مقاربة نقدية بلاغية في قصيدة (كلام الليل) للشاعر وليد صفاء
جلستُ وفِى محط-اتِ القِطار ِ
بنصفِ الليل ِ ينعدِمُ الصِّ-ياحْ
نظ-رتُ إذا بأرض ٍ ليس فيها
سوانا وارتِداداتِ الرِّياحْ
فرُحت ُ أُب-ين-ها نفسِى، وراحَتْ
ت-وارِى نفسَها خَل-فَ الوشاحْ
شَعَرْتُ كأن-نا قبْلُ التقيْنا
نَظ-رْتُ لها إذا بالبدر ِ لاحْ
وحينَ تبسَّمَتْ - عَرَض-ا - ب-وجْه-ى
تنف-سَ في تنف-سِها الصَّباحْ
ف-ب-ى سِرٌّ عل-ى وشكِ اكتِمال ٍ
وعَيْن-ى آذنَتْ بالاِفتِضاحْ
وقلبِى باتَ يَجْبُرُهُ انكِسارٌ
وأَتعَبَهُ الشُّعورُ بالاِرتياحْ
فقلتُ: تسافِرِين وأنتِ أُن--ث-ى
ولا قمرٌ سِواكِ ولا مِلاحْ ؟!
فقالتْ: قِطعَة ٌ هُوَ مِنْ عَذاب ٍ
ولكنْ بعضُ تعذيب ٍ مُباحْ
فقلتُ: بِهِ أذًى ! قالتْ: ك-ف-ت-نِى
ب-كَ الش-رَّ المروءَة ُ والسَّماحْ
ف-رِح-تُ، ف--رُحْ-تُ أجمعُ شملَ ذاتى
لأُبدِىَ مِنْ تماسُكِها المُتاحْ
فقالتْ: لِى ظروفٌ قاسِياتٌ
وبعضُ الظ---لم ِ إطلاقُ السَّرَاحْ
وَوارَتْ دمعة ً ت-بْ-دِى كلامًا
وت-خ--فِى بينَ ما ت-بدى الج-راحْ
ولا أدرى لِمَ أحْسَسْتُ خوف-ا
وخ-ف--ق-ا بالجَوانِح ِ كالجَناحْ ؟!
مِنَ الإشْفاق ِ حِينَ وضعْتُ ك-ف-ى
على صدرِى، وجدْتُ القلبَ راحْ !
أَرَدْتُ البَوْحَ، قالتْ لِى: قطارِى
أت-ى، ومَضَتْ بوجْهٍ قَدْ أشاحْ
فقلتُ لها: أحب--كِ، هلْ سُمِعتِ
فقالت: كيفَ ذاكَ ؟! كَف-ى مُزاحْ
كلامُ الليل ِ مَدْهونٌ بزُبد ٍ
إذا ط-ل-عَ الصَّباحُ عليهِ ساحْ
تنهض قصيدة «كلام الليل» على تجربة شعرية ذات طابع قصصي واضح، إذ لا يكتفي الشاعر بالتعبير المباشر عن مشاعره، وإنما يبني مشهدًا شعريًا تتداخل فيه عناصر السرد والحوار والوصف، فتتحول القصيدة إلى حكاية قصيرة نابضة بالعاطفة.
ويعتمد الشاعر في هذا البناء على السرد القصصي الذي يقوم على الصراع والحركة وغير ذلك من عناصر التعبير الدرامي كالحوار والأحداث والأبطال..، وذلك لإبراز الدلالة التي يشكلها تشكيلاً درامياً، فتتجمع وتتداخل وتجمع شتاتها تلك البنية الفنية والصورة الشعرية.
" وليس من السهل أن يتحقق البناء الدرامي في عمل شعري ما لم تتمثل وراءه أو فيه العناصر الأساسية التي لا تتحقق الدراما بدونها، وأعنى بذلك الإنسان والصراع وتناقضات الحياة، فالإنسان والصراع وتناقضات الحياة هي العناصر الأساسية لكل قصيدة لها هذا الطابع الدرامي " (1).
