(يُعدّ التفلسف نشاطاً ممتعاً ومُتجدداً؛ فهو يزخر بالقضايا العميقة والشيقة، ويمنحنا رؤيةً للعالم أكثر جِدّةً وإثارة)
قبل وفاته بعامين، كتب الفيلسوف وعالم النفس الأميركي جون ديوي رداً على سؤال حول مصير الفلسفة يقول: "كنت أسعى لإطالة عمر الفلسفة، لكن كلمتين أصبحتا قريبتين من الناس، وهما العلم والديمقراطية، أسدلتا الستار على مهنة الفيلسوف". كان ذلك عام 1950، آنذاك كان ديوي يعتقد أن الإنسان المعاصر قد تجاوز الفلسفة، وأن النظم السياسية الحديثة والثورة العلمية كانتا وراء موت الأم العجوز "فيلسوفيا"، فهل ماتت الفلسفة حقاً؟ وهل على البشرية أن تؤدي لها الطقوس والمراسم الجنائزية؟.
كان ديوي من المتحمسين إلى أقصى حد لنجاح العلم ومناهجه في البحث، وكان مؤمناً إيماناً جازماً بالإمكان الحقيقي للتقدم العلمي في الأمور البشرية، فالمجتمع لا يمكن أن يتقدم إلا إذا كان أعضاؤه على قدر من التربية ليكونوا عقلانيين ومرنين، واعتقد ديوي أنه لا بد من تشجيع الفن لأنه يثير "الحلول" الخيالية ومشكلاتها الفريدة.
كان ديوي يرى أن المجتمعات الديمقراطية هي الأفضل لأنها مجتمعات مرنة تتجنب المعتقدات الجامدة، وبذلك تكون قادرة على التغيير. وظل ديوي مهتماً بالنظم الجديدة في علم الاجتماع، لأنه يعتقد بقدرتها على حل المشكلات الاجتماعية بعيداً عن التنظير الفلسفي. وظل مصراً على أن الفلسفة إذا لم تعالج مضامين النسبية والذكاء الاصطناعي والرياضيات فإنها في طريقها إلى الانهيار، الأمر الذي دفعه إلى كتابة مقال بعنوان "الانهيار الفلسفي" أكد فيه أن الفلسفة نوع من المرض، يحتاج أطباؤه إلى علاج.
وكفيلسوف براغماتي، يقدم ديوي المولود عام 1859 مفهوماً مختلفاً عن المعرفة الفلسفية؛ باعتبار أن المعرفة هذه يجب أن تسلط الضوء على الأفكار النافعة فقط، والفكرة النافعة هي التي تجيب على سؤال لدى الإنسان وتحل المشكلة التي تواجهه. ولهذا يرى أن الفلسفة في السنوات الأخيرة لم تعد تقدم حلولاً مثل العلم والنظم الديمقراطية الحديثة، فهي -حسب رأيه- أصبحت مخصصة فقط للأفكار التي لم تثبت الخبرة نجاحها. عند ديوي، التفكير العلمي فقط هو الذي يربط مباشرة بين الفكر والعمل ويحاكم الأفكار بحسب قدرتها على الإنتاج.
في كتابه "إعادة البناء في الفلسفة"، يرى ديوي أن الفلسفة ضلّت الطريق حين فصلت الفكر عن التجربة العملية. وهو يرى أن الفلسفة ومناهجها وموضوعاتها لم تعد لها قيمتها النظرية التي يمكن الاستفادة منها في عصرنا الحديث، ويستند ديوي في دعوته لإحلال العلم والديمقراطية والتربية بدلاً من الفلسفة، إلى التغير الذي حدث في مفاهيم العقل والخبرة والمنطق والمجتمع في القرن التاسع عشر، حيث كان يرى أن الفلسفة بمناهجها القديمة أصبحت عائقاً أمام تطور الأفكار، وما لم تؤسس الأفكار الفلسفية على مفهوم الخبرة والتجربة، فإنها تصبح أفكاراً مجردة.
في العام 1951 يكتب فيلسوف بريطاني اسمه برتراند رسل، رسالة إلى كبير فلاسفة أميركا جون ديوي، يحييه باعتباره الفيلسوف الحي الذي له تأثير عميق ليس بين الفلاسفة فقط، وإنما بين المهتمين بدراسة التربية والجمال والنظرية السياسية: "سيدي العزيز أكاد أتفق معك اتفاقاً تاماً في معظم آرائك، ولكنني مضطر، للأسف، أن أختلف معك في نظرتك لدور الفلسفة في عصرنا، أعني الاستعانة بالعلم ومناهج التربية والديمقراطية كبديل عن معارفنا الفلسفية، فلا تزال معظم معارفنا ونشاطنا العلمي والتربوي والسياسي تخضع لرضا هذه الأم العظيمة (الفلسفة)".
