عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

سامي عبد العال: صور خارج السيطرة

"حين تخرج الصورة إلى الواقع، تصبح خارج السيطرة تماماً.."

"كُتبت له النجاة، مَنْ يفلت من صورته.."

رُبّ صورةٍ من زاويةٍ معينةٍ تكشف كامل المشهد. بالضبط كما يُلخص الإنسان المحدود تاريخ مجتمع مترامي الأطراف، فالحياة الإنسانية توجد في أدق عناصرها مثلما تُوجد داخل أكبرها حضوراً. ولكن لماذا الصورة تحديداً؟! الصور تُشبع فينا طاقات "التأمل والتحقُق" معاً. حتى نكاد نشعر بعدم وجود أي فراغ، هي لحظات قصوى من الحضور المكثف بامتياز. وتتسع لاستيعاب دلالة العالم والوجود. تحملنا إلى حيث تريد قبل أنْ نحملها إلى ما نريد. نحن بالنسبة إلي قوة الصور نقع في الهامش. تعيد رسم أوضاعنا بشكلٍّ بطيء، وتمثل وعداً مؤجلاً لن يأتي. ولاسيما إذا كانت الصورة معبرةً عن تراث من الصراع حول المكانة والسلطة في المجتمعات البشرية.

هكذا أثار ت صور " القاضي المزيف" تداعيات شتى على صعيد الثقافة والمعنى والسلطة. فقد أنتزع مكانةً ليست له وسط حراسةٍ مشددةٍ على رمزية الأزياء والثقة والحقيقة والقوى الرائجة في المجتمع المصري. كيف تتم معرفة ما حدث؟! وما أبعاد التداعيات التي ظهرت؟

الصورة كأثر

التناقض المثير أنَّه لا توجد صورة خارجنا رغم أننا نلتقط الصور من الخارج. فكل صورة توثّق وجودنا الخارجي داخل زمان ومكان ما. أي تأخذ الكاميرا واقعة رؤية معينةٍ، إلاَّ أن تأثيرها يبقى داخلنا عادةً. حتى وهي أمام عيون الآخرين، تمارس الصورة حضورها في أعماق حياتنا. الصور تغرينا بإمكانية امتلاك الآخر الذي يقاسمنا الرؤية، أي ترأب الصدع الذي نراه في المرآة والذي يسكننا طوال الوقت، الصورة تثير الاعجاب وقد تملكنا حتى الثمالة. هي الأثر الذي نجري وراءه بهذا المعنى أو ذاك.

ولكن لا تقف الجُرعات البصرية عند نهايةٍ، بل تستثير ظمأ وجودياً للمزيد. يتجاوز الجمال ورغبة التواجد إلى فكرة الافلات من الموت. اغواء الصورة يتجاوز حدود الفعل إلى نمط العيش. إن حياة دون صور هي التصاق مع الموت مباشرة. فهي تنطلق كالرصاصة عكسياً من أدنى إلى أعلى، من المحدود إلى اللامحدود، بفضل كونها مساحةَ دلالةٍ لا زاوية لقطة فقط. الصورة جسد الانسان في ذروة الاغواء الوجودي. كأنه يتطلع إلى تأبيد اللحظة لدرجة أنها تشكل إطار قوته الرمزية أمام الآخرين.

حين تجسد الصور دلالة الاغواء، يغرق صاحبها عبر التفاصيل دون رجعةٍ، لا فيما قامت به من إطارٍ فقط، بل يغرق داخل تراث الصورة الذي هو المجتمع المتخيل. لأنَّ الموروثات تخاطبنا عبر ألصق الأشياء، عبر صورتنا عن أنفسنا. في تلك البرهة (اللقطة) ترسم عالما مميزاً كما لو لم يوجد من قبل. إن قانون السلطة كاغراء يتحول إلى نيجاتيف ضمن كل المشاهد الممكنة. والخيال أقوى إلى حد الرعب من أية حقيقة. في الصورة، يود الشخص أنْ يعيش هناك There لا هناHere . لأن الـ" هناك " يرسم ثقافياً قانون الواقع. ويحدد نظرة الآخرين لنا، كما أن محل تفضيل الخيال حتى ولو لم يكن كذلك. وهذا يشحن طاقة الإنسان ركضاً وراء السلطة والمناصب والراوج الاجتماعي.

