عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

عبد الرحيم الجرودي: العدمية والعبثية (2).. العبثية، التمرد في وجه الصمت

ثمة لحظة يعرفها كل إنسان وإن لم يسمّها. ليست لحظة مأساة كبرى ولا صدمة وجودية مُفاجئة، هي أقل من ذلك وأشد إيلاما: تجلس في منتصف يوم عادي تماما، تنغمس في روتينك اليومي، وفجأة يتسلل إليك سؤال لم تدعُه: لماذا أفعل هذا؟ لماذا أستمر؟ ما الذي يجعل هذه الساعة، وهذا اليوم، وهذه الحياة، تستحق أن تُعاش؟ وقبل أن تجيب تجد الجواب يرفض دعوتك، أو يأتي مجوّفا، مستعارا من طقوس قديمة أو توقعات الآخرين أو مجرد خوف من التوقف. هذه اللحظة بالذات هي ما سمّاه ألبير كامو "الشعور بالعبث"، وجعل منها نقطة انطلاق لفلسفة كاملة لا تستسلم ولا تكذب، بعيدا عن منطق المرض الذي يُعالَج او المزاج الذي يُصرف النظر عنه.

كامو ولد في الجزائر عام 1913 لعائلة فقيرة من المعمّرين الفرنسيين. عاش طفولته في ظل العوز والغياب والمرض، أصيب بالسل وهو في التاسعة عشرة، فأبعده ذلك عن الفلسفة الأكاديمية التي كان يحلم بها. ومع ذلك، أو ربما بسبب ذلك، طوّر كامو حساسية فلسفية خاصة به لا تنتمي بالكامل لأي مدرسة. صنّفه كثيرون وجوديا فرفض التصنيف. قرّبه سارتر من فلسفته فاختلف معه اختلافا أدى إلى قطيعة شهيرة في الخمسينيات حول السياسة والتاريخ والحرية. كامو كان يسمع بأذنيه الاثنتين: أذن الفيلسوف وأذن الأديب، وكان يرفض أن يصم إحداهما لإرضاء الأخرى.

في ثلاثة أعمال متزامنة قدّم كامو من خلالها فلسفة العبث، رواية "الغريب" التي جسّدت العبث سردياً في شخصية مورسو الذي يعيش بلا انفعال مُصطنع أمام أحداث الحياة والموت على حدٍّ سواء، ويُعاقَب في نهاية المطاف لأنه رفض أن يُمثّل ما لا يشعر به، ومسرحية "كاليغولا" التي مثّلت مآل إنسان يكتشف العبث ثم يستجيب له بالعنف المطلق كأنه يُعاقب الكون على صمته، وأخيراً المقال الفلسفي "أسطورة سيزيف" الذي وضع الإطار النظري الكامل لهذه الفلسفة. هذه الأعمال الثلاثة معا لا تقرأ العبث من الخارج، بل تسكنه من الداخل وتجعله تجربة مُعاشة قبل أن يصبح موضوع بحث. فالعبثية عند كامو لا تبدأ من الكون، بل تبدأ من التصادم. الإنسان يحمل في داخله نهما لا يُشبع نحو الوضوح والمعنى والوحدة والاستمرار، رغبة في فهم العالم، أن يعرف موضعه فيه، أن يجد ما يُبرر وجوده لنفسه بشكل يطمئن إليه، والكون من جهته صامت تماما، لا يجيب ولا يرفض صراحة، لا يعدك ولا يخذلك، يكتفي بأن يكون بلا اكتراث مرئي. هذا التصادم بين رغبة الإنسان في المعنى وصمت العالم المطبق هو ما يسميه كامو "العبث". ليس خاصية الإنسان وحده، وليس خاصية العالم وحده، بل هو الاحتكاك الدائم بينهما على المسرح الذي تقع فيه الحياة الإنسانية.

المشكلة الفلسفية الوحيدة الجدية، في رأي كامو، هي الانتحار. هذه الجملة التي يفتتح بها "أسطورة سيزيف" صادمة بحدّتها المتعمدة، وهي أبعد ما تكون عن الاستفزاز البلاغي. يريد كامو أن يُحدّد الرهان الحقيقي: إذا كانت الحياة بلا معنى، ففيمَ نستمر؟ هذا السؤال أولى من أسئلة المنطق والمعرفة والوجود لأنه يسبقها جميعا،  فقبل أن تسأل عن معنى الوجود، ينبغي أن تقرر أولا إن كنت ستواصل الوجود. الانتحار إذن، كفكرة فلسفية لا كاختيار شخصي، هو السؤال الحقيقي الذي يختبر صدق الإنسان مع نفسه في مواجهة عبثه.