يفتتح الشاعر قصيدته بفعل سردي مباشر: «جلستُ وفي محطات القطار»، ثم يحدد الزمان بقوله: «بنصف الليل»، والمكان بمحطة القطار، وبذلك يضع المتلقي منذ البداية داخل إطار قصصي واضح. فالسرد هنا لا يأتي بوصفه وسيلة لنقل الأحداث فحسب، بل يؤدي وظيفة نفسية؛ فالليل والمحطة والهدوء عناصر تتآزر لتكوين جو من العزلة والترقب. ويؤكد ذلك قوله: «ينعدم الصياح»، ثم قوله: «نظرتُ فإذا بأرض ليس فيها / سوانا وارتدادات الرياح». إن النفي في «ليس فيها سوانا» يضاعف إحساس الوحدة، ويجعل ظهور المرأة حدثًا استثنائيًا داخل فضاء خالٍ إلا من شخصيتين وصوت الرياح.
ويستمر السرد في بناء المشهد من خلال تتابع الأفعال: «نظرتُ»، «فرحت»، «شعرتُ»، «نظرتُ»، «تنفّست»، «قلتُ»، «قالت»، «فرحت»، «أرادت»، «مضت». وهذا التتابع يمنح القصيدة حركة واضحة، ويجعلها أقرب إلى مشهد سينمائي تتعاقب فيه اللقطات. فالشاعر لا يصف المرأة وصفًا خارجيًا طويلًا، وإنما يجعل أفعالها وإشاراتها ولحظات الصمت والرحيل هي التي تكشف شخصيتها. ومن هنا تأتي قيمة السرد؛ لأنه يترك للقارئ فرصة المشاركة في اكتشاف الحدث بدل أن يقدم له المعنى جاهزًا.
من ثم يلجأ الشاعر إلى استعارة بعض أدوات وتكنيكات الأجناس الدرامية، كالمسرحية والقصة، إذ يستعير من الأولى تعدد الأصوات، فلا يبنى قصيدته على صوت واحد، وإنما على عدة أصوات تتحاور وتتصارع فيما بينهما، كما يأخذ من القصة أسلوب " السرد " أو " القص " والمونولوج الداخلي ..، وغير ذلك من أدوات الفن القصصي، التي يستعين بها الشاعر في التعبير عن تعدد الأبعاد والمستويات الشعورية والنفسية في رؤيته الشعرية .
وفي البناء الدرامي " تتعدد الأصوات والمستويات اللغوية، وترتفع درجة الكثافة نتيجة لغلبة التوتر والحوارية، مع اجتراحه لمغامرة التجربة الفنية الكثيفة، إلى جانب التجارب الحيوية المثيرة " (2).
وتتطور التجربة السردية من المشاهدة إلى المشاركة الوجدانية. ففي البداية يقول الشاعر: «فرحتُ أبينها نفسي، وراحت / تواري نفسها خلف الوشاح»، فنحن أمام شخصيتين متقابلتين: شخصية تحاول الكشف، وأخرى تميل إلى الإخفاء. ويشكل «الوشاح» هنا أكثر من مجرد قطعة من لباس؛ فهو يتحول إلى رمز للحجاب النفسي والكتمان، فيوحي بأن المرأة تحمل سرًا لا تريد أن تكشفه بسهولة. ويزداد هذا الإيحاء وضوحًا عندما يقول: «فبي سرٌّ على وشك اكتمال / وعيني آذنت بالافتضاح». فالعين تصبح أداة للبوح قبل اللسان، ويقابل الشاعر بين «السر» و«الافتضاح»، بما يكشف الصراع بين الرغبة في الاعتراف والخوف من انكشاف المشاعر.
وتحتل المرأة في القصيدة موقعًا مركزيًا، غير أن الشاعر يتعمد إحاطتها بالغموض، فيستعين بمجموعة من الصور البلاغية التي تجعل حضورها مرتبطًا بالليل والنور في آن واحد. فعندما يقول: «نظرتُ لها فإذا بالبدر لاح»، يشبه وجهها أو حضورها بالبدر، وهي استعارة أو تشبيه ضمني يرفع المرأة من المستوى الواقعي إلى مستوى الحلم والجمال. ثم يقول: «حين تبسمت عرضًا بوجهي / تنفّس في تنفّسها الصباح»، فيجعل ابتسامتها باعثة على انبثاق الصباح، وكأن حضورها قادر على تحويل ظلمة الليل إلى إشراق. وتكمن المفارقة الفنية في أن المرأة تظهر في الليل، لكنها تحمل في ابتسامتها الصباح؛ وهذا التداخل بين الظلمة والنور يعكس التحول النفسي الذي أحدثه اللقاء في ذات الشاعر.
ويزداد البناء الوجداني تعقيدًا في قوله: «وقلبي بات يجبره انكسارٌ / وأتعبه الشعور بالارتياح». فالجمع بين «الانكسار» و«الارتياح» يمثل مفارقة نفسية لافتة؛ إذ يشعر الشاعر بالفرح لأنه التقى من يحب، لكنه في الوقت نفسه يحمل ألمًا داخليًا. وتكشف هذه المفارقة أن اللقاء ليس بداية حب مستقر، بل لحظة مشحونة بالقلق، وأن الراحة نفسها تحمل في داخلها نذر الألم.
لكن الشاعر لا يلجأ إلى السرد المباشر وإنما بواسطة القول الخاطف تنتقل المشاهد وتتعدد المشاعر، وبواسطة الحركة التصويرية تتكشف أبعاد الموقف الدرامي خلال " آليات إنتاج شعرية تعتمد على تشكيل لغوي عماده الفعل والفاعلون، دون أن يكون الهدف إنتاجاً لحكاية أو خبر، وإنما إنتاج وضعية نصية معقدة ومتشابكة، لا يمكن أداؤها من خلال الانفعال الشعري المميز للغنائية " (3).
وعندما يبدأ الحوار المباشر، تنتقل القصيدة من السرد إلى المشهد الدرامي. يقول الشاعر: «فقلتُ: تسافرين وأنتِ أنثى / ولا قمرٌ سواكِ ولا ملاح؟!» ثم تأتي إجابة المرأة: «فقالت: قطعةٌ هو من عذاب / ولكن بعض تعذيب مباح». ويتميز هذا الحوار بأنه ليس مجرد تبادل للكلام، بل هو وسيلة للكشف التدريجي عن الشخصيتين. فالشاعر يسأل بدافع الاهتمام والقلق، بينما تجيب المرأة بإجابات موحية لا تكشف الحقيقة كاملة. ولذلك يظل الغموض حاضرًا حتى نهاية القصيدة.
وتكشف إجابة المرأة عن عمق التجربة التي تحملها: «لي ظروف قاسيات / وبعض الظلم إطلاق السراح». وهذه العبارة من أكثر العبارات كثافة في القصيدة؛ إذ تقوم على مفارقة دلالية، لأن «إطلاق السراح» يرتبط في الظاهر بالتحرر، لكنه يأتي هنا في سياق «الظلم»، فيوحي بأن الرحيل أو الفراق قد يكون أحيانًا نتيجة قسرية للظروف. وبذلك تنتقل القصيدة من قصة لقاء عاطفي إلى تأمل في علاقة الإنسان بالظروف التي قد تحول دون اكتمال ما يريده.
ويستخدم الشاعر في هذا الموضع لغة الإيحاء بدل التصريح، فتقول المرأة: «وَوَارَتْ دمعةً تُبدي كلامًا / وتُخفي بين ما تُبدي الجراح». وهنا تتجسد البلاغة في المفارقة بين «تبدي» و«تخفي»؛ فالدمعة تبدو شيئًا ظاهرًا، لكنها في الوقت نفسه تحمل كلامًا غير منطوق وتخفي وراءها جراحًا عميقة. وهذا من أجمل مواضع القصيدة؛ لأن الشاعر يجعل الدمع لغة بديلة عن الكلام، ويجعل الصمت أكثر إفصاحًا من القول.
ومن اللافت أن الحوار لا يكشف المرأة وحدها، بل يكشف الشاعر أيضًا. فعندما يقول: «ولا أدري لم أحسست خوفًا / وخفقًا بالجوانح كالجناح؟!» تظهر حالة الاضطراب النفسي التي يعيشها. وقد استعان الشاعر بالتشبيه في «خفقًا بالجوانح كالجناح»، فجعل اضطراب القلب شبيهًا بحركة الجناح، بما يوحي بسرعة النبض وشدة القلق. ثم تأتي الصورة الحسية: «حين وضعت كفي / على صدري، وجدت القلب راح»، فيتحول الشعور الداخلي إلى فعل جسدي محسوس.
ويبلغ الحوار ذروته حين يقول الشاعر: «أردت البوح، قالت لي: قطاري / أتى، ومضت بوجه قد أشاح». هنا يتدخل الحدث الخارجي -- وصول القطار -- ليقطع الحدث الداخلي قبل اكتماله. والقطار ليس مجرد وسيلة للنقل، وإنما يتحول إلى رمز للفراق والزمن والفرص العابرة. فكما أن القطار لا ينتظر طويلًا، فإن فرصة اللقاء والحب لا تنتظر أيضًا. ويزيد من قوة المشهد قوله: «ومضت بوجه قد أشاح»، فالإعراض هنا قد يكون إعراضًا عن النظر، أو محاولة لإخفاء التأثر، وهو ما يترك النهاية مفتوحة على احتمالات متعددة.