وقع الشخص المنتحل لصفة قاضٍ بمجلس الدولة المصرية في" اغواء الصورة". ليست كل الصور تحيلك إلى ذكرى، بل قد تدفعك إلى الجنون. ولكنه جنون يمشي بين الناس، ويتغذى على العلاقات والرواج وهيمنة المعنى. فقبل أن تخرج عبارات الادانة لهذا الفعل، علينا أن نعرف مساحة التبرير وراءه في مجتمعاتنا الإنسانية لا في مصر فقط. بعض أعمال الانتحال تكشف الجوانب المجهولة من شخصيتنا العمومية التي لا ندركها. لا لأننا نعاني قصوراً في الوعي، ولكن لأننا لا نريد أنْ نعي من الأساس. وتلك الأعمال تلقي بفحواها على قارعة الطريق، نظراً لحرصنا على دفنها في حيوات متفرقة أو داخل "مقبرة جماعية " نزورها يومياً.

ذات عبارة، قالها القاضي المزيف:" أشعر بالفخر عندما يطلق الناس عليّ مستشاراً". عبارة هي الصورة قبل أي شيء آخر. أي المشهد في أعظم تجليات السلطة الرائجة. فالصورة لديه ولدى باقي الأفراد أكثر واقعيةً من الواقع ذاته. مثله كمثل تصورات شرائح أناس كثيرين نتيجة رواسب وسائل التواصل الاجتماعي. لأنه عالم افتراضي مفتوح باطلاق، فقط ظن الفاعلون كونه محققاً لما يريدون. فمن أطلق على القاضي المزيف لقباً يغازل وسيطاً كهذا في مقابل عيون محدقة لا تتوقف عن المتابعة. الألقاب تحمل آثار السلطة التي تأتي من أي اتجاه طالما فضاء المعنى في كل مكان.

الاحتيال العمومي

ليس القاضي مزيفاً فقط كما تمَّ تداول صوره، ولكنه كشف زيف صورة المجتمع عن نفسه. لا يعد شخصاً مزيفاً إلا بقدر ما تتزاحم المعاني المزيفة خلف الكاميرا. تكمن المشكلة في كاميرا الثقافة لا في كاميرا القاضي. لأن الثقافة هي ما تحدد الصور وتنتجها وتطرحها عبر أسواق الناس. وهي ما تصنع الواقع وتعطيه دلالته العامة، لا توجد حقائق بعيدة عن عملية الاحتيال الفوتوجرافي.

غدت صورةُ المجتمع حلبةً للصراع اليومي بحثاً عن سلطةٍ ما وسط مظاهر الفقر والتعلق بمكانة مستحيلة. وأصبح الدخولُ في سباق محموم للظفر بالمكاسب هو الأساس. الاعمال التي تنال اعجاباً هي محط الاهتمام لا الاعمال المرتبطة بمجهودٍ متواصل. هناك زيف الترويج لصور القوى النافذة. لقد فهم أهل الفن والرياضة ورجال الاعمال ورموز السياسة اللعبة إلى درجة بعيدة. لأن قانون العيش وسط الاحتيال العمومي قائم على قواعد اللعب غير النظيف. قواعد خفية بحكم كون الثقافة الرائجة هي شفرات الصورة. ويدرك هذا اللاعب أو ذاك أن فك الشفرات يحتاج نزولاً إلى أرض الثقافة. ومن ثم يكثر هؤلاء الفنانون والرياضيون إغراق تفاصيل الحياة عبر الصور. لأنهم في مكانة تسمح لهم بصناعة الصورة، كما لا يعنيهم الواقع كثيراً. فالثروات والمكانة غدت هبات غير مستحقة.

