عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

محمد أحمد عبيد: أزمة الذين يعرفون مصائر الناس.. أين ضاع الوعي؟!

ليست أخطر أزمات التدين أن يخطئ الإنسان في فهم مسألة ما، ولا أن يضيق أفقه في باب من أبواب المعرفة؛ فخطأ الفهم من طبيعة الإنسان، وضيق الأفق قابل للتوسعة بالتعلم والتجربة ومراجعة النفس والتقويم.. وإنما تبدأ الأزمة الحقيقية حين يتحول جهل الإنسان إلى يقين مطلق، وظنه إلى حكم ثابت؛ يدعوه إلى تحويل الاختلاف إلى خصومة، والخصومة إلى تفسيق أو تبديع أو تخوين، ثم ينتهي الأمر به إلى امتلاك مفاتيح الجنة والنار في الوعي الشخصي.. وعندها لا يصبح الدين -في نظره القاصر- حقيقة لبناء الإنسان؛ بل يصبح أداةً للحكم على الإنسان ومحاكمته وإرهابه!

ومن هنا يمكن النظر إلى أنماط متعددة من التفكير المنحرف أو المتشدد أو اللا أخلاقي أو الجاهل أو غير الواعي أو عديم الفقه أو ذي النظرة القاصرة الضيّقة.. على اختلاف صورها ومظاهرها، باعتبارها تلتقي أحيانًا عند دافع معرفي واحد؛ ألا وهو التشكيك الجهلي؛ وهو ذلك التشكيك الذي لا ينشأ عن بحث علمي، ولا عن سؤال معرفي نزيه، وإنما عن تصور مسبق يجعل المختلف موضع ريبة قبل أن يكون موضع فهم، فيسأل صاحبه: "كيف يمكن أن يكون على حق؟" قبل أن يسأل: "ماذا يقصد؟ وما دليله؟ وما سياقه؟ وما مدى دلالة كلامه؟".

وهنا يقع الانحراف الأصولي قبل أن يقع الانحراف الفقهي؛ لأن من أبجديات النظر المنهجي أن الحكم على الشيء فرع عن تصوره، فمن لم يتصور كلام الآخر تصورًا صحيحًا، ولا عرف مقصده، ولا أحاط بسياقه، ثم أصدر عليه حكمًا، فإن حكمه لا يستند إلى العلم، ولو أكثر من الاستشهاد بالنصوص، فالنص الصحيح لا ينقذ دائمًا من سوء التنزيل، كما أن كثرة المحفوظات لا تعني بالضرورة سلامة الفهم لها.

إذن؛ المشكلة ليست في أن يختلف الناس؛ فالاختلاف سنة في العقل الإنساني، بل إن تاريخ العلوم الشرعية نفسه شاهد على أن اختلاف الأنظار لم يكن دائمًا علامة فساد، وإنما كان في كثير من صوره دليلًا على حيوية الاجتهاد واتساع النظر.. فالمشكلة تبدأ حين يتوهم أحدهم أن صحة ما يراه تستلزم بطلان كل ما عداه، وأن امتلاكه لدليل في مسألة ما يمنحه حق مصادرة نيات الآخرين ومقاصدهم ومآلاتهم.

وهذا هو الانتقال الخطير من فقه المسألة إلى محاكمة الإنسان وترويعه!

فثمة فرق عميق بين أن تقول: "هذا القول أراه خطأً"، وبين أن تقول: "صاحب هذا القول من أهل الخطأ والهلاك"؛ فالأول حكم معرفي قابل للنقاش والنظر والمراجعة، أما الثاني فهو انتقال من دائرة البحث في الأقوال إلى دائرة الحكم على المصائر، وبين الدائرتين مسافة أصولية وأخلاقية هائلة جدًا.

لقد نشأ في بعض البيئات الدينية وعيٌ غريب يجعل التدين أشبه بمحكمة دائمة للآخرين؛ فيصبح السؤال الأول عند رؤية المختلف: هل هو ناجٍ أم هالك؟ بدل أن يكون السؤال: ما الذي جعله يرى الأشياء بهذه الطريقة؟ وما مقدار الحق الذي يمكن أن يكون في كلامه؟ وما الذي يمكن أن نتفق عليه؟ وكيف يمكن أن نحفظ للإنسان كرامته ونحن نختلف معه؟

وهنا تتجلى إحدى أكثر المفارقات إيلامًا؛ أن يتحول التدين من وسيلة للارتقاء بالإنسان إلى وسيلة للاطمئنان إلى نجاته الشخصية عبر تخيل هلاك الآخرين.. وهنا تبرز أزمة عميقة جدًا تهدد حياة الناس وأمنهم!

