عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

أشرف منير رمزي: قراءة في فكر ابتهال عبد الوهاب

عندما يسود المجتمع وعي ماضوي، وثقافة احادية، وتعليم تنميطي يعتمد على التلقين والحفظ، وسياسة تعمل على خلق هُوية مُغلَقة، ويتصدر المشهد المُؤدلَجون، ويدخل الفن تحت الوصاية، ويكون الإعلام بوق دعاية وليس منبر تثقيفي وتوعوي عندها يتحول الناس إلى نُسخٍ مُكررة تجتر ما ابتلعته من أفكار دون أن تمر على العقل، لأن العقل قد تم احتلاله داخل هذه البنية المعرفية التي تخلق قطيع يُساق.

هنا تظهر حاجة ضرورية إلى أشخاص قادرون على طرح السؤال ومحاكمة النسق والنمط الواحد، لذلك تعلو قيمة صوت الاستاذة إبتهال عبد الوهاب الذي صدح شادياً: (لا يقاس الانسان بمدى اندماجه في القطيع، بل بقدرته على مقاومة الذوبان فيه. فالسلام الذي يمنحه التشابه سلام هش، سرعان ما ينهار عند اول سؤال حقيقي. وحده المختلف يدفع ثمن الوعي، لكنه وحده ايضا يمتلك شرف المعنى).

وهنا سوف نسعى معاً إلى قراءة فكر ابتهال عبد الوهاب لعل المجتمع ينتبه إلى هذا العقل الثري الذي ينفجر كشلال هادر، طامحاً إلى إزالة ما تراكم من نفايات الجهل داخل بنية العقل الجمعي المصري.

أولاً: التمرد 

ليس التمرد في فكر إبتهال هو إعتراض على واقع ترفضه وحسب، إنما هو سيرورة وصيرورة أي إنه فعل هدم وبناء في آنٍ واحد أما ماذا تهدم وماذا تبني ؟!! إنها تهدم الماهيات التي يفرضها عليها المجتمع لتبني وتخلق ماهية تخصها وكينونة تتجلى من خلالها ذاتها الشخصية لذلك تقول (انا ظاهرة تشكلت حين قررت الروح ان تخرج من قالبها.. ‏وتجرؤ على ان تكون ذاتها ولو كلّفها ذلك عزلتها الكونية... انا الكينونة التي تشق لنفسها دربا).

ومن أجل لذلك لم تقف عند قيود المجتمع التي تحرم المرأة من كينونتها بل تمردت على هذا النسق الإقصائي الذكوري وصرخت وهى تحمل صرخة كل أنثى قائلة: (ولدت أنثى في مجتمع ذكوري، لكنني لم أقبل أن تكون الأنوثة سجنا، ولا الذكورة معيارا للإنسانية. أردت فقط أن أعيش بإنسانيتي كاملة، أن أفكر دون وصاية، وأسأل دون خوف، وأختلف دون أن أدفع ثمن اختلافـي

ثمة امرأة قديمة في داخلي ماتت مرات كثيرة، وفي كل مرة كنت اعود منها بملامح مختلفة، وبقلب اكثر حذرا، ووعي اكثر عمقا. واليوم لا اريد ان اعود الى تلك المرأة...).

إذن فعل التمرد عند السيدة إبتهال هو فعل فلسفي وجودي، يعمل على تفكيك الماهيات المُسبقة، وتكسير القيود التي تكبل الحضور الانساني الحر وتمنع العقل من ترك بصمته الخاصة التي لا يمكن لأحد غيره أن يقوم بها.

لذلك يكون التمرد مفتاح هام في قراءة فكر إبتهال عبد الوهاب، ودعوة دائمة لحث قراءها على الاستجابة لنداء التمرد للخروج من نفق الإنغلاق والتحجر والإستنساخ الفكري.

ثانياً: الأنسنة

يقف الانسان في بؤرة إهتمام إبتهال عبد الوهاب لذلك سعت إلى أنسنة التراث الديني (المقدس)، وأنسنة القيم،وأنسنة السلطة في الواقع المُعاش.

١ - أنسنة الوعي الديني

أ - أنسنة التراث الديني

قامت الاستاذة إبتهال بتفكيك البنية المعرفية للتراث لذلك وضعت التراث الديني في إطار الاجتهادات الانسانية ولم تضعه في دائرة المقدس لكي تعمل على تحيده حتى لا يأخذ سُلطة على العقل لذلك قالت:

(غير أن التراث، في حقيقته، ليس نصا مقدسا، بل نص تاريخي كتبه بشر عاشوا ظروفا خاصه. وفكروا بأدوات عصرهم، وأجابوا عن أسئلة زمانهم. ومن الظلم للعقل أن نحوله إلى صنمٍ ذهني نطوف حوله دون أن نجرؤ على سؤاله.