ثم تأتي لحظة الاعتراف الصريح: «فقلت لها: أحبك، هل سمعتِ»، لكن الاعتراف يأتي متأخرًا، بعد أن أصبح الرحيل واقعًا. وتجيب المرأة: «فقالت: كيف ذاك؟! كفى مزاح». وهنا تنشأ مفارقة مؤلمة بين جدية الشاعر واستخفاف المرأة أو عدم تصديقها. فالاعتراف الذي كان ينتظره الشاعر يصبح في نظرها كلامًا عابرًا، وربما لأن اللحظة نفسها كانت عابرة، أو لأن «كلام الليل» لا يملك القوة الكافية ليصمد أمام وضوح النهار.
وقد اتخذ الشاعر من هذا المثل دعامة أساسية لتأكيد دلالة النص، فضلاً عن " تأصيل الفكرة وتوشية النص بإضفاء مسحة جمالية تراثية على صياغته، وبلورة هذه الصياغة في رؤية شعرية عميقة " (4).
ومن الناحية النقدية، فإن جمال القصيدة لا يقوم على كثرة الأحداث، وإنما على قدرة الشاعر على تحويل حدث بسيط -- لقاء عابر في محطة قطار -- إلى تجربة إنسانية ذات أبعاد نفسية ورمزية. وقد نجح السرد في المحافظة على الحركة، بينما منح الحوار القصيدة طابعًا دراميًا، وجعل الشخصيتين حاضرتين بأصواتهما لا بوصف الشاعر لهما فقط. كما أن التوازن بين الكلام والصمت، وبين الكشف والإخفاء، وبين الليل والصباح، وبين اللقاء والفراق، يمنح القصيدة بناءً قائمًا على الثنائيات المتقابلة.
أما من الناحية البلاغية، فقد وظف الشاعر التشبيه والاستعارة والكناية والمفارقة توظيفًا يخدم التجربة لا مجرد الزينة اللفظية. فالبدر والصباح والوشاح والدمعة والقطار والزبد ليست ألفاظًا منفصلة، بل تشكل شبكة رمزية متكاملة: البدر والصباح يمثلان إشراق الحب، والوشاح والدمعة يمثلان الكتمان والألم، والقطار يمثل الرحيل، والزبد يمثل هشاشة الكلام أمام حقيقة الواقع.
ويؤدي التكرار دورًا إيقاعيًا ودلاليًا واضحًا، ولا سيما تكرار أفعال القول: «فقلتُ»، «فقالت»، «فقلتُ»، «قالت»، وهو تكرار يرسخ البنية الحوارية للقصيدة. كما أن القافية الموحدة بحرف الحاء، مع امتداد الصوت في كلمات مثل «الصياح، الرياح، الوشاح، لاح، الصباح، الافتضاح، الارتياح»، تمنح القصيدة موسيقى حزينة ممتدة، وتنسجم مع أجواء الليل والحنين والفراق.
وهكذا تبدو «كلام الليل» قصيدة تتجاوز الحكاية العاطفية المباشرة إلى تأمل في طبيعة الكلام حين يولد في لحظة استثنائية، ومن خلال السرد والحوار استطاع الشاعر أن يجعل القارئ يعيش اللقاء لحظة بلحظة، وأن ينتقل معه من فضاء الوحدة إلى فضاء الأمل، ثم إلى الصدمة والفراق. ولذلك تأتي النهاية منسجمة تمامًا مع التجربة.
***
دكتور جمال فودة
....................
1- عز الين إسماعيل: الشعر العربي المعاصر (قضاياه وظواهره الفنية والمعنوية) - الطبعة الخامسة -- المكتبة الأكاديمية - القاهرة -1994 م 0/ 243، 244
2- صلاح فضل: أساليب الشعرية المعاصرة - الهيئة العامة لقصور الثقافة -القاهرة -1996 م 0/ 64
3- محمد فكرى الجزار: لسانيات الاختلاف -الهيئة العامة لقصور الثقافة -القاهرة -1995 م - 342
4- حسن فتح الباب: سمات الحداثة في الشعر العربي المعاصر -الهيئة المصرية العامة للكتاب -القاهرة -1997 -ص 242








