إشكالية الماضي وسؤال الحاضر
في ذكرى وفاة النبي الأكرم ﷺ، ينبغي أن نسأل أنفسنا -نحن المسلمين- هذا السؤال: من أين استقى الكارهون من المستشرقين هذه المادة الضخمة التي يطعنون بها في شخصية النبي محمد ﷺ ونبوته وسيرته؟
أليست من موروثنا الروائي والتاريخي؟
ألسنا نحن من قدّمنا لهم هذه المادة على طبقٍ من ذهب، من خلال جملةٍ من الروايات والسرديات التاريخية التي لا يقلُّ ما يُقالُ في كثيرٍ منها إنها مدسوسة أو من الإسرائيليات؟
وقبل أن نوجّه إصبع الاتهام إلى هؤلاء المستشرقين، يجدر بنا أن نوجّه النقد والمساءلة إلى كثيرٍ من الروايات المتعلقة بالسيرة النبوية، والموجودة في تراثنا الروائي والتاريخي، السني والشيعي على حدٍّ سواء.
لقد تحوّلت بعض هذه الكتب إلى ما يشبه المسلّمات التي لا يجوز الاقتراب منها أو إخضاعها للنقد، بوصفها -في نظر أتباعها- أصحّ الكتب بعد كتاب الله.
ولذلك، فإن كل محاولة لمراجعتها أو نقدها قد تجرّ على صاحبها تُهمًا تبدأ بالتكفير، وقد تنتهي بالسجن أو حتى القتل، على أيدي بعض المتشددين أو من يتبنّون هذا النهج داخل المؤسسة الدينية.
وبفعل هذه الرؤية، وما كرّسته بعض كتب التراث، نشأ تصوّران عن النبي محمد ﷺ:
الأول: محمد القرآني؛ وهو النبي الذي تهفو إليه القلوب، وتفخر بالانتماء إليه، لما تجسّده سيرته من عظمة، وما تمثّله أخلاقه وأفعاله من سموٍّ وإنسانية.
والثاني: محمد الروائي أو التاريخي؛ وهو التصور الذي رسمته بعض الروايات التاريخية، حتى بات يثير النفور لدى كثيرين، ويجعل بعض النفوس تستثقل ما نُسب إليه من أقوال وأفعال.
إن صعوبة تقبّل هذه الحقيقة من قِبل قطاعات من المؤسسة الدينية -السنية والشيعية- تتمثل في رفض الاعتراف بعدم صحة عددٍ غير قليلٍ من الروايات والخرافات التاريخية التي تسللت إلى التراث.
ويشبه ذلك حال طفلٍ عاش وترعرع في بيت أبويه، حتى إذا كبر أخبراه بأنه ليس ابنهما، وإنما وجداه لقيطًا عند باب أحد المساجد أو في قارعة الطريق.
ومع كل هذه العقبات، لا بد أن تستمر الدعوات التنويرية التي بدأها عددٌ من المفكرين والأعلام، من داخل المؤسسة الدينية وخارجها، في الماضي والحاضر؛ بهدف كسر أصنام هذا الموروث الزائف، وتحريره من هيمنة المتسلطين على المؤسسة الدينية، والعمل على غربلته وتنقيته بما ينسجم مع سيرة الإسلام ونبيه، ويصون مكانتهما من كل ما علق بهما عبر التاريخ.
***
د. علاء كاظم الجابري