إن المشكلة لا تكمن في التراث نفسه، فالتراث في جوهره ذاكرة الإنسانية وتجربة العقول التي سبقتنا. لكنه يصبح خطرا حين يختزل في صورة مقدسة لا يجوز الاقتراب منها. ففي تلك اللحظة يتوقف عن كونه معرفة، ويبدأ في التحول إلى سلطة. والسلطة حين تستقر في الفكر دون مساءلة لا تنتج علما بل تنتج طاعة. وتتحول سريعا إلى نوع من الجمود المعرفي).

لذلك دفاعاً عن الانسان ذهبت إلى ضرورة قراءة التراث الديني في سياقاته التاريخية والابتعاد عن تحويله إلى صنم يسجد له الإنسان، فالتراث في خدمة الانسان وليس العكس.

ب - أنسنة الطقس الديني

لم تنظر إبتهال إلى الطقس والاحتفال الديني من واقع التصور الدجمائي المُغلَق بل الخروج من مساحة العقيدة الضيقة إلى مساحة الانسانية الرحبة، لذلك قدمت رؤيتها المتقدمة عن شعيرة الصوم قائلة: (غير ان الخطر الحقيقي يكمن حين يختزل الصوم في الامتناع عن الطعام بينما تترك مساحات واسعة من السلوك اليومي اسيرة للكذب والنفاق واقصاء الاخر وازدراء العمل وتعطيل العقل. هنا يتحول الصوم من قيمة محررة إلى اداة تبرير ومن تجربة روحية إلى طقس اجتماعي يعاد انتاجه بلا وعي. وهو ما نبه إليه محمد اركون حين حذر من تقديس الشعائر على حساب النقد الاخلاقي معتبرا ان اخطر اشكال التدين هو ذاك الذي يصادر العقل ويغلق افق السؤال).

وعلى نفس القياس قدمت قراءة إنسانية لذبح الاضاحي حيث نبهت أن الاضحية الحقيقية هى ذبح كل ما يعتمل في النفس من قبح يعمل على إهدار قيمة وكرامة الانسان لذلك تترك لنا سؤالاً: (ولهذا يبدو عيد الأضحى سؤالا أخلاقيا أكثر منه طقسا دينيا: أيهما أولى بالذبح.. الخروف أم القسوة التي تسكن الإنسان؟.. ما الذي يجب أن يموت في الإنسان.. كي يصبح أكثر إنسانية؟).

٢ - أنسنة منظومة القيم.

لعل ما يلفت النظر أن القائمين على السلطة يجعلون الدين مصدر القيم الاخلاقية، حتى إنهم وضعوا الدين في قمة أدوات الضبط الاجتماعي لأن الناس تعيش بمنطق الحلال والحرام . أما الاستاذة إبتهال فإنها تضع من يقوم بإنتظار المكافأة على أفعاله في دائرة النفعية والمصلحة وهذا فى حد ذاته خَصماً من القيمة الاخلاقية للفعل ذاته. فالفعل يكتسب قيمته الاخلاقية من واقع تاثيره على الآخر إيجاباً وسلباً وليس لان القانون أو الدين بمنع الفعل يصبح  شريراً ولكن الضرر الذي ترتب علي القيام بهذا الفعل هو ما أعطى القيمة اللاأخلاقية لهذا الفعل . لذلك تقول لنا في مواجهة ساخنة مع العقل الدوجمائي: (لكن ثمة سؤالا أكثر عمقا: لماذا نحتاج أصلا إلى وعد بالجنة حتى نفعل الخير؟

ألا ينبغي أن تكون حياة الإنسان نفسها جديرة بأن نخفف آلامها، ونوسع إمكاناتها، ونمنح أبناءها فرصة أفضل للحياة، حتى لو لم يكن وراء ذلك ثواب موعود؟

هنا تبدأ الأخلاق في الارتقاء من منطق المكافأة إلى منطق المسؤولية).

ولا تقف الاستاذة إبتهال عند منظومة القيم الاخلاقية المعروفة لدى العامة بل أضافت إليها قيمة (القلق)

وقد يُصاب المرء بالدهشة من هذه الاضافة إلى منظومة القيم ولكن بالرجوع إلى فكر السيدة إبتهال نجد أن القلق هو فعل وجودي يعمل على تحريك الوعي من منطقة البلادة والجمود إلى منطقة الحركة وتحديث الفكر .

