Short History of Critical Thinking,” Philosophy Now, no. 172, https: //philosophynow. org/issues/172/A_Very_Short_History_of_Critical_Thinkin
64- Graupera, Jordi. “Francis Bacon’s Idols as a Form of Relativism. ” February 11, 2013. https: //jordigraupera. cat/francis- bacons- idols- as- a- form- of- relativism/.
65- Graupera, Jordi. “Francis Bacon’s Idols as a Form of Relativism. ” February 11, 2013. https: //jordigraupera. cat/francis- bacons- idols- as- a- form- of- relativism/.
Graupera, Jordi. “Francis 76- 66- Bacon’s Idols as a Form of Relativism. ” February 11, 2013. https: //jordigraupera. cat/francis- bacons- idols- as- a- form- of- relativism/.
67- Hendrick, Carl. “Idols of the Mind: Francis Bacon and the Science of Learning: The Origins of Rational Error from the Father of the Scientific Method. ” Substack, March 23, 2025. https: //carlhendrick. substack. com/p/idols- of- the- mind- francis- bacon- and.
68- “Baconian Method. ” Encyclopaedia Britannica. Accessed August 2, 2026. https: //www. britannica. com/science/Baconian- method.
69- Jürgen Klein, “Francis Bacon,” The Stanford Encyclopedia of Philosophy, ed. Edward N. Zalta and Uri Nodelman (Stanford: Metaphysics Research Lab, Stanford University, first published December 29, 2003), https: //plato. stanford. edu/entries/francis- bacon/.
70- Jürgen Klein, “Francis Bacon,” The Stanford Encyclopedia of Philosophy, ed. Edward N. Zalta and Uri Nodelman (Stanford: Metaphysics Research Lab, Stanford University, first published December 29, 2003), https: //plato. stanford. edu/entries/francis- bacon/.
71- Ugwu, Abel Friday. “Rene Descartes Methodic Doubt; A Tool for Authentic Knowledge. ” ScienceOpen Preprints, 2024. DOI: 10. 14293/PR2199. 001173. v1,p- 1
72- Ugwu, Abel Friday. “Rene Descartes Methodic Doubt; A Tool for Authentic Knowledge. ” ScienceOpen Preprints, 2024. DOI: 10. 14293/PR2199. 001173. v1,pp- 4- 5
73- Descartes, R, Discourse on method and meditations on first philosophy, fourth edition, trans. Donald, A Cress, Hacket publishing company, United states of America: 1998,p- 73
74- Ugwu, Abel Friday. “Rene Descartes Methodic Doubt; A Tool for Authentic Knowledge. ” ScienceOpen Preprints, 2024. DOI: 10. 14293/PR2199. 001173. v1,pp- 8- 9
75- Ugwu, Abel Friday. “Rene Descartes Methodic Doubt; A Tool for Authentic Knowledge. ” ScienceOpen Preprints, 2024. DOI: 10. 14293/PR2199. 001173. v1,pp- 9- 10
76- Ugwu, Abel Friday. “Rene Descartes Methodic Doubt; A Tool for Authentic Knowledge. ” ScienceOpen Preprints, 2024. DOI: 10. 14293/PR2199. 001173. v1,pp- 10- 11
77- Ugwu, Abel Friday. “Rene Descartes Methodic Doubt; A Tool for Authentic Knowledge. ” ScienceOpen Preprints, 2024. DOI: 10. 14293/PR2199. 001173. v1,pp- 12- 13
78- Descartes, R, Discourse on method and meditations on first philosophy, fourth edition, trans. Donald, A Cress, Hacket publishing company, United states of America: 1998,p- 150
79- Ugwu, Abel Friday. “Rene Descartes Methodic Doubt; A Tool for Authentic Knowledge. ” ScienceOpen Preprints, 2024. DOI: 10. 14293/PR2199. 001173. v1,p- 15
80- Wolfgang Theis: Immanuel Kant’s Idea of Time vs. Norbert Elias’ Critique on His Conception, wolfgang. theis@jku. at, p. 109.
See also:
Edward N. Zalta and Uri Nodelman: The Stanford Encyclopedia of Philosophy, “Immanuel Kant,” first published Thu May 20, 2010; substantive revision Wed Jul 31, 2024.
81- Wolfgang Theis, “Immanuel Kant’s Idea of Time vs. Norbert Elias’ Critique on His Conception,” p. 109.
82- Sverre Raffnsøe, “What Is Critique? Critical Turns in the Age of Criticism,” Outlines 18, no. 1 (2017), pp. 28–29.
83- Ibid. , pp. 30–37.
84- Ibid. , pp. 37–38.
85- Suárez González, Javier Roberto, Daniela Pabón Llinás, Leonor Villaveces Franco, and Julio Antonio Martín Gallego. Critical Thinking and Philosophy: A Dialogue with New Tunes. Barranquilla Metropolitan Area, Colombia, 2020, p. 18.
86- Loc. cit.
87- Stephen Houlgate, “Hegel, Georg Wilhelm Friedrich (1770–1831),” Routledge Encyclopedia of Philosophy. https: //www. rep. routledge. com.
88- Karin de Boer, “Hegel’s Conception of Immanent Critique: Its Sources, Extent and Limit,” p. 86.
89- Ibid. , p. 87.
90- Edward N. Zalta and Uri Nodelman (eds. ), The Stanford Encyclopedia of Philosophy, “Critical Theory (Frankfurt School),” by Robin Celikates and Jeffrey Flynn, first published December 12, 2023.
