عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

محمد خليفة: عِلْمُ الكلامِ وسؤال العصر

يترددُ أحيانًا على لسان بعضِهِم، أن مسائلَ عِلْمِ الكلام قد عفا عليها الزمنُ، وأنه ما الجدوى من الكلام الآن في خلافاتٍ تَمَّتْ قبل مئات السنين، فلنتحدث عن قضايا تمس واقعنا.

هذا فحوى الكلام الذي يفْتأ بعضهم يردده زاعمًا بذلك أنه يَعملُ على تطوير وتجديد الفكرِ الإسلامي، والقضية، في نظري، تحتاجُ إلى تفكيكٍ لهذا الاعتراض المُركَّبِ.

فمِن ناحية أننا لابد أن نتناولَ قضايا لها عَلاقةٌ بواقعنا، فهذا أمر لا شك فيه، وبالفعل لابد منه، وهو صحيح، هذه نقطة نتفق عليها بدايةً.

أما مكمن الخلل في الاعتراض المُركَّب، فيتمثل في أنه ينطوي، سواء بشكلٍ ضمني أو صريح، على أن القضايا الكلاميةَ التي وقعَ فيها الاختلافُ منذ مئات السنين، لم يَعُد لها جدوى في واقعنا، وأن تناولها غير مؤثر، وغير مفيد للحاضر الذي نحياه، وهنا يكمن لُب المشكلة والخلل في هذا الطَّرْح.

فالواقع الذي نحياه، والاصطفاف المذهبي، والتناحر الطائفي، لم يكن إلا على هذه القضايا في الأساس، فانقسام المسلمين إلى سُنَّةٍ وشيعةٍ، وغير ذلك من المذاهب والطوائف، كان قائمًا على هذه القضايا، بالإضافة إلى العامل السياسي التاريخي الذي دعَّم هذا الانقسام.

ومِن ثَمَّ تُصبح الدعوةُ إلى ترْكِ السبب والقضايا الرئيسة في انقسام الأمة شيئًا من العبث الفكري؛ فهذه القضايا، وإن زُعِمَ أنها في ظاهرها لا تمس الواقع، إلا أن الانقسام الدائرَ حولها هو سبب رئيس في حالة الضعف والتردي القائم، والذي تعاني منه الأمةُ أشد المعاناة.

وبالتالي، فإن التحدي الحقيقي هو مواجهة هذه القضايا وليس الهروب منها، ولا أقصدُ بمواجهتها أن نطرحها من باب أن ينتصرَ كلُّ فريقٍ لنفسه ويُقْصي غيرَه، لا، وإلا فنحن بذلك لم نغيِّر شيئًا، وسنزيد الواقعَ سوءًا، ولكن الهدف والمقصد من مواجهة تلك القضايا، هو إقامة حوار بشأنها، وتغيير منهجيةِ التناول ولغته، فمثلًا: الخطابُ الكلامي القديم، في كثيرٍ من جوانبه واتجاهاته، يقوم على «الإقصاء» للآخَر وتبديعه أحيانًا، وتفسيقه أحيانًا، وتكفيره أحيانًا أخرى، بل والسخرية من الخصم والشماتة فيه وسَبِّه(١)، وهذا ما نحتاج بالضبط إلى معالجته، فنتناول هذا بآلية وخطوات واضحة، كالتالي:

أولًا: نعيدُ بحْث كثير من القضايا وننظر فيها، فلربما كان جزء من الخلاف من قبيل «الخلاف اللفظي»، وحينها يهون الأمر كثيرًا ونَعلَمُ أن المضمون واحدٌ وإن اختلفت العبارة.

ثانيًا: ننظر في مدى قطعية هذه الاختلافات، وفي ظني أن هذه الاختلافات مِن قبيل الظني الذي لا نستطيع أن نقطع من كل وجه على صحته، وإذا كان الأمر كذلك وعلى هذا النحو، فهل يصبح من العقل أن نتطاحن على قضايا ليست بالقطعية من الأساس؟!

ثالثًا: منهجية الخطاب، وكما تقدَّم، كانت المنهجيةُ الكلاميةُ القديمةُ -أغلبها- قائمة على الإقصاء في جوانب عديدة، والتجديد لا يكون بالإهمال والتَّرْك لكل شيء كما هو عليه؛ وإنما بتوضيح هذه القضايا وإقامة النقاش حولها، سعيًا إلى تغيير منهجية «الإقصاء» إلى «التعايش» مع الآخَر وتَقَبُّله.

ولربما قال قائل: لن تجدي هذه المحاولات شيئًا، فكلٌّ سيبقى على ما هو عليه.

لتأتي الإجابة وأقولُ: إذا كان تناول هذه القضايا ومحاولة إيجاد أرضية مشتركة لن يجدي، فهل التَّرْك لهذه المسائل يجدي؟! فعلى أقل تقدير، تناول هذه القضايا بمنهجية عقلانية غير إقصائية، مِن شأنه أن يقوم بعمل حراك فكري، ثمرتُه تأتي عاجلًا أو آجلًا، وما الثورة الفكرية في أوروبا على العصور المظلمة ببعيدة، فلم تَصِل أوروبا إلى ما هي فيه من يومٍ وليلةٍ، وإنما من محاولاتٍ دؤوبةٍ في طريق تمهيد الطريق للإصلاح والتجديد والتأسيس، وراح في سبيل ذلك ضحايا، ودَفَعَ آخرون ضريبةً باهظةً جرَّاء هذا التجديد، فأوروبا لم تصل إلى حالها هذا فجأة، ولم تهبط عليها الحضارةُ هديةً من السماء(٢)، هذه ثمرةٌ مرجوةٌ مِن تناول هذه القضايا.

أما على الجانب الآخَرِ، فإن إغلاق هذه القضايا بزَعْم أنها لا جدوى منها، ما ثمرته؟ ثمرته أن كل شيء سيصبح كما هو عليه، التناحر المذهبي ظاهر وواقع، وجزء منه كامنٌ، وعلى استعداد أن يلتهمَ سعي الأمة ويدحض محاولة نهضتها.

كما أنه من غير المنطقي أن تكون هناك قضايا شائكة تمس جوهرَ الواقع، كالفِكْر الجبري والتواكلي والمُشَرْعِن لكثير من الخطايا، ثم نقول بعد ذلك: هذه خلافات تاريخية ما دخْلنا بها! فتكون هذه الدعوة بذلك قد خدَمَتِ اتجاهاتٍ بعينها، مستفيدة من إبقاء الوضع كما هو عليه، ومن رَوَاجِ فكرها، وسيطرتها الكاملة على العقل الجمعي، واستخدام ذلك في التنكيل بغيرهم، هذه أبعاد قد تكون غير مرئية وراء هذه الاختلافات، وهي أبعاد اجتماعية بالغة الخطر، ومِن ثَمَّ تصبح مواجهة هذا الحَشْد ضرورة فكرية ودينية واجتماعية، وإلا، فمَن يتمسكُ بغلْق هذه القضايا ويزعم عدم جدواها، فهو بذلك يُكرِّس للخطاب السائد، والذي هو المستفيد الأكبر من بقاء الأوضاع كما هي عليها.

وهذا كله لا ينفي التفاعلَ مع المستجدات الفكرية، فنتفاعل معها، ولكن ليس على حساب خطاب كامن شَكَّلَ العقلَ الجمعي، ثم بعد ذلك ندعو إلى إغلاقِ كل شيء وبقاء الأوضاع كما هي عليه.

وهذا التناول، بهذه المنهجية، لهذه القضايا جزء من تجديد عِلْم الكلام، فتجديد عِلْم الكلام لا يكون فقط بطرْح قضايا جديدة بالكلية لا علاقة لها بالتراث، هذا تعريف بعضهم لتجديد عِلْم الكلام، وبناء عليه يصبح تناول أية قضايا تراثية لا لندرج تحت عِلْم الكلام الجديد، وفي نظري هذا قصورٌ في النظر إلى تجديد عِلْمِ الكلام؛ فتجديد عِلْم الكلام لا يكون، فقط، بتناول قضايا جديدة؛ وإنما -أيضًا- بإعادة طرْح قضايا قديمة ولكن بتغيير منهجيةِ التناول.

ومن الاعتراضات المطروحة أيضًا على عِلم الكلام: اتهامُه بأنه سبب الفرقة بين المسلمين! فهل بالفعل يتحملُ عِلمُ الكلام -من حيث كونه عِلمًا- الانشقاق الذي حدث بين الأمة؟ بمعنى آخر: هل عِلم الكلام هو الذي «أنشأ» هذا الخلاف والانشقاق؟

إذا نظرنا إلى نشأة علم الكلام؛ نجدُ أنه نشأ في فترةٍ مبكرةٍ من التاريخ الإسلامي، بسببِ عدد من العوامل الداخلية، وعلى رأس هذه القضايا: قضية الإمامة(٣). وإذا عَلِمنا أن الجذور الأولى لبذوغ قضية الإمامة كان بُعَيْد وفاة الرسول، صلى الله عليه وآله وسلَّمَ، فكيف يكون عِلم الكلام هو الذي أنشأ الخلاف؟ ومَن السابق؟ بمعنى: هل كان قبل بذوغ الاختلاف حول الإمامة يوجد تنظير وعلماء كلامٍ ثم جاء الاختلافُ حول الإمامة متأثرًا بهذا التنظير ومستجيبًا له؟ أو أن العكس هو الحاصل، وأن عِلم الكلام جاء ليصوغ أمرًا قد وقعَ وحدثَ بالفعل قبل التنظيرات الكلامية؟ الواضح هو أن السؤال الأخير هو الأدق، فقد أثبتنا وجود ونشأة البذور الأولى العِلم الكلام، متمثلًا -في البداية- في قضية الإمامة، والتي كان ظهورها قبل أي تأليفٍ وتنظيرٍ كلامي، ومِن ثَمَّ، كيف يتأتَّى لنا بعد ذلك أن نقول إن عِلم الكلام هو سبب الاختلاف بين المسلمين؟ الواقع أن نقيض هذا الطَّرْح هو الصحيح كما أثبتنا.

***

بِقَلَم: محمد خليفة ـ باحث دكتوراة بكليةِ دارِ العلوم

...................

الهوامش:

(1) عبد القاهر البغدادي، «الفَرْق بين الفِرَق». تحقيق: د. محمد عثمان الخشت، (ط١، القاهرة، مكتبة ابن سينا، د.ن)، ص ١١: ١٢.

(2) د. هاشم صالح، «معارك التنويريين والأصوليين في أوروبا». (ط١، بيروت، دار الساقي، ٢٠١٠م)، ص ٧.

(3) د. عبد الجبار الرفاعي، «عِلم الكلام الجديد: مدخل لدراسة اللاهوت الجديد وجدل العِلم والدين». (ط١، تونس، دار التنوير، ٢٠١٦م)، ص ٧.

في المثقف اليوم