يرفض كامو ثلاثة مخارج يراها خيانات للفكر. المخرج الأول هو الانتحار الجسدي ذاته: الاستسلام للعبث بدل مواجهته، ورفضه بالغياب بدل مقابلته بالحضور، فالانتحار لا يحلّ العبث، بل يُخرج الإنسان من المعادلة دون أن يجيب عن سؤالها. المخرج الثاني هو ما يسميه الانتحار الفلسفي: القفزة نحو إيمان ديني أو نظام فكري يدّعي أنه حسم السؤال وأعطى الوجود معنى يطمئن إليه العقل ويسكن إليه القلب. كامو لا يُقلّل من الإيمان كتجربة إنسانية عميقة، لكنه يرفضه كموقف فلسفي لأنه يتجاوز العبث بدل أن يواجهه ويقفز فوق الهوة بدل التحديق فيها والعيش على حافتها. يسمّي هذا "القفزة"، ويرى مثاله في كيركيغارد الذي أقرّ باللامعقول ثم قفز إليه كإله، وفي ياسبرس الذي عاين حدود الوجود ثم لجأ إلى مفهوم "التسامي". المخرج الثالث هو الاستسلام الإذعاني: الاستمرار في الحياة لا لأن الإنسان اتخذ قراراً واضحا، بل لأنه لا يفكر كثيرا، ينزلق في العادة ويملأ الوقت بالانشغال ويُرجئ السؤال إلى ما لا نهاية له. هذا النوع أكثر شيوعاً وأقلها اعترافاً بنفسه، وهو شكل من أشكال الجبن الوجودي المُقنَّع بالواقعية.

التمرد، هو البديل الذي يقترحه كامو. لكن "التمرد" هنا لا يعني الثورة بالمعنى السياسي ولا تغيير العالم ولا الاعتراض على صمته بالصراخ. إنه أدق من ذلك وأقل تصريحاً وأكثر عمقاً: هو الإصرار اليومي على العيش في وضوح كامل أمام العبث، دون أن يزوّد هذا الوضوح بأمل زائف أو يخفّف باعتقاد مريح. الإنسان المتمرد كما يتصوره كامو، يعيش كل يوم وهو يعرف أنه لن يجد جوابا نهائيا، ويستمر رغم ذلك. ليس بحثاً عن البطولة ولا لإثبات شيء لأحد، بل لأن هذا الاستمرار ذاته، في وعيه الكامل وانفتاح عينيه، هو الشكل الوحيد من الحرية المتاح للإنسان في عالم لم يُعطَ منه موثوقٌ على المعنى.

سيزيف يجسّد هذا كله في صورة لا تنسى. الملك الأسطوري الذي خدع الآلهة وأصرّ على الحياة حتى حين أمر بالرحيل، يُعاقَب بأن يحمل صخرته إلى قمة الجبل إلى الأبد، وما إن تبلغ القمة حتى تتدحرج وينزل خلفها، ويبدأ من جديد بلا توقف ولا نهاية. إنه الصورة المكثّفة للوضع الإنساني: عمل متكرر لا ينتهي، جهد بلا نتيجة تستحق الجهد، حياة تُصرف في تحصيل ما يتبخر حين يُحصَّل. غير أن كامو يضيف ما لم تقله الأسطورة اليونانية قط: "ينبغي أن نتصوّر سيزيف سعيداً". ليس لأن عقوبته عادلة، وليس لأنه توهّم أن الصخرة ستقف عند القمة يوما. سعادته تأتي من شيء آخر تماما: من وعيه التام بوضعه، ومن رفضه أن تملكه الصخرة فيما هو يحملها. في اللحظة التي تتدحرج فيها الصخرة وينزل سيزيف خلفها، تلك اللحظة بالذات هي لحظته هو خارج العقوبة، خارج الآلهة، خارج المعنى المفروض. الجبل نفسه يمكن أن تكون فيه سعادة.

فرانز كافكا، الذي لم يكن فيلسوفاً بالمعنى الأكاديمي، جسّد العبثية في نسيجه السردي بعمق مباشر لا يبلغه كثير من الفلاسفة بآليات الحجة. في "المحاكمة"، يُستدعى يوزيف كا إلى محاكمة لا يعرف تهمته ولا المحكمة التي تحاكمه ولا القانون الذي تنتهكه أفعاله. يقضي الرواية كلها يحاول أن يفهم الآلية التي تُدينه بها، دون أن يصل إلى شيء، ويُنفَّذ فيه الحكم في النهاية دون أن يعرف ما الحكم. في "القلعة"، يسعى "ك" طول الرواية إلى الوصول إلى قلعة تمنحه الاعتراف بوجوده، فيجد الطرق تتعرج وتنقطع والأبواب تُفتح لتُغلق أمامه، والقلعة موجودة وتُرى لكنها غير قابلة للبلوغ. هذا بالضبط ما تبدو عليه الحياة حين تُنظر إليها بصدق تام دون أن تُقنع نفسك بأن ثمة "قلعة" في الأفق تستحق الانتظار اللانهائي.

كتب كامو في سياق الحرب العالمية الثانية، والجزائر المستعمَرة، والأيديولوجيات الشمولية التي بدت له في شقّيها الستاليني والنازي، نموذجا مأساويا للإنسان الذي لا يطيق العبث فيلقي بنفسه في أحضان "المعنى الكبير"، المعنى الذي يُسوّغ كل شيء بما فيه القتل والقهر والتدمير. وهنا يصبح التمرد الكاموي موقفا سياسيا أيضا، لا فلسفيا فحسب: رفض الاستسلام للأيديولوجيا، رفض القفز إلى أي "معنى جماعي" يُخرس السؤال ويُريح الضمير بدم الآخرين. العيش بلا أوهام والتمسك بكرامة الإنسان الفرد أمام كل نظام يطحنه لصالح "الهدف الأعلى" هذا هو ما يُسميه كامو التمرد الحقيقي.

***

عبد الرحيم الجرودي

في المثقف اليوم