في المجتمعات غير الصحية تزدهر الخرافات الطبية
انتشرت خرافة "نظام الطيبات" في المجتمعات العربية والإسلامية الراهنة كالنار في الهشيم نتيجة تضافر عوامل بنيوية سياسية واقتصادية وثقافية معقدة؛ فهل كان تفاقم الفقر وغياب التغطية الشاملة للتأمين الصحي الدافع الأساسي لالتجاء البسطاء إلى هذه الأوهام العلاجية كبديل رخيص؟ أم أن الجهل وتجذر الثقافة السحرية والخرافية في الوجدان الجمعي هو الذي مَهّد البيئة الخصبة لتقبل هذه الادعاءات دون وعي علمي؟ وبأي قدر ساهمت خوارزميات السوشيال ميديا ومنصات التواصل الاجتماعي في تضخيم هذه الظاهرة وتسريع وتيرة انتشارها عبر صناعة "تريندات" مضللة؟ أم أن هناك أبعاداً أخرى غائبة، كأزمة الثقة في المؤسسات الطبية الرسمية، تجعل من هذا الانتشار نتاجاً لتداخل وتشابك كل هذه الأسباب معاً؟ تلك الأسئلة وغيرها هي التي ناقشتها ندوة البارحة في منتدى الفكر والفلسفة بعنوان «التدليس في الممارسات الطبية وطرق كشفه»، قدمها الطبيب والمثقف المصري الدكتور بهي الدين مرسي، وأدارها الأستاذ الدكتور بهاء درويش، أستاذ الفلسفة المتفرغ بكلية الآداب – جامعة المنيا، وعضو اللجنة الدولية لأخلاقيات البيولوجيا باليونسكو – باريس. وقد أثارت الندوة في ذهني سؤالًا أوسع من موضوع التدليس الطبي المباشر: كيف يمكن أن نفهم عودة السحر والشعوذة والخرافة إلى المجال الطبي في مجتمعات عربية معاصرة واولها مصر واليمن والعراق والسودان وغيرها، في الوقت الذي تعيش فيه البشرية ثورة طبية وتكنولوجية غير مسبوقة جعلت صحة الإنسان ورفاهه وسعادته ومتوسط عمره واحدة من أهم مؤشرات تقدم المجتمعات ونجاح سياساتها؟
وتعد ظاهرة «نظام الطيبات» الذي روج لها ضياء العوضي مثالا يستحق البحث والدراسة إذ تحول من مجرد منظومة غذائية إلى ظاهرة اجتماعية وفكرية وإعلامية واسعة، الأمر الذي يجعل السؤال عنه يتجاوز بكثير حدود الطعام والحمية: لماذا انتشرت هذه الظاهرة بهذه السرعة؟ هل لأن الفقر يجعل الإنسان يبحث عن علاج أقل كلفة؟ أم لأن الخوف من المرض والموت يجعله أكثر قابلية لتصديق الوصفات السحرية؟ أم لأن الجهل وضعف الثقافة العلمية يحرمان الإنسان من أدوات التمييز بين المعرفة والوهم؟ أم لأن الثقافة السحرية والخرافية ما زالت حاضرة في بنية الوعي الاجتماعي العربي؟ أم أن السوشال ميديا جاءت لتجمع هذه العوامل كلها وتمنح الخرافة قوة انتشار لم تكن متاحة لها في أي عصر سابق؟ أعتقد أن الإجابة لا تكمن في سبب واحد، وإنما في شبكة معقدة من العوامل الاقتصادية والنفسية والثقافية والسياسية والإعلامية، بحيث يصبح «نظام الطيبات» مجرد عرض من أعراض مرض اجتماعي أعمق، هو قابلية المجتمع غير الصحي لتصديق الوهم والبحث عن الخلاص خارج المعرفة العلمية.