والحال أن الإيمان لا يمنح الإنسان علمًا بالغيب لمجرد أنه آمن، والقرآن الكريم حين يتحدث عن الحكم على الناس لا يجعل المعيار هو مجرد الانتماء إلى صورة جماعية، ولا يفتح للإنسان بابًا مطلقًا إلى سرائر الخلق؛ بل يقرر قاعدة معرفية وأخلاقية شديدة العمق في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم "مَنْ يُرِدِ اللهُ به خَيْرًا يُفَقِّهْه في الدِّينِ"، وهذا يؤكد أن العلم الحقيقي ليس مقتصرًا على مجرد امتلاك ظاهر النص؛ وإنما هو امتلاك لأهلية النظر والفهم فيما يراد الحكم عليه، وبين النص والحكم مساحات من الفهم والدلالة والسياق والمقصد والمآل لا يجوز اختصارها بعجلة نفسية تريد جوابًا سريعًا.

إن التشدد يبدأ غالبًا من اختزال العالم، فالعالم في العقل المتشدد بسيط أكثر مما ينبغي؛ فهو أبيض وأسود، حق وباطل، معنا وضدنا، ناجٍ وهالك.. لا مساحة للالتباس، ولا للجهل المعذور، ولا لتفاوت المدارك، ولا لاختلاف البيئات، ولا لتعقيد الإنسان، ولا لتداخل المصالح والظروف والتجارب.. كل شيء ينبغي أن يأخذ حكمًا نهائيًا، وكل إنسان ينبغي أن يوضع في خانة تحده!

لكن الإنسان ليس خانة! الإنسان تاريخ طويل من الضعف والقوة، والعلم والجهل، والصدق والخطأ، والنية والعمل، والظروف والاختيارات.. ولذلك فإن اختزال الإنسان في خطأ واحد، أو موقف واحد، أو عبارة واحدة، هو في جوهره اختزال للإنسان نفسه، والفقه الذي لا يرى هذه التعقيدات يتحول من علم لفهم الواقع إلى آلة لتصنيفه. ولذلك فإن الأزمة أعمق من "التشدد الديني" في معناه المتداول؛ إنها أزمة وعي ديني، والوعي الديني لا يعني أن تعرف الأحكام فحسب؛ بل أن تعرف حدود معرفتك بها، وأن تدرك الفرق بين القطعي والظني، وبين النص وتأويل النص، وبين الحكم على الفعل والحكم على الفاعل، وبين الخطأ والكفر، وبين المخالفة والعداوة، وبين النصيحة والإدانة، وبين الغيرة على الدين والرغبة في السيطرة على الناس باسم الدين.. إن الوعي ببساطة هو المعرفة المجردة عن الهوى والانتماء الطائفي..

وهذه التفرقة هي جوهر الفقه الراشد؛ فالفقه ليس كثرة الأحكام، وإنما حسن تنزيل الحكم على محله.. وليس العلم أن تعرف ما تقول فقط؛ بل أن تعرف متى تقول، وكيف تقول، ولمن تقول، وما الذي يترتب على قولك.. ولهذا كان النظر في المآلات جزءًا من العقل الفقهي؛ لأن الكلمة التي تُقال باسم الحق قد تُنتج باطلًا في الواقع إذا أُخرجت من سياقها، أو قيلت بغير ميزان، أو تحولت من إصلاح إلى تحريض، ومن نصح إلى احتقار..

ومن هنا أيضًا يمكن فهم خطورة الصبغة الشكلية للتدين حين تستولي على الوعي؛ إذ قد يصبح المظهر معيارًا للحقيقة، والشكل بديلًا عن المقصد، والجزئي حجابًا عن الكلي، والهيئة الخارجية معيارًا للحكم على عمق الإنسان.. وليس الخطر هنا في الشكل ذاته، فالشرائع لا تخلو من صور وهيئات وأحكام ظاهرة، وإنما الخطر حين يُختزل الدين في الشكل ويُنسى المعنى الذي من أجله شُرع الشكل.. فالدين الذي يعلّم الإنسان الطهارة الظاهريّة ولا يعلّمه طهارة القلب؛ ويعلّمه ضبط اللسان ولا يعلّمه حرمة الكرامة الإنسانية؛ ويعلّمه الحكم على الأفعال ولا يعلّمه التثبت في الحكم على أصحابها؛ إنما هو دين يحتاج إلى مراجعة في طريقة فهمه لا إلى مزيد من الشعارات حوله.

