عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

ابتهال عبد الوهاب: الفلسفة والإنسان.. من صراع الأنا إلى رحابة الوجود

عندما يكون تأثير الفلسفة عليك حقيقيا، لن تكره أحدا، لن تحقد على أحد، ولن تقصي أحدا. ستتسع في إنسانيتك، وتغدو أكثر قدرة على احتضان الاختلاف، لا بوصفه تهديدا لوجودك، بل بوصفه وجها آخر من وجوه الحياة.

سيبدو العالم أكثر إغراء للفرجة والتأمل، لا ساحة للتنافس ولا ميدانا لإثبات التفوق على الآخرين.

ستدرك أن الجميع، بطريقة أو بأخرى، هم أبناء ظروفهم، ونتائج حكايات لم يختاروا بداياتها، وتشكيلات معقدة من الموروث والخوف والتجربة والاحتياج. وأن قليلين فقط يمتلكون شجاعة مراجعة ما صاغهم، والتمرد على ما ظنوه قدرا لا سبيل إلى تغييره.

ستتعلم ألا تحاكم الإنسان من نهايته، قبل أن تتأمل الطريق الذي قاده إليها، وألا تختزل وجوده في خطيئة، أو فكرة، أو موقف عابر.

ستدرك أن الإنسان كثيرا ما يكون ابن ما لم يختره. او كما يقول الفيلسوف حسن حماد نحن أبناء رميه النرد ، وستدرك أن بعض قسوته ليست سوى خوف قديم لم يجد طريقا آخر إلى التعبير عن نفسه، وأن بعض تعصبه ليس قوة في اليقين، بل عجزا عن احتمال الأسئلة. وحين تفهم ذلك، لا يصبح الآخر عدوا، حتى حين تختلف معه، بل يصبح سؤالا آخر عن الإنسان.

وحين تنضج رؤيتك، لن تعود معركتك مع الآخرين، بل مع كل ما فيك من جهل، وكل ما استقر في وعيك دون أن تمنحه حق السؤال

 ستكتشف أن الحرية ليست أن تنتصر على الناس، بل أن تتحرر من حاجتك إلى إخضاعهم، وأن القوة ليست في قدرتك على إيلام أحد، بل في قدرتك على ألا تجعل من ألمك مبررا لإيلام الآخرين

قد يظن الإنسان أنه يحتاج إلى المال، بينما حاجته الأعمق هي الأمان. وقد يظن أنه يحتاج إلى الحب، بينما هو في الحقيقة يبحث عن اعتراف بوجوده. وقد يتوهم أنه يريد امتلاك الآخرين، بينما يعجز عن امتلاك زمام نفسه. وهكذا، كلما أخطأ الإنسان في معرفة حاجته، ازداد اغترابه عنها، وصار ما يظنه طريقا إلى الاكتفاء بابا جديدا إلى الجوع.

عندما تتعمق في الفلسفة ستبدو لك الحياة أقل شبها بساحة للمبارزة، وأكثر شبها بمسرح واسع، يقف عليه كل واحد منا للحظة، يؤدي دوره كما استطاع، ثم يغادر دون أن يعرف إن كان قد فهم النص أم قضى عمره يحفظه..

الفلسفة لن تمنحك العالم الذي تشتهيه، لكنها تمنحك وعيا يجعلك ترى العالم خارج حدود اشتهائك

لا تعدك بأن تصبح أكثر امتلاكا، بل تدعوك إلى أن تصبح أقل ارتهانا لما لا تملك. ولا تعلمك كيف تنتصر على الجميع، بل كيف تتخلص من ذلك الجزء فيك الذي لا يشعر بقيمته إلا حين ينتقص من قيمة الآخرين.

ولذلك التسامح الذي تصنعه الفلسفة ليس ضعفا أمام الخطأ، ولا صمتا أمام الظلم، بل قدرة على مقاومة الشر دون أن تتشبه به، ونقد الأفكار دون أن تتحول إلى عدو للإنسان، ومواجهة القبح دون أن تسمح له بأن يستوطن روحك.

إن الأثر الحقيقي للفلسفة ليس أن تجعلك تعرف أكثر فحسب، بل أن تجعلك أقل حاجة إلى الكراهية، وأقل افتقارا إلى التصفيق، وأكثر تحررا من أوهام التفوق.

أن تبلغ من الوعي حدا لا تعود فيه الحياة امتحانا مستمرا لقيمتك، ولا يصبح وجود الآخرين خصما من وجودك، ولا تحتاج فيه إلى أن تنتصر في كل جدال كي تطمئن إلى صوابك.

. لا تعود بحاجة إلى تحطيم الآخرين كي تشعر بعلوك، ولا إلى إقصائهم كي تثبت انتماءك، ولا إلى امتلاك الحقيقة كاملة كي تمنح نفسك حق الوجود.

هناك فقط، ستكتشف أن العالم لا يحتاج إلى نسخة أخرى منك، بل إلى إنسان أكثر وعيا بحدوده، وأكثر رحمة بضعفه، وأكثر شجاعة في مواجهة أوهامه.

وأن أعظم ما يمكن أن تبلغه الفلسفة فيك، ليس أن تصبح فوق الآخرين، بل أن تتحرر من الحاجة إلى أن تكون فوق أحد.

الفلسفة لا تمنحك بالضرورة حياة أسهل، لكنها تمنحك عينا ترى بها حياتك من مسافة. وهذه المسافة هي أول أشكال الحرية؛ أن تستطيع أن تنظر إلى أفكارك دون أن تكون أسيرا لها، وإلى رغباتك دون أن تنحني أمامها، وإلى مخاوفك دون أن تمنحها حق تقرير مصيرك.

قد لا تكون الحكمة أن نفهم العالم كله، فهذا مستحيل، وإنما أن نفهم موضعنا منه؛ أن نعرف ما نحتاج، وما نريد، وما يمكننا احتماله، وما ينبغي أن نتركه يمر دون أن نحوله إلى معركة

وربما تكون الثمرة الأعمق للفلسفة أن تتحرر من الحاجة إلى أن يكون العالم نسخة منك، وأن تكف عن مطالبة الآخرين بأن يروا ما تراه، أو أن يؤمنوا بما تؤمن به، أو أن يسيروا في الطرق التي اخترتها لنفسك. أن تدرك أن اختلاف الإنسان ليس خللا في الوجود، وأن الحقيقة لا تصبح أكثر حقيقة حين نصفق لها جميعا

أن تبلغ من الوعي ما يجعلك ترى في الآخر إنسانا قبل أن تراه خصما، وفي الاختلاف إمكانية للفهم لا ذريعة للعداء، وفي الحياة تجربة تستحق التأمل لا سباقا محموما نحو اعتراف الآخرين.

ما قيمة أن نبلغ قمة الحقيقة إذا كان الطريق إليها قد جعلنا أكثر قسوة وأقل قدرة على رؤية الإنسان؟

لعل أسمى ما تمنحنا إياه الفلسفة هو أن نغادر هذا العالم دون أن نكون قد أضفنا إلى أوجاعه وجعا، أو إلى أسواره سورا، أو إلى يقينياته سجنا جديدا

***

ابتهال عبد الوهاب

 

في المثقف اليوم