فإذا أردنا أن نفهم ظاهرة شيوع السحر والشعوذة في المجال الطبي العربي اليوم، علينا أولًا أن نفهم أن المرض ليس مجرد خلل عضوي يصيب عضوًا من أعضاء الجسم، وإنما هو تجربة وجودية تهز الإنسان من الداخل وتذكره فجأة بهشاشته وحدوده وعجزه أمام الموت؛ فالإنسان السليم يعيش عادةً في حالة من النسيان الجميل لجسده، يأكل وينام ويعمل ويسافر ويخطط للمستقبل وكأن الصحة حق مكتسب لا يمكن أن يُنتزع منه، لكنه عندما يمرض يكتشف أن ذلك الجسد الذي لم يكن يشعر بوجوده هو الشرط الأول لكل شيء، وأن الصحة التي كان يتعامل معها باعتبارها أمرًا طبيعيًا ليست كذلك على الإطلاق. ولهذا ظل المرض منذ أقدم العصور، إلى جانب الموت، أحد أكبر مصادر الخوف الإنساني، وارتبطت به عشرات المفاهيم والتسميات: الداء والعلة والسقم والوجع والألم والوهن والعجز والضنى والضر والوباء والابتلاء وغيرها، وكلها تعكس محاولات الإنسان القديمة لفهم ما يعجز عن تفسيره والسيطرة على ما يخشاه.
ومن هنا يمكن أن نفهم ذلك الحلم الإنساني القديم بالعثور على «إكسير الحياة» وحجر الفلاسفة والوصفة السحرية التي تمنح الإنسان الصحة الدائمة والشباب الأبدي وتؤجل الموت؛ فقد تغيرت اللغة والأدوات والأسماء، لكن الرغبة الإنسانية في هزيمة المرض والعجز والموت لم تتغير. كان الإنسان القديم يلجأ إلى الساحر والكاهن لأنه لم يكن يعرف الأسباب العلمية للمرض، أما الإنسان المعاصر فقد يلجأ إلى «خبير» يظهر على شاشة هاتفه، أو إلى معالج شعبي، أو إلى طبيب يتحدث خارج حدود اختصاصه، أو إلى رجل دين يقدم وصفة طبية، كما كان يفعل عبد المجيد الزنداني في اليمن لأن الجميع يشتركون في تقديم الإجابة التي يريدها الإنسان الخائف: هناك سر لا تعرفه، وهناك طريق للخلاص. وهنا تكمن المفارقة الحضارية؛ فقد انتقلنا من عصر السحر والكهانة إلى عصر الطب التجريبي والعلم الحديث، لكن الخرافة لم تختف، وإنما غيرت لغتها وأدواتها ووسائط انتشارها، فأصبحت أحيانًا ترتدي معطف الطبيب، أو تستعير لغة العلم، أو تتدثر بالمقدس، ثم تجد في وسائل التواصل الاجتماعي منبرًا عالميًا مفتوحًا.
ولعل ما يحدث في اليمن يقدم نموذجًا صارخًا لهذه المفارقة؛ فقد أشارت تقارير ودراسات ميدانية سابقة إلى انتشار مراكز وممارسات العلاج بالشعوذة في صنعاء ومناطق يمنية أخرى، وإلى أعداد كبيرة من المواطنين الذين يلجؤون إلى السحر والشعوذة، فضلًا عن إنفاق مبالغ كبيرة على هذه الممارسات. وتفيد الأرقام المتداولة في تقرير سابق لصحيفة «الثورة» اليمنية بوجود أكثر من 200 مركز للعلاج بالشعوذة ظهرت في العاصمة صنعاء خلال سنوات سابقة، وأن ما يقارب 300 ألف مواطن ومواطنة اضطروا إلى اللجوء إلى العلاج بالسحر والشعوذة، وأن النساء يمثلن نسبة كبيرة منهم، فضلًا عن آلاف الممارسين لهذه الأنشطة ومبالغ تنفق سنويًا عليها. وسواء اختلفنا مع بعض تفاصيل هذه الأرقام أو احتجنا إلى تحديثها والتحقق منها ميدانيًا، فإن الظاهرة ذاتها لا يمكن إنكارها، وهي التي تستحق منا أن نسأل: كيف يمكن لمجتمع عاش عقودًا في ظل التعليم الحديث والجامعة والطب والمستشفى والإعلام أن يعود في لحظة تاريخية إلى الكاهن والمشعوذ والعراف؟