91- Loc. cit.
92- Raymond Geuss, “Critical Theory,” in Routledge Encyclopedia of Philosophy.
93- Suárez González, Javier Roberto, Daniela Pabón Llinás, Leonor Villaveces Franco, and Julio Antonio Martín Gallego. Critical Thinking and Philosophy: A Dialogue with New Tunes. Barranquilla Metropolitan Area, Colombia, 2020, pp. 2–3.
94- Ibid, p. 4.
95- Ibid, p. 43.
96- Manchem, Shireesha. Critical Thinking and Problem Solving. A2Z EDULEARNINGHUB LLP, February 2025, p. 32.
97- Loc. cit.
98- Ibid. , pp. 32–33.
99- Ibid. , p. 33.
100- Ibid. , pp. 34–35.
101- Ibid. , p. 35.
102- Loc. cit.
103- Loc. cit.
104- Review each of the following:
- University of Bolton. LEAP Online: An Introduction to Critical Thinking. 2024, pp- 10- 11
- Kim, Brian. Critical Thinking. Oklahoma State University Libraries, 2019. https: //open. library. okstate. edu/criticalthinking/, pp. 3–4.
105- Mohd Nazir Md Zabit, Zuhairah Abdul Hadi, Zuriadah Ismail, and Tirzah Zubeidah Zachariah. “A Brief History and Review of Critical Thinking Skills: Malaysian Approach. ” Journal of Teaching and Education 8, no. 1 (2018): 153–164, p. 154.
106- Review each of the following:
- Kim, Brian. Critical Thinking. Oklahoma State University Libraries, 2019. https: //open. library. okstate. edu/criticalthinking/, p. 1.
- Manchem, Shireesha. Critical Thinking and Problem Solving. A2Z EDULEARNINGHUB LLP, February 2025, p. 32.
107- Kim, Brian. Critical Thinking. Oklahoma State University Libraries, 2019. https: //open. library. okstate. edu/criticalthinking/, pp. 1–3.
108- Adhikari, Narayan Prasad, Jhupa Kumari Budhathoki, and Sharad Adhikari. “Use of Critical Thinking in Decision- Making Process. ” Perspectives on Higher Education 15, no. 1 (2025): 155–168. https: //doi. org/10. 3126/phe. v15i01. 81008, p. 162.
109- Loc. cit.
110- Loc. cit.
111- Loc. cit.
112- Adhikari, Narayan Prasad, Jhupa Kumari Budhathoki, and Sharad Adhikari. “Use of Critical Thinking in Decision- Making Process. ” Perspectives on Higher Education 15, no. 1 (2025): 155–168. https: //doi. org/10. 3126/phe. v15i01. 81008, p. 163.
113- Review each of the following:
- Suárez González, Javier Roberto, Daniela Pabón Llinás, Leonor Villaveces Franco, and Julio Antonio Martín Gallego. Critical Thinking and Philosophy: A Dialogue with New Tunes. Barranquilla Metropolitan Area, Colombia, 2020, p. 6.
- Facione, Peter A. Critical Thinking: A Statement of Expert Consensus for Purposes of Educational Assessment and Instruction. American Philosophical Association Report, 1990, Table 1, p. 4.
114- Review each of the following:
- Suárez González, Op. cit. , 2020, p. 6.
- Facione, Peter A. “Critical Thinking: A Statement of Expert Consensus for Purposes of Educational Assessment and Instruction. ” American Philosophical Association Report, 1990, Table 1, p. 4.
115- Review each of the following:
- Suárez González, Op. cit. , pp. 6–7.
- Facione, Peter A. “Critical Thinking: A Statement of Expert Consensus for Purposes of Educational Assessment and Instruction. ” American Philosophical Association Report, 1990, Table 1, p. 4.
116- Review each of the following:
- Suárez González, Op. cit. , p. 7.
- Facione, Peter A. “Critical Thinking: A Statement of Expert Consensus for Purposes of Educational Assessment and Instruction. ” American Philosophical Association Report, 1990, Table 1, pp. 4–5.
117- Review each of the following:
- Suárez González, Op. cit. , p. 7.
- Facione, Peter A. “Critical Thinking: A Statement of Expert Consensus for Purposes of Educational Assessment and Instruction. ” American Philosophical Association Report, 1990, Table 1, p. 5.
118- Review each of the following:
- Suárez González, Op. cit. , p. 7.
- Facione, Peter A. “Critical Thinking: A Statement of Expert Consensus for Purposes of Educational Assessment and Instruction. ” American Philosophical Association Report, 1990, Table 1, p. 5.
119- Suárez González, Op. cit. , pp. 7–8.
120- Review each of the following:
- Facione, Peter A. Critical Thinking: A Statement of Expert Consensus for Purposes of Educational Assessment and Instruction: Research Findings and Recommendations Prepared for the Committee on Pre- College Philosophy of the American Philosophical Association. 1990. Available from: https: //eric. ed. gov, p. 3.
- Kim, Brian. Critical Thinking. Oklahoma State University Libraries, 2019. https: //open. library. okstate. edu/criticalthinking/, p. 1.
121- Suárez González, Op. cit. , p. 8.
122- Sanjit Chakraborty. “Critical Thinking: An Approach that Synthesizes Analytic Philosophy. ” India Philosophical Quarterly, University of Pune, vol. 44, no. 1 (December 2017), pp. 1–2.








