عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

رمزي ميركاني: القراءة.. من واجبٍ مدرسي إلى متعةٍ تصنع الإنسان

لم تعد القراءة في عصرنا مجرد وسيلة لاكتساب المعلومات أو تحصيل الشهادات، بل أصبحت تجربة إنسانية وثقافية واسعة، تجمع بين المعرفة والمتعة، وتمنح الإنسان فرصة للتأمل، واكتشاف ذاته والعالم من حوله. وإذا كانت القراءة التعليمية تهدف إلى تنمية الفهم والتحليل والتفكير النقدي والإبداعي، فإن القراءة من أجل المتعة تتجاوز ذلك إلى المجال العاطفي والنفسي، فتسهم في بناء الشخصية، وصقل الذوق، وتكوين المواقف والقيم.

فالإنسان لا يقرأ دائماً لأنه مطالب بقراءة كتاب أو تلخيصه أو اجتياز اختبار، وإنما يقرأ أحياناً لأنه يريد أن يعيش حكاية، أو يهرب مؤقتاً من ضجيج الحياة، أو يتأمل فكرة، أو يستمتع بجمال اللغة. وفي هذه اللحظة تحديداً تتحول القراءة من واجب إلى اختيار، ومن مهمة ينبغي إنجازها إلى تجربة يريد القارئ أن يعيشها.

وقد أدرك التربويون منذ وقت طويل أهمية هذا النوع من القراءة؛ لأن القارئ الذي يختار ما يقرأه بدافع شخصي يكون أكثر استعداداً للتفاعل مع النص والتأثر بأفكاره وقيمه. فالكتاب الديني قد يعمق الجانب الروحي، والكتاب السياسي قد يوسع الوعي بالشأن العام، والأدب قد يغير نظرة الإنسان إلى الحياة، والفن قد يهذب إحساسه بالجمال. وهكذا لا تبقى القراءة مجرد معلومات في الذاكرة، بل تتحول إلى خبرة داخلية تؤثر في السلوك والذوق والشخصية.

ومن هنا يمكن فهم العلاقة العميقة بين القراءة والحاجة النفسية. فمع انتشار التلفزيون والراديو والسينما والوسائط الرقمية، توقع البعض أن تنتهي مكانة الكتاب، لكن الواقع أثبت العكس. فالإنسان ما زال يحتاج إلى الكلمة المكتوبة، لأن القراءة تمنحه نوعاً من الاتصال الهادئ والعميق لا توفره دائماً الوسائط الأخرى. وقد تكون هذه الحاجة أكثر إلحاحاً في زمننا الحالي، حيث يعيش الإنسان وسط سيل متواصل من الأخبار والصور والمقاطع والإشعارات.

لقد تغير إيقاع الحياة، وتغير معه إيقاع القراءة. ففي الماضي كانت القراءة تحتاج إلى وقت طويل وهدوء ومساحة من العزلة، وكانت المكتبة المنزلية جزءاً مألوفاً من حياة كثير من الأسر. أما اليوم، فقد أصبح الهاتف الذكي حاضراً في معظم تفاصيل الحياة، وأصبح القارئ معرضاً للمقاطعة في كل لحظة. وبينما يحتاج الكتاب إلى تركيز ممتد، تدفعنا المنصات الرقمية إلى الانتقال السريع من معلومة إلى أخرى ومن صورة إلى مقطع، الأمر الذي جعل المشكلة الحقيقية ليست في اختفاء الكتاب، وإنما في صعوبة منح الكتاب الوقت والانتباه اللذين يحتاج إليهما.

ومع ذلك، فإن الحديث عن موت القراءة يبدو مبالغاً فيه. فمعارض الكتب لا تزال تستقطب أعداداً كبيرة من الزوار، والروايات والكتب الفكرية تحقق انتشاراً واسعاً، والكتب الإلكترونية جعلت الوصول إلى المعرفة أسهل من أي وقت مضى. لقد أتاحت الرقمنة للقارئ أن يحمل مكتبة كاملة في هاتفه أو جهازه اللوحي، وأن يحصل على كتاب في لحظات، لكنها في الوقت نفسه وضعت الكتاب داخل الجهاز ذاته الذي يحتوي على الرسائل والأخبار ومواقع التواصل. وهنا تظهر المفارقة: التقنية وسعت فرص القراءة، لكنها جعلت التركيز عليها أكثر صعوبة.