إن أخطر أشكال الجهل ليس أن يجهل الإنسان معلومة، وإنما أن يجهل أنه يجهل! فالجاهل البسيط يمكن تعليمه، أما الجاهل المركب فلا، لأنه لا يبحث عن الحقيقة؛ فهو يعتقد أنه يمتلكها كاملة أساسًا.. ولذلك فإن التشكيك الجهلي أخطر من السؤال الصادق؛ لأن السؤال يفتح العقل، أما الشك المتعصب فيغلقه ثم يضع على إغلاقه اسم "اليقين"!

ومن هنا يصبح المختلف في نظره مشبوهًا قبل أن يكون مخالفًا، وتصبح مخالفته دليلًا على سوء قصده، ثم يصبح سوء قصده دليلًا على فساد دينه، ثم يصبح فساد دينه مقدمة للحكم على مصيره.. وهكذا تتحول سلسلة من الافتراضات غير المبرهنة إلى يقين أخروي كاذب.

وهذه قفزة لا يبررها الفقه ولا تستسيغها الأخلاق.. فالقول بأن "الآخر هالك" هو موقف من وجود الإنسان نفسه، ولذلك ينبغي أن يكون الوعي الديني شديد الحذر في التعامل مع أحكام المصير.. فالإنسان يستطيع أن يناقش فكرة، وأن يرد قولًا، وأن يبيّن خطأ منهج، وأن يرفض سلوكًا؛ لكنه لا ينبغي أن يتعامل مع مصائر الناس وكأنه يقف في موضع القضاء الإلهي المطلق!

بل إن من أعمق مفارقات التدين أنه كلما ازداد الإنسان وعيًا بعظمة الله المطلقة، ازداد تواضعه في الحكم على عباد الله؛ لأنه يعرف أن الله أعلم بالسرائر، وأعلم بالظروف، وأعلم بما وراء الكلمات والأفعال، وأعلم بمن بلغه الحق وكيف بلغه، وما فهمه منه، وما عجز عن فهمه، وما حمله على اختياره.. ولهذا فإن التدين الحقيقي لا يقتل الإنسان باسم الدين، ولا يحتقر الإنسان باسم الحقيقة، ولا يجعل الاختلاف سببًا لإهدار كرامته.. فالإنسان يبقى هو الإنسان؛ له حرمة، وله كرامة، وله حق الأمن والعيش، وله حق في أن يُفهم قبل أن يُدان.

إن مجرد كونك متدينًا لا يمنع كونك إنسانًا.. بل لعل التدين الحقيقي هو أن تصبح إنسانًا أكثر إنسانية، فالدين لا يأتي ليحرر الإنسان من إنسانيته، وإنما جاء ليهذبها ويرفعها من مستوى الغريزة إلى مستوى المسؤولية، ومن الأنانية إلى الرحمة، ومن الفوضى الداخلية إلى المعنى المثالي، ولذلك فإن العلاقة بين التدين والإنسانية ليست علاقة تناقض؛ إذ لا قيمة لتدين يُنتج قسوةً تُهين الإنسان، ولا معنى لعبادة تنتهي إلى احتقار الخلق.

والدين الذي يحب الله لا يمكن أن يكون معاديًا للإنسان الذي خلقه الله، فحتى الكافر نفسه ــمن حيث كونه إنسانًاــ لا يفقد إنسانيته، ولا تسقط عنه كرامته الإنسانية لمجرد اختلاف اعتقاده، فالاختلاف العقدي لا يبرر الظلم، والاختلاف الفكري لا يبرر الإهانة، والمخالفة الدينية لا تبيح العدوان، فيمكن للإنسان أن يعتقد أن عقيدة ما باطلة؛ وأن يناقشها؛ وأن يرفضها؛ وأن يبيّن ما يراه من خطئها، دون أن يتحول رفض الفكرة إلى كراهية للإنسان ذاته.

وهنا يظهر الفارق بين دين يبني الضمير ودين يُستعمل لتغذية الأنا؛ فالأول يجعل الإنسان أكثر رحمة، وأكثر احتياطًا في الحكم، وأكثر قدرة على الاعتراف بالخطأ، وأكثر تواضعًا أمام الحقيقة. أما الثاني فيمنح صاحبه شعورًا بالامتياز، ثم يحول هذا الامتياز إلى حق مزعوم في مراقبة الآخرين وتصنيفهم والحكم عليهم!