إنها، في تقديري، واحدة من أكثر المفارقات سريالية في الحالة العربية المعاصرة؛ فبينما استطاعت الحضارة الحديثة أن تفكك كثيرًا من أسرار المرض، وأن تطور اللقاحات والأدوية والجراحة والتشخيص المبكر، وأن تجعل متوسط العمر يرتفع في كثير من المجتمعات، نجد قطاعات من مجتمعاتنا تعود إلى اللحظة البدائية، لا لأن الإنسان اليمني أو العربي أقل ذكاء من غيره، وإنما لأن شروط الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي تنتج العقل وتعيد تشكيله قد تدفعه إلى النكوص عندما تنهار مؤسسات المعرفة والثقة والحماية الاجتماعية. وهنا يصبح السؤال الحقيقي ليس: لماذا يؤمن الناس بالسحر؟ وإنما: ما الذي حدث للمجتمع حتى أصبح السحر مرة أخرى يبدو لبعض أفراده خيارًا معقولًا؟
لا شك إن الأفكار التي يحملها الناس عن المرض والصحة والعجز والموت والحياة لا تولد في فراغ، وإنما تنبع من علاقاتهم الاجتماعية وشروط حياتهم اليومية، ومن المؤسسات التي تحكمهم ومن أنماط السلطة والمعرفة التي تحيط بهم. وفي الحالة اليمنية الراهنة، حيث تراجعت مؤسسات الدولة الحديثة، وتدهورت الخدمات الصحية، واتسعت دائرة الفقر، وانخفضت الثقة بالمؤسسات، وأصبحت الحرب والعنف والانقسام السياسي والطائفي جزءًا من الحياة اليومية، يصبح انتشار السحر والشعوذة والخرافة الطبية أحد أعراض الانهيار العام في بنية المجتمع، لا ظاهرة منفصلة عنه. وحين تصبح الخرافة جزءًا من خطاب السلطة أو الجماعة أو المؤسسة الدينية، فإنها لا تعود مجرد اعتقاد فردي، وإنما تتحول إلى أداة من أدوات إعادة إنتاج الوعي والسيطرة عليه؛ فالناس، كما يقول المثل، «على دين ملوكهم»، أو بصورة أكثر دقة: إن الناس يتأثرون بالثقافة التي تنتجها السلطة وتعيد المؤسسات الاجتماعية والإعلامية والدينية إنتاجها بحسب نظرية ميشيل فوكو عن المعرفة والسلطة؛ فكل سلطة لا تكتفي بإدارة الناس بالقوة، وإنما تنتج أيضًا أشكال المعرفة والخطابات التي تبرر وجودها وتمنحها الشرعية وتعيد إنتاجها. والسياسة الطبية ليست استثناءً من هذه القاعدة؛ فالطب نفسه يدخل في شبكة من علاقات القوة والمعرفة، ولذلك يصبح السؤال السوسيولوجي الأهم ليس فقط: ماذا يفعل الناس؟ وماذا يقولون؟ وماذا يعتقدون؟ وإنما: لماذا يفعلون ما يفعلونه؟ ولماذا يقولون ما يقولونه؟ ومن أين جاءت هذه الأفكار التي تحولت إلى عادات وممارسات؟ إن الممارسة الظاهرة ليست إلا الجزء المرئي من جبل الجليد، أما الجزء الأعظم فيختبئ في البنية الثقافية والنفسية والاقتصادية والسياسية التي تنتج تلك الممارسة وتمنحها معناها.