وفي هذا السياق تبرز أفكار الكاتب الفرنسي دانيال بناك في كتابه «متعة القراءة»، الذي يدافع عن حرية القارئ ويرفض تحويل القراءة إلى فعل قسري. ومن أشهر أفكاره «حقوق القارئ»، ومنها حقه في ألا يقرأ، وأن يقفز عن بعض الصفحات، وألا يكمل كتاباً لم يعد يستمتع به، وأن يقرأ ما يشاء، وأن يصمت بعد القراءة دون أن يكون ملزماً بتحليل ما قرأه. وقد تبدو هذه الحقوق غريبة في بيئة تعليمية اعتادت إلزام الطالب بقراءة نصوص محددة، لكنها في جوهرها تؤكد حقيقة بسيطة: لا يمكن إجبار الإنسان على الاستمتاع.

وتلتقي هذه الفكرة مع تجارب قرائية أخرى تؤكد أن الكتاب قد يصبح جزءاً من هوية الإنسان. فالقراءة لا تعني اختيار كتاب فحسب، بل تعني أحياناً اختيار صورة للحياة، وتكوين علاقة خاصة مع الكلمات والشخصيات والأفكار. وقد يرتبط القارئ بكتاب معين لأنه جاء في مرحلة خاصة من حياته، أو يجد في رواية ما شيئاً من ذاته، أو يعود إلى كتاب قديم في فترة الركود القرائي ليستعيد شغفه.

كما أن القراءة تختصر الزمن بطريقة لا توفرها التجربة الشخصية وحدها. فالإنسان لا يستطيع أن يعيش كل التجارب بنفسه، لكنه يستطيع أن يقترب منها عبر الكتب. يستطيع الشاب المقبل على الزواج، مثلاً، أن يقرأ عن الأسرة وتربية الأبناء والعلاقات الزوجية، فيتعرف مسبقاً إلى خبرات وتجارب مر بها آخرون. وبذلك تمنحه القراءة فرصة لخوض التجربة ذهنياً قبل أن يعيشها واقعياً. فالكتاب يتيح للإنسان أن «يتصفح عقول الرجال»، وأن يستفيد من تجارب أجيال وأشخاص قد لا يلتقي بهم في حياته.

ولعل هذا هو سر بقاء القراءة رغم تغير الأزمنة والوسائط. فالإنسان لا يبحث في الكتاب عن المعلومات وحدها، بل عن معنى، وعن تجربة، وعن لحظة هدوء، وعن نافذة يرى منها نفسه والعالم بصورة مختلفة. صحيح أن أشكال القراءة تغيرت؛ فنحن نقرأ اليوم المقالات والمنشورات والرسائل والمحتوى الرقمي، لكن القراءة العميقة للكتاب تظل تجربة مختلفة، لأنها تمنح العقل وقتاً للتأمل والترابط وبناء الأفكار.

إن السؤال الحقيقي إذن ليس: هل اختفت القراءة؟ بل: هل ما زلنا نعرف كيف نستمتع بها؟ وربما لم نفقد متعة القراءة تماماً، وإنما فقدنا جزءاً من طقوسها القديمة. ولذلك فإن استعادتها لا تحتاج إلى حرب ضد التكنولوجيا، بل إلى قرار واعٍ بإيجاد مساحة للكتاب وسط هذا الزحام. نحتاج إلى أسرة تقدم نموذجاً محباً للقراءة، ومدرسة تتيح للطالب حرية الاختيار، وقارئ يمنح نفسه وقتاً بعيداً عن الإشعارات.

فالقراءة في النهاية ليست مجرد وسيلة للنجاح الدراسي أو المهني، وإنما علاقة إنسانية مع الزمن والفكرة والخيال. وهي متعة لا تُفرض، بل تُكتشف، وكلما تحررت من الإكراه أصبحت أكثر قدرة على تغيير الإنسان. ولذلك سيبقى الكتاب، رغم كل التحولات، واحداً من أجمل الأماكن التي يستطيع الإنسان أن يجد فيها المعرفة والسكينة والخيال، وأن يعيش حياة أوسع من حدود عمره وتجربته.

***

رمزي ميركاني

في المثقف اليوم