ولذلك فإن معركة الوعي الديني ليست مع كثرة المعلومات، وإنما هي مع طريقة استعمال تلك المعلومات، فقد يحمل الإنسان آلاف النصوص ولا يملك فقهًا واحدًا في تنزيلها، وقد يحفظ عشرات الأحكام ولا يعرف مقصدًا واحدًا من مقاصد التشريع، وقد يكثر حديثه عن السنة وهو عاجز عن ممارسة أدنى أخلاقها في تعامله مع المخالف!

إن المعرفة حين تنفصل عن الأخلاق تصبح أداة للهيمنة، كما أن التدين حين ينفصل عن الرحمة يتحول إلى قسوة مقدسة، والفارق بين العالم والمتشدد ليس دائمًا في مقدار ما يعرفه كل منهما؛ بل في كيفية تعامله مع ما لا يعرفه، فالعالم يقول: "لا أعلم"، أما المتشدد فيقول: "أعلم ما في قلبك"!

العالم يميز بين ما ثبت وما لم يثبت، أما المتشدد فيحوّل الاحتمال إلى يقين.. العالم يفرّق بين الحكم على القول والحكم على قائله، أما المتشدد فقد يجعل القول طريقًا سريعًا إلى محاكمة صاحبه.. العالم يعرف أن الحقيقة أكبر من ذاته، أما المتعصب فيجعل ذاته معيارًا للحقيقة..

ومن هنا؛ فإن إصلاح الخطاب الديني لا يبدأ دائمًا بإضافة نص جديد إلى المكتبة، وإنما يبدأ بإعادة بناء الإنسان الذي يقرأ النص، لأن النص الواحد قد يصنع رحيمًا إذا قرأه قلب واسع، وقد يصنع قاسيًا إذا قرأه عقل مغلق، فالمشكلة فيما يحمله القارئ إلى النص من مخاوفه وصراعاته وأحكامه المسبقة..

وهكذا فإن الفوضى التي يصنعها الفكر المنحرف ليست فوضى في الأفكار وحدها، وإنما فوضى في معايير الحكم على الأفكار والناس، وحين تختل هذه المعايير يصبح كل مختلف متهمًا، وكل سؤال شبهة، وكل مراجعة تراجعًا، وكل نقد طعنًا، وكل رحمة تمييعًا، وكل انفتاح انحرافًا يجر إلى الهاوية!

والخروج من هذه الدائرة يكون بالعودة إلى عمق الدين؛ إلى دين يجعل الإنسان مسؤولًا عن نفسه قبل أن يكون مسؤولًا عن الناس، وإلى فقه يعلّمه أن الحكم يحتاج إلى علم، وأن العلم يحتاج إلى تصور، وأن التصور يحتاج إلى تأنٍّ، وأن التأنّي يحتاج إلى أخلاق، وأن الأخلاق ليست هامشًا على التدين؛ بل جزء من حقيقته الكبرى ومقاصده العليا.

وربما آخر ما ينبغي أن يُقال؛ أن التدين ليس أن تنجو وحدك في خيالك، وتوزع صكوك الهلاك على العالم؛ وإنما التدين أن تخاف على قلبك من أن يتحول اليقين فيه إلى كِبر، وأن تخاف على علمك من أن يتحول إلى أداة لإذلال الناس، وأن تدرك أن الطريق إلى الله لا يمر فوق كرامة الإنسان.. فإذا كان الدين قد جاء ليهدي الإنسان، فإن أول علامات الوعي به أن لا نفقد الإنسان ونحن نبحث عن الدين!

وإذا كان الله سبحانه رب العالمين، فإن رحمته ليست ملكًا لجماعة، ولا مذهبًا، ولا طائفة، ولا فردًا، وإن الإنسان -قبل كل تصنيف- أحد أفراد هذا العالم الذي خلقه الله عز وجل، وجعل له من الكرامة ما يوجب على المتدين أن يكون أرحم به، لا أشد عليه.

ولعل أعمق صور التدين أن تعرف أن الله سبحانه لا يحتاج إلى قسوتك على عباده وعياله!

***

د. محمد أحمد عبيد

كاتب مصري حاصل على دكتوراه في الفلسفة والفكر

في المثقف اليوم