قضايا
ليلى تبّاني: مدارس تصنع طفولة مكسورة
فلسفة تستجلي ظاهرة الرعب الخفي في مؤسّساتنا
لم يكن المشهد الذي رأيته عابرا. "إسلام" ابن أختي، طفل في سنته الأولى من التعليم الابتدائي، تقف أمّه أمامه في صباح عادي بعد عطلة ربيعية قصيرة، ترتّب حقيبته وتدعوه برفق للعودة إلى المدرسة، بينما هو ينهار بالبكاء، يرفض، يتشبث بالبيت كأنّه يهرب من خطر يتوعّده لا يُرى. كان بكاؤه صادقا، لا يحمل دلعا طفوليا عابرا، بل يحمل شيئا أعمق، رفضا غامضا، وخوفا لا يعرف كيف يشرحه. عندها فقط، بدأت أسأل نفسي، كيف يمكن لطفل ذكي ونشيط ومحبّ للحياة مثل إسلام أن يرى في المدرسة هذا الوجه المظلم الذي يدفعه إلى الانكسار؟ أرعبني بكاء هذا الطفل البريء، أهي المدارس مرعبة إلى هذا الحد؟ هل صارت المدارس تنتج طفولة مكسورة؟
هذا السؤال البسيط ظاهريا يقودنا إلى أزمة أعمق بكثير من حالة فردية. نحن لا نتحدّث عن طفل واحد، بل عن نمط يتكرّر في مدارس الجزائر، كما في كثير من مدارس العالم العربي، حيث يتحوّل الدخول إلى المدرسة من "افتتاح للمعرفة" إلى نوع من العبور القلق، وكأنّ الطفل يُدفع من فضاء الدفء والحرية إلى فضاء آخر أكثر صرامة وبرودة، لا يفهمه جسده الصغير ولا روحه المفتوحة على اللّعب والاكتشاف.
منذ قرون رأى "جان جاك روسو " أن الطفل يولد على الفطرة، محبّا للمعرفة بطبيعته، وأن العنف الحقيقي ليس في الجهل، بل في الطريقة التي نفرض بها التعلم. وحين ننظر إلى المدرسة التقليدية، نجدها في كثير من الأحيان تفصل الطفل عن هذه الفطرة، وتستبدل الفضول بالواجب، والاكتشاف بالحفظ، واللّعب بالجلوس الطويل والصمت المفروض. هنا تبدأ الطفولة في التشقّق بصمت، لا دفعة واحدة، بل تدريجيا، مع كلّ جرس، وكلّ اختبار، وكلّ نظرة تقييم.
وفي عمق هذا التشكل القاسي، يتوافق تحليل "ميشيل فوكو" مع وضع تعيشه مدارسنا، حيث كشف في مؤلّفه "المراقبة والمعاقبة" كيف تتحوّل المؤسسات الحديثة إلى أجهزة دقيقة لإنتاج الطاعة. فالمدرسة، في هذا التصور، ليست مجرد مكان للتعلّم، بل فضاء يُعاد فيه تشكيل الجسد والسلوك، الجلوس في صفوف، رفع اليد قبل الكلام، ضبط الوقت بدقّة صارمة، مراقبة مستمرة، وتقييم دائم. لا حاجة للعنف الصريح، فالمراقبة نفسها كافية لصناعة سلوك منضبط، لكنّه في كثير من الأحيان مثقل بالخوف الداخلي.
أدركت حينها أنّ بكاء "إسلام" صار مفهوما بشكل مختلف. إنّه ليس رفضا للمعرفة، بل رفضٌ لشكلها. ليس هروبا من التعلّم، بل من الطريقة التي يُقدَّم بها التعلّم. فالطفل لا يملك مفاهيم فلسفية عن السلطة، لكنّه يشعر بها. يشعر أن هناك شيئا يضغط على حركته الطبيعية، يطلب منه أن يكون أقلّ عفوية، أقلّ ضجيجا، بل أقلّ طفولة.
وقد حاول "جون ديوي" أن يعيد تعريف المدرسة باعتبارها حياة لا استعدادا للحياة، حيث يتعلّم الطفل من التجربة لا من التلقين، ومن الفعل لا من الصمت. وفي ذات السياق دافعت "ماريا مونتيسوري" عن فكرة أنّ الطفل يتعلّم أفضل حين يُترك في بيئة حرّة منظمة، تسمح له بالتحرك والاكتشاف وفق إيقاعه الخاص، لا وفق إيقاع مفروض من الخارج.
لكن المسافة بين هذه التصورات والواقع في كثير من مدارسنا لا تزال واسعة. في الجزائر والعالم العربي عموما، ما تزال المدرسة محكومة بثقل المناهج، وكثافة الأقسام، وضغط التقييم، مما يجعلها أحيانا أقرب إلى مؤسسة لضبط السلوك منها إلى فضاء لبناء الإنسان. وهكذا، دون أن تقصد، تتحوّل إلى تجربة تُرهق الطفل عاطفيا، وتدفع بعضه إلى ما يشبه الرفض المبكر للعالم المدرسي.
إن أخطر ما في الأمر أن هذا الانكسار لا يظهر دائما كصرخة واضحة، بل كدموع صغيرة عند الباب، كصمت داخل القسم، كنفور صباحي متكرر. ومع مرور الوقت، قد يتحوّل إلى علاقة مضطربة مع التعلم نفسه، حيث ينفصل الطفل عن الفكرة الأولى للمعرفة بوصفها متعة، ويبدأ في رؤيتها بوصفها عبئا.
إن ما رأيته مع "إسلام" ليس حادثة شخصية، بقدر ما هو علامة على ضرورة إعادة التفكير في معنى المدرسة نفسها، هل هي فضاء لصناعة الطاعة أم لصناعة الإنسان؟ هل نريد طفولة كاملة تنمو بالدهشة، أم طفولة مكسورة تتعلم مبكّرا كيف تخاف من المعرفة؟ أو أماكن تلقّي المعرفة؟
ربما لا تحتاج المدارس إلى أن تُلغى، بل أن تُستعاد روحها الأولى، أن تكون أقرب إلى اللّعب، إلى الحياة، إلى الطفل كما هو، لا كما نريده أن يكون. حينها فقط قد تتوقّف الطفولة عن الانكسار على عتبة القسم، ويعود باب المدرسة بابا للدهشة لا للخوف.
***
ليلى تبّاني ـــ الجزائر