كما إنها تنتقد (المعرفة) وتقول إنها تفتقد بعدها الاخلاقي عندما تتحول إلى إداة لإنتاج الجهل والتعصب والكراهية (المعرفة في ذاتها ليست ضمانا للفضيلة بل قد تكون احيانا حجابا يحجب الانسان عن ذاته اذا لم تصقل بالوعي النقدي ولم تصف بالممارسة الاخلاقية فما جدوى عقل واسع الاطلاع ان كان اسيرا لرغباته الضيقة وانفعالاته اللحظية وما نفع ثقافة مترامية الاطراف اذا كانت عاجزة عن تحرير صاحبها من اسر التعصب والانحياز لقناعات مسبقة لا تفعل سوى اعادة انتاج الجهل في صورة اخرى).

٣ - أنسنة السُلطة

في ظل سياق عربي يترنح تحت صراعات دامية من أجل السُلطة، لذلك من تستب له يقبض عليها وكأنها هبة سماوية وكأنه هو مسيح ومخلص لهذا الشعب البائس، لذلك لا تستمد الدولة سلطتها وممارساتها داخل هذه النظم من الدستور والقانون بل من اللّه والزعيم المُلهم، لذلك تدفع الشعوب ضريبة هذا التصور عن السلطة. لذلك أنسنة السلطة عند الاستاذة إبتهال تعني أن الدولة هى نظام بشري يهدف إلى حماية الافراد من الفوضي وتعمل على صون حرياتهم وحقوقهم الاجتماعية والفكرية والدينية لذلك يجب أن تقف الدولة على مسافة واحدة من الجميع. ويجب أن يكون مِرجَع الدولة الدستور والقانون . لذلك تلخص رؤيتها نحو السلطة هكذا (أريد دولة يكون القانون فيها أقوى من الحاكم، والحق أعلى من الامتياز، والإنسان أكرم من كل شعار).

ثالثاً: الفلسفة

ليست الفلسفة عند إبتهال عبد الوهاب إجترار لأفكار كبار الفلاسفة وليست صدى صوت لاصواتهم بل الفلسفة كما تراها السيدة إبتهال هى أداة العقل للخروج من كهف الطمأنينة الزائفة إلى فضاء الشك الذي يلتمس الحقيقة، هى عدم الاكتفاء بالاجابات المُعلَبة بل السؤال الذي يفضح الجهل ويُعرّي الوهم،وبعبارتها هى (ضرورة أخلاقية وفكرية. إنها تلك اليد الخفية التي تمسك العقل وتمنعه من الانحدار نحو يقينيات مطلقة لا تعرف الشك ولا تعترف بالآخر. الفلسفة ليست موسوعة لأسماء الفلاسفة، ولا هي تكديس للنصوص، بل هي نمط خاص في النظر إلى العالم، رؤية تؤنسن الوجود، وتحول التجربة الفردية إلى مجال لاكتشاف الذات والآخر معا. وما الفلسفة إلا هذا التوتر الجميل بين حرية الفرد وانعكاس المجتمع فيه، بين تفرده وتشابكه، بين صوته الخاص وصدى البشرية في داخله.

الفلسفة ليست علما يدرس فحسب، بل هي طقس من طقوس الحياة. دهشة ممتدة وصوت داخلي يوقظ فينا السؤال الأول. السؤال الذي يشق الصمت ويخلق المعنى).

وقد إستخدمت الاستاذة إبتهال الفلسفة في إعادة تعريف مصطلح الجاهلية و تفكيك البنية المعرفية للتطرف ودافعت من خلالها عن حق الاختلاف العقيدي.

الاستاذة إبتهال عبد الوهاب ليست مثقفة تسكن في برج عاجي، وليست فيلسوفة تسبح في فضاء ميتافيزيقي بل هى فيلسوفة تشتبك مع المجتمع وتتفاعل مع قضاياه وتسعى إلى بناء عقول حرة ناضحة قادرة على الاختيار وبناء ذواتهم وماهياتهم الخاصة.

انا لا أدعي إنني إستوفيت كل فكر الاستاذة إبتهال بل فتحت نافذة صغيرة للقارئ ليطل من خلالها على هذا الانتاج الفكري والادبي الرائع كما أدعو غيري من القراء لتناول فكر إبتهال بالمناقشة والتحليل والقراءة المحايدة، فهذا ما يجعل الافكار قادرة على التوالد وإنتاج البُنى الفكرية المتكاملة.

***

بقلم: أشرف منير رمزي

في المثقف اليوم