ويتساءل رسل: ما هي الفلسفة؟ إنها بحسب المحاورات التي سُجِّلت معه ونُشِرت في كتاب بعنوان "محاورات مع برتراند رسل": "تتألف من تأملات عن الموضوعات التي لم تستطع المعرفة العلمية أن تحسمها، والفرق بين الفلسفة والعلم أن العلم يدور حول ما نعرفه، أما الفلسفة فتدور حول ما لا نعرفه".
إذن عندما نوقن من شيء ونكتشفه فإنه لا يظل فلسفة وإنما يتحول إلى علم، هكذا يجيب رسل على ما كتبه جون ديوي. ويضيف رسل أن للفلسفة فائدتين، الأولى أنها تغذي التأمل في الأشياء التي لم تخضع بعد للمعرفة العلمية، والثانية أنها توسع من نظرتنا الخيالية تجاه العالم، فقد ابتكر ديمقريطس الافتراض الذي يقول بأن المادة تتألف من ذرات صغيرة، وبعد ألفي عام ثبت أن هذا الرأي هو العلمي الصحيح، غير أنه في عصره كان ضرباً من الخيال. وكان أريستارخوس أول من أشار إلى أن الأرض تدور حول الشمس، وأن التحركات اليومية للكواكب مرجعها دوران الأرض، وظل هذا الافتراض خارج حدود تصديق العقل، إلى أن ظهر كوبرنيكوس. الفلسفة إذن تفكر بالأشياء التي قد تكون صحيحة، ومهمة العلم إثبات صحتها أو خطئها. هكذا حاول فيلسوف بريطانيا برتراند رسل أن يعيد للفلسفة مكانتها بعد أن حاول ديوي أن يستبدلها بالعلم والنظم السياسية الحديثة والفنون وما تضيفه لخبرات الإنسان.
ذات مرة تلقّى آينشتاين رسالة من أحد رجال الكنيسة يسأله فيها: هل أنت مؤمن؟ فيجيبه صاحب النظرية النسبية ببرقية من سبع كلمات: "أجل، مؤمن بالذي فصّله إسبينوزا في فلسفته". بدأ اهتمام آينشتاين بالفلسفة مبكراً بتعرُّفه لأول مرة في مكتبة عمّه الكبير على كتب أرسطو التي قال عنها إنها أول الألغاز التي واجهته في حياته. ومنذ ذلك الحين صارت الفلسفة أكثر ما يتحدث فيه مع عمّه الأكبر، الذي رشح له مجموعة من كتب الفلسفة اليونانية، ففتنه بشدة سقراط، لم يتأمل فلسفته، وإنما حياته الفوضوية، وإصراره على طرح الأسئلة على الناس في الأسواق وأماكن العمل: "تعرّفت على هذا الساحر اليوناني وأنا في الرابعة عشرة من عمري، ما أزال أتذكر صورته التي وجدتها في كتاب ملون ومبسط عن الفلسفة، صورة تركت أثراً عميقاً ودائماً في نفسي وأدركت حينها أن هناك أموراً خفية تتوارى خلف إصرار هذا الرجل على الوقوف رافعاً يده باتجاه المجهول". وكان لمعرفة آينشتاين، الطالب الصغير، بعالم أمانوئيل كانط وكتابه "نقد العقل المحض" أبرز الأثر في تغذية حبه للفلسفة، والذي لم ينقطع طوال حياته، لكنه حين اقترب من سن العشرين وقع بيده كتاب إسبينوزا "رسالة في اللاهوت والسياسة". كان آينشتاين طالباً في الجامعة حين وجد الكتاب مثيراً ومفزعاً في الوقت نفسه، كانت كل صفحة منه حافلة بـ "ومضات نارية"، هكذا قال آينشتاين لكاتب سيرته "والتر إيزاكسون"، وإضافة لذلك يقول آينشتاين إنه وجد في إسبينوزا أفكاراً تدل على تبصُّر عقلي بالمشكلة التي يطرحها والتي كانت تؤرق آينشتاين أيضاً، وهي علاقة الدين بالتفكير العقلي والعلمي، وكما كتب آينشتاين فيما بعد: "في البداية تساءلت، ما إذا كان إسبينوزا قