عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

محمد سيـف: القناعـــات المغلوطـــة ليست أخطــر القناعــات

حتى أَئِدَ أيّ افتراض غير دقيق، يُتوهَّم من العنوان، فإنّي أؤكد على كارثية القناعات المغلوطة قولا واحدا، وإنما غايةُ ما أرومُه هنا هو اعتبار المقارنة، فهناك طبقة متوغّلة من القناعات هي أخطر من القناعات التي نراها مغلوطة كما سأكشف عنها قريبا، على أن حكم الخطأ الذي ننسبه للقناعات إنما هو حكم نسبي، تتفاوت فيه الأذهان، فما هو خطأ لدى عقلٍ ما هو صواب لدى عقل آخر، وهلمّ جرّا، وحينما نصِم قناعة ما بكونها خطأ فهي من منظور الفرد ذاته بغضّ النظر عن دقة حكمه، ولا حكم مطلق على كل حال.

الأمر الآخر الذي يقتضي مني لفت النظر إليه في هذا المقام هو أن الإطار العام للقناعات التي يتطرق مقالي إليها هو  القناعات الشخصية التي تؤثر على الفرد، وتنعكس في سلوكه، وتتجسّد في استجابته للحياة، ولئن كانت القناعات الشخصية المغلوطة خطرا يجرّ إلى صاحبه ويلاتٍ جسيمة غير أنّه سرعان ما يتخلّص من آثارها متى ما انتبه إليها، وعمد إلى إصلاح ما أفسدته من مفاهيم متفرّعة أو إسقاطات عملية، والمفارقة في عالم الأفكار أن ما قد يراه الفرد خطأ قد يكون صوابا من وجهة نظر أخرى، فحتى ما يتبيّن لبعضنا خطؤه قد لا يكون خطأ بالمرة في مرآة البعض الآخر.

ولأنّ الإطار العام للقناعات المشار إليها هنا هو القناعات الذاتية، فمن الجيد أن أبدأ بهذه التوطئة التي لا بد منها، وهي أنّ كل حركة وسكون تصدر منا إنما يكون مردُّها قناعة داخلية ننطوي عليها، مترسخة فينا على تطاول الزمان، تقود ما يندُّ عنا من ممارسات، وتحكم عالمه، وتقنن مجراه، وتشعل جذوته.

هذه القناعات منها ما ندركه فينا، لدرجة أننا نرددها شعاراتٍ نفتخر بها أمام المَلأ أو في دوائرنا الخاصة على أقل تقدير، وهذا النوع من القناعات نستطيع محاكمته ومراجعته والوقوف على الزائف منه وتعديله؛ لأنه بَيّنٌ أمام إدراكنا، غير أنّه ثمة نوع من هذه القناعات الدخيلة مدفون فينا، غائر العمق، لا يصله إدراكنا الواعي إلا بشق الأنفس، رغم أنه يتغذى عليه، كما أنّ من هذه القناعات ما هو سلبي، ومنها ما هو إيجابي، وعن السلبي من هذا النوع من القناعات الخفية أتحدث في مقالي هذا، ومن أمثلة هاته القناعات: أنا فاشل في مهارة كذا، لا يوجد أحد صافي السريرة، يمكن انتهاك حق الإنسانية بالدين، لا يمكن أن أصل أبعد من كذا، الإجابات الوجودية نهائية وموجودة لدى طائفتي… إلخ.

إنّ خطورة هذه القناعات السلبية والمغلوطة الخفية، أنها شبحية، فنحن نستقي منها دون أن نعي بوجودها، ونصطدم بتحديات نفسية وفكرية وحياتية نحاول حلّها باعتبارها مشكلات، وما هي إلا ظواهر لمشكلة جذرية تتمثّل في قناعة سلبية داخلية غير واعية فينا أي بعيدة عن إدراكنا؛ ومن أجل ذلك لا تفتأ تظهر تلكم المشكلات بعد تراجعها المؤقت في كل مرة؛ لأن جذرها لم يُستأصل.

إن هذه القناعات السلبية المغروسة فينا إنْ كانت تفتّ في عضد كياننا وثقتنا بأنفسنا ونقاط قوتنا، أو كانت تشطح بنا شطحات فكرية، تجعلنا بُؤَر خراب تقوّض مجتمعاتنا، فهي أخطر من القناعات التي ندركها؛ لأننا ببساطة بالغة غير مدركين إيّاها، والتي عادة ما تكون قد تسللت إلينا من معتقد ديني سابق، أو تضليل إعلامي متقصّد، أو بقيت فينا من صدمات ماضية، خصوصا المراحل المبكرة من أعمارنا، إلى غيرها من أسباب.

إن خطرَ القناعات السلبية والمغلوطة الخفية يتعدّاها ليغذي قناعات صغرى متفرّعة منها، ومنها ما يتجسد مباشرة في هيئة تصرفات تصدر منّا باعتبارها معبّرة عن شخصيتنا، وسِمة أصيلةً فينا، وطبعا لا ننفكّ عنه، كقناعة الفشل، ومنها يتفرّع مثلا الخوف من التعبير عن الذات؛ لعدم الاستحقاق، أو الانسياق لانطباع الآخرين عنا؛ لأن الفرد بهذه القناعة الخفية يتشكك في إيمانه بذاته، ولأنّ الفرد ليس مدركا لقناعة الفشل الخفية؛ فهو يظن أن الخوف من التعبير عن الذات إنما هو مشكلة مجردة في الخوف من التحدث أمام الناس، وما إنْ يحاول إصلاح  ما يراه مشكلة - لكنه عَرَض للمشكلة المتمثلة في القناعة الخفية - حتى يعترف بعجزه بعدما يدرك كيف أن المشكلة تعاود الظهور مجددا ولو بعد حين.

مثالٌ ثانٍ يمكن أن يتمثّل في سلوك التعامل بعداء وهجومية مع الآخرين، ويراه الفرد في نفسه طبيعة شخصية جينية، وهو لا يعدو أن يكون إسقاطا لقناعة خفية، وربما ردة فعل نفسية، وهي أن كل الناس سفلة وضيعون، لكنه لا يدرك هذه القناعة بوعي في نفسه، فيعمد هذا الفرد إنْ أراد أن يقوّم من سلوكه إلى طباعه فيهذّبها، ويتعلم الأساليب، ويقرأ الكتب، ولكنه لا يفلح إلا بقدر ضئيل ومؤقت؛ لأن قناعته الداخلية الخفية ترفد طباعه المتشنّجة تلك.

مثال ثالث، أنْ يجد المرءُ في نفسه انقباضا في تقبّل أي فكرة جادّة في قضية ما، لا لشيء سوى أن قناعة دينية خفيّة مترسخة في ذهنه تقف سدا منيعا بينه وبين استمراء ما يعارضها، لكنه غير مدرك لهذه القناعة الدينية الضمنية المتجذرة في داخله، فلا يقرأ الأمر سوى أن الأدلة التي تعضد هذه الفكرة ليست بذاك، بينما الخلل يكمن في تشويشٍ هائل تقوم به خفيةً تلك القناعة الدينية، وتمارسه في آلة النقد الفردية دون أن ينتبه لها.

إذا كنا لا ندرك هذه القناعات السلبية والمغلوطة الخفية القابعة في دهاليز عقولنا، فكيف نعلم بوجودها حتى نتلافى أضرارها الجسيمة؟ هذا هو السؤال الملحمي الذي يجدر بنا أن نحشد له كل قوات وعينا الذاتي، ولربما تكمن الخطوة الأولى في الافتراض بوجودها بادئ الأمر، ثم التفتيش عنها في كل مشكلة عويصة تواجهنا إنْ شخصية وإنْ فكرية، خصوصا تلك المتكررة منها، ومحاولة التتبّع العكسي للفكرة المغذية، تتبعا إلى أقصى حد يمكننا الوصول إليه، تماما كما ننتبع في الشجرة الثمرة إلى غصنها إلى جذورها إلى آخر عرق منها يمكننا الوصول إليه، هذه هي اللَّبِنة الأولى للإمساك بأول خيط يقود لهذه القناعات، وستتفاجأ أنها معدودة جدا، ولك أن تتخيل أنه كم من مشكلات مردّها قناعة سلبية مغلوطة واحدة، بل يحدث أحيانا أن كل الفوضى التي يذوق الفرد منا مرارتها ويقاسي لعناتها ما هي سوى امتداد ساحق لقناعة سلبية خفية واحدة لم ينتبه له وعيه!

***

محمـــد سيـــف

في المثقف اليوم