في دراستي للأسس الفكرية للصحة الاجتماعية قبل سنوات استوقفني كتاب مهم لعالم الاوبئة
البريطاني ريتشارد ويلكنسون بعنوان (المجتمعات غير الصحية: علل عدم المساواة) ترجمه محمد منير الأصبحي ونشرته مكتبة الملك فهد الوطنية. من المتب المهمة جدًا لفهم هذه الظاهرة؛ فويلكنسون لا يختزل صحة المجتمع في مقدار الثروة التي يمتلكها، وإنما في: كيفية توزع هذه الثروة؟ وما طبيعة العلاقات الاجتماعية التي تنتجها؟ وما مقدار العدالة أو عدم المساواة الذي يعيشه الناس؟ فالمجتمعات الغنية ليست بالضرورة مجتمعات صحية، لأن الصحة العامة لا تتحدد بالدخل الإجمالي وحده، وإنما تتأثر بشدة بمستوى التفاوت الاجتماعي وعدالة توزيع الفرص والثروة ، وبالمكانة النسبية للفرد، وبدرجة الثقة والتماسك الاجتماعي، وبالشعور بالكرامة والأمان والانتماء إذ أكد بالمجتمع غير المتكافئ لا ينتج الفقر المادي فقط، وإنما ينتج أيضًا فقرًا نفسيًا واجتماعيًا ورمزيًا. فالإنسان الذي يعيش في أسفل السلم الاجتماعي تحت ضغط دائم من الحاجة والمهانة وعدم الأمان لا يتأثر جسده بالفقر وحده، وإنما يتأثر أيضًا بالإجهاد المزمن والشعور بالدونية والعجز وفقدان السيطرة على الحياة. وعندما تتآكل الثقة الاجتماعية، وتضعف الروابط بين الناس، ويشعر الفرد بأنه متروك لمصيره في مواجهة المرض والبطالة والفقر والموت، فإنه يصبح أكثر قابلية للبحث عن بدائل تمنحه الشعور بالسيطرة والمعنى، حتى لو كانت هذه البدائل خرافية. وهنا تصبح الشعوذة ليست مجرد جهل، وإنما آلية نفسية واجتماعية للتكيف مع واقع غير محتمل.
التفاوت الاجتماعي لا يهدد صحة الفقراء وحدهم، وإنما يضر بالمجتمع كله، لأنه يضعف الثقة ويزيد القلق ويعمق الشعور بالظلم والحسد والقهر والحرمان، ويدفع الأفراد إلى البحث عن وسائل للهروب النفسي من واقعهم. ومن هنا يمكن أن نفهم العلاقة بين المجتمع غير الصحي والخرافة الطبية: فحين تكون الحياة نفسها غير صحية، يصبح من الطبيعي أن تبحث الجماعة عن حلول غير صحية لمشكلاتها الصحية فالصحة ليست، كما هو شائع، مجرد انتفاء المرض العضوي أو العقلي، وإنما هي حالة مركبة تشمل العافية الجسدية والنفسية والعقلية والاجتماعية والبيئية والاقتصادية والثقافية والأخلاقية وغيرها من شروط الحياة الإنسانية. وقد عرفت منظمة الصحة العالمية الصحة بأنها حالة اكتمال السلامة البدنية والعقلية والاجتماعية، وليس مجرد الخلو من المرض أو الوهن. وإذا أخذنا هذا التعريف في أبعاده الاجتماعية والفلسفية، فإن صحة الإنسان لا يمكن أن تتحقق في مجتمع مريض بالظلم والفقر والحرب والخوف وانعدام الثقة؛ لأن الجسد يعيش داخل المجتمع، والنفس تتشكل داخله، والعقل يتغذى من ثقافته، والصحة الفردية في نهاية المطاف ليست منفصلة عن الصحة الاجتماعية.
وإذا كان الفقر والخوف والمرض يشكلون مثلثًا نفسيًا واجتماعيًا يمهد الطريق واسعا للسحر والشعوذة والخرافة ، فإن السوشال ميديا تمثل ضلعًا رابعًا شديد الخطورة؛ فهي تمنح الخرافة قدرة هائلة على الانتشار وإعادة الإنتاج، وتحوّل القصص الشخصية إلى أدلة، والمشاهدات إلى شرعية، وعدد المتابعين إلى سلطة معرفية وهمية. وهكذا يمكن لوصفة غذائية أو قصة علاج بالسحر أو الأعشاب أو الرقية أن تنتشر في ساعات بين ملايين الناس، بينما يحتاج البحث العلمي إلى سنوات حتى يمر بمراحل الاختبار والمراجعة والنشر. وهذه المفارقة الزمنية بين بطء العلم وسرعة الخرافة تجعل المجتمعات التي تعاني أصلًا من ضعف التعليم والثقة والمؤسسات أكثر تعرضًا للتضليل.