عندما يصور القاضي المزيف وضعياته في قاعة المحكمة وهو ينطق ببعض الكلمات، فهو يفك إحدى شفرات الثقافة. السلطة تقبل من يقبلها ويعمل وفقاً لقواعدها السرية. وأن ذلك وعد متقدم بالشهرة والرواج الاجتماعي. القضاء له كل الاهمية داخل الثقافة الراهنة، مساحته مليئة بالألوان السياسية والثقافية والاخلاقية والمعرفية. والأخطر هو إطار الثقة الممنوحة مجاناً لهذا النمط من الوظائف. ولا تستطيع كقارئ أن تنتزع الاطار وإلا انتزعك من مكانتك أيا كانت.

المجال العمومي دائرة لا تعترف إلاَّ بالصورة. ذلك بخلاف حقيقة الصورة في الواقع. وقد تم وضع كامل الحقيقة فيها، إن صورة الاثرياء والسيارات الفارهة والمشاهد السياحية وبيوت الفنانين والرياضيين شكلت لاوعي الأفراد. كانت مادة دسمة جعلت الحياة صورة ليس أكثر. اختزلت الحياة في لقطات هي الأهم. بجانب أنَّ الصورة لا تأتي عارية، ولكنها محاطة بكم فاخر من المبالغة وخطف الانظار. في مقابل سيل غير قليل من لعاب الحرمان والامنيات المغبونة التي يطلقها المهمشون.

طبيعي أن يعتمد تصرف المهمشين على الصور المزيفة الرائجة. ولكن بأية صيغة تعد الصور مزيفة؟ هناك "حساب للرغبات" يحدد بوصلة التعامل مع الواقع. فالرغبة في الثراء الفاحش هي الرغبة في الشهرة والمكانة، لأنَّ الأفراد ربطوا صور الأثرياء وأصحاب الثروات وانماط الحياة الفاخرة بآثارها. وقلبوا النتائج إلى مقدمات. فالصور نتائج لا مقدمات كما هو معروف.

أحتل الاثرياء مكانة اجتماعية بفضل ثرواتهم وبعض الانجازات ثم جاء التقاط الصور. بينما لا يفهم المهمشون وضعاً كهذا، فغدت الصور سبباً في الثراء وهي المفتاح السحري لمقاومة البؤس. إذن فلتكن الصورة المزيفة للقاضي طريقاً للمكانة كما يعتقد. لا وسيلة أمام فقر الواقع وبؤس الحال إلاَّ إلتقاط الصور. ونظراً لأن لاوعي القاضي المزيف لم يدرك عملاً حقيقياً ولا خطاً شاقاً للصعود، فأخذ يؤسس لواقعه البائس بانتحال الصفة. وهو الانتحال نفسه الذي يلتقي مع احتيال الواقع العام.

صنم السلطة

جيئة وذهاباً، تلح الصور البراقة في الحياة العامة على نمط العيش السريع. القاضي المزيف أراد امتلاك هذا النمط من العيش، وكل ما يعرفه هو الصورة التي ستكون سريعة، وفي الوقت عينة ستملأ الفجوة مع الواقع. وستوفر له ثقةً إزاء الناس بحيث يستطيع ممارسة خداعه واستقطاب الضحايا. لأنه لم يكتف بالصورة، إنما استعملها في الاحتيال والوعود بحل مشاكل الناس القانونية مقابل أموال.

لا تستوفي أية صورة ذلك المعنى، بل تذهب بمحتواها إلى مدى بعيد. من هنا ذهب المنتحل المزيف إلى صورة القاضي تحديداً. فهي تعطية مهابة دون ثمن، وسلطة دون مبرر، كما أنها تحقق نظرات المحطين به وتسمح له بالإدعاءات التي يخافها الجميع. فعالم القضاء سري تماماً ولا يجوز للمتطفلين تناوله كثيراً. وكل الأشياء المتداولة عن القضاة أشياء مسربة، وليس هناك خط واضح بين الصدق والادعاء فيها. ولعل وافر السلطة المختزن في صور القضاء كان مصدر اغواء أكثر من غيره.

هناك صور متحركة (مقاطع فيديو) نشرها القاضي المزيف وهناك صور ثابتة (فوتوجرافية). لعلَّ اللقطة مع افتراض المهابة تُوثق الصورة في لاوعي الناس. ولأن المجال العمومي لا يحتمل النقد ويخضع للتسليم المباشر، فقد لجأ إليه أناس كثيرون لحل مشاكلهم القضائية. وهم لا يدركون أن صورته فارغة من القانون وخالية من السلطة والقوة التي يأملونها. إن صور القاضي تظهر كقشرة خارجية ولا تملك إلا أن تكون براقة دون مضمون. وتلتقي في الهدف مع صور الفنانين ورجال الاعلام والسياسة.

تؤدي الصور دور الصنم في دائرة الأديان. هي ظل لإله لا يكون. ومهما تشبث يها الناس، لن تقوي على مجابهة الحقيقة. فهي خالية من الرمزية وخالية من الواقع، والأهم أنها صامتة صمت القبور. وفي مجتمع لا يستطيع التعامل إلا بالأصنام، تنتشر الأخيرة عبر مجالات شتى سياسية كانت أم اجتماعية أم دينية.

مهما كانت الصور منتشرة، فسلطة الدولة والمجتمع تخاف من حقيقتها. لأنها سلطة أمر واقع. في حين أن الحقيقة هي ما تخيف بالأساس. ولذلك تم القبض على القاضي المزيف. وبعض الاعتبارات القانونية في غاية الأهمية. مثل انتحال صفة وظيفية والنصب والاحتيال على المواطنين والتصوير في أماكن محظورة بأمر القانون مثل المحاكم والهيئات القضائية. ولكن الأهم هو سرقة السلطة، لأن القاضي المزيف سرق بعضاً مما لا يخصه ويخص السلطة بالمقام الأول.

وهذا شيء في غاية الأهمية أنَّ اغواء الصورة مقرون بشيء ليس لنا امتلاكه، وأن الرعب الكامن فيها ناجم عن سرقة معنى السلطة. فمن الممكن لأي شخص أنْ يصور شخصاً ذا مكانة أو أن يلتقط صورة بجواره، ولكن لا ينبغي عليه أن يسرق صفته سواء أكان تصويراً أم حقيقة. والغريب أنه مسموع للرموز وأصحاب المكانة أنْ يحتلوا موقعاً داخل نظام السلطة، ولكن غيرهم من المهمشين لا يمكنهم فعل ذلك. وليس بإمكانهم حتى الإدعاء به، لأنَّ هذا الادعاء الصغير يصطدم بالهيمنة الضخمة لفائض السلطة.

السلطة التي تكونت من ميراث الثقافة تخشى على صورتها لا صور المهمشين. إن رمزية الصورة أقوى من الواقع، ومع اعتراف القاضي المزيف بكونه غير متعلم وأنه فشل في أن يكون شيئاً مهماً في المجتمع، إلاَّ أن المفاجئ هو سرقة الرمزية. والسلطة هي التي أنهت أية مشروعية خارجها. ولذلك ستكون الصور التي تواجد فيها صور محل إدانة مسبقة. ليس من مؤسسات الدولة وحسب، بل من الناس العاديين أيضاً. ولم يتساءل أحد لماذا فعل القاضي المزيف هذا الفعل؟ وهل مكانة أصحاب الصور الرائجة في المجتمع حقيقية أم لا؟

***

د. سامي عبد العال

في المثقف اليوم