ولهذا فإن «نظام الطيبات» نموذجًا معبرا ظاهرة اعمق؛ ظاهرة تتعلق بالإنسان عندما يواجه الفقر والمرض والخوف، فيبحث عن معنى وعن أمل وعن قدرة على التحكم في مصيره، فتأتي الخرافة لتقدم له ما يعجز الواقع عن تقديمه: يقينًا سريعًا وحلًا بسيطًا ووعدًا بالشفاء. وقد تناولت صحيفة «الغارديان» البريطانية الظاهرة في تقرير عن تنامي تأثير «نظام الطيبات» رغم المخاطر المرتبطة به، وهو ما يؤكد أن المسألة لم تعد مجرد حمية غذائية فردية، وإنما أصبحت ظاهرة إعلامية واجتماعية تستحق الدراسة والنقد.
ولذلك فإن مواجهة هذه الظاهرة لا يمكن أن تكون بالسخرية من ضحاياها أو بوصفهم بالجهلاء، وإنما تبدأ بإصلاح شروط الحياة التي تنتجها: تعليم علمي جيد، وتأمين صحي عادل، ومؤسسات طبية موثوقة، وأطباء يحترمون عقل المريض ويستمعون إليه، وإعلام صحي مسؤول، ومناهج مدرسية تعلم التفكير النقدي، وتشريعات تلاحق التدليس الطبي، ومنصات رقمية أكثر مسؤولية في التعامل مع المعلومات الصحية. فالإنسان الذي يشعر بالأمان أقل قابلية للخرافة من الإنسان المذعور، والإنسان الذي يملك تأمينًا صحيًا أقل حاجة إلى الوصفة السحرية من الإنسان الذي لا يستطيع شراء الدواء، والمجتمع الذي يتمتع بالثقة والتماسك أقل استعدادًا لتصديق من يبيع له الوهم.
وفي النهاية، ربما يكون الدرس الأعمق الذي يمكن استخلاصه من «نظام الطيبات» ومن انتشار الشعوذة الطبية في مجتمعاتنا هو أن صحة المجتمع لا تبدأ من المستشفى فقط، وإنما من طبيعة المجتمع نفسه؛ من مستوى العدالة فيه، ومن توزيع الثروة، ومن التعليم، ومن الثقة، ومن الأمن، ومن الكرامة الإنسانية، ومن قدرة الفرد على أن يعيش حياة يشعر فيها بأنه قادر على التحكم في مصيره. وهذا هو المعنى العميق الذي يساعدنا كتاب ريتشارد ويلكنسون، المجتمعات غير الصحية: علل عدم المساواة، على فهمه: إن المجتمع الذي يترك الناس في حالة دائمة من التفاوت والقهر والخوف لا ينتج أمراضًا عضوية ونفسية فقط، وإنما قد ينتج أيضًا ثقافة مرضية تبحث عن الشفاء في المكان الخطأ.
فالفقير لا يواجه المرض بالطريقة نفسها التي يواجهه بها الغني، فحين يمرض الإنسان القادر يستطيع أن يدفع ثمن الفحوص والتحاليل، ويزور أكثر من طبيب، ويحصل على رأي ثانٍ، ويشتري الدواء، وربما يسافر إلى بلد آخر بحثًا عن العلاج، بينما يقف الفقير أمام المرض وهو يفكر أولًا في سؤال مختلف تمامًا: كم سيكلفني العلاج؟ ومن أين سأدفع ثمن الدواء؟ وماذا سأفعل إذا احتجت إلى عملية أو علاج طويل؟ ولهذا تصبح الوصفة الرخيصة أكثر جاذبية، فإذا قيل للمريض: لا تحتاج إلى هذه الفحوص، ولا إلى هذه الأدوية المكلفة، ولا إلى زيارة الطبيب، وإنما تحتاج فقط إلى تغيير طعامك واتباع نظام معين، فإن الخطاب يجد في فقره أرضًا خصبة. ومن هنا فإن محاربة الخرافة الطبية ليست مسألة ثقافية فقط، بل هي أيضًا مسألة سياسية بالاساس ؛ فالتأمين الصحي العادل، والطب الجيد المتاح للفقراء، وخفض كلفة العلاج، واستعادة الثقة بالمؤسسة الطبية، كلها أدوات حقيقية في مكافحة الخرافة، لأن المجتمع الذي يترك الفقير وحيدًا أمام المرض لا ينبغي أن يتفاجأ عندما يبحث الفقير عن أبواب أخرى للأمل.
فالمعركة الحقيقية ليست بين الطب والشعوذة فقط، بين العلم والخرافة وإنما هي بين الطغيان والعدالة بين مجتمع صحي ومجتمع غير صحي؛ بين ثقافة تنتج العقل النقدي وثقافة تنتج العقل الخرافي؛ بين دولة تحمي الإنسان ودولة تتركه وحيدًا أمام المرض؛ وبين معرفة تقول للإنسان «اختبر واسأل وتحقق»، وخرافة تقول له «صدقني ولا تسأل».
ولعل أعظم وصفة صحية نحتاج إليها المجتمعات العربية اليوم ليست «نظام طيبات» جديدًا، ولا عشبة سحرية، ولا وصفة مقدسة، وإنما بناء شروط الحياة الإنسانية الكريمة التي تجعل الإنسان قادرًا على أن يعيش صحيحًا، كريمًا، آمنًا، متعلمًا، ومطمئنًا. فالصحة في معناها الإنساني الأوسع ليست مجرد غياب المرض، وإنما القدرة على الحياة الطيبة، والعيش بكرامة، والتمتع بالأمان والرفاه والمعنى. أما حين يصبح الفقر والمرض والخوف قدرًا يوميًا، فإن الخرافة لن تكون بعيدة؛ إنها ستجد دائمًا طريقها إلى الجسد والعقل والروح.
وهكذا علينا النظر إلى «نظام الطيبات» العوضي ومخاطره لا باعتباره قضية غذائية معزولة وخرافة طبية رائجة ولا بإدانة صاحبه الذي مات في ظروف غامضة ولا بتسفيه وتجهيل المصدقين والمروجين له ولا بتعداد ضحاياه ، وإنما باعتباره مرآة كاشفه لسيكولوجية الفقر والخوف والمرض؛ مرآة تكشف كيف يبحث الإنسان المقهور عن النجاة، وكيف يمكن للوهم أن يتحول إلى أمل، وللأمل إلى اعتقاد، وللاعتقاد إلى ممارسة، وللممارسة إلى سوق، ثم إلى مؤسسة، وربما إلى سلطة لا تقل خطرًا عن المرض الذي جاءت لتعالجه.
وحين يشعر الإنسان أن حياته مصانة وكرامته محفوظة، تقل حاجته إلى البحث عن الخلاص في عالم السحر والشعوذة.
إن الفقر قد يجعل الإنسان يبحث عن الأرخص، والمرض يجعله يبحث عن الأسرع، والخوف يجعله يبحث عن الأمل، والجهل قد عاجزًا عن التمييز؛ لكن مسؤولية الدولة العادلة هي الحيلولة دون أن تتحول هذه الحاجات الإنسانية المشروعة إلى سوق مفتوحة للعبث وبيع الأوهام.
وفي الختام، تظل الصحة أعظم نعمة لا نشعر بها إلا حين نفتقدها، والمرض أعظم معلم قاسٍ يذكرنا بهشاشتنا. ويرحم الله ضحايا نظام الطيبات الذين صدقوا ضياء العوضي.
***
ا. د. قاسم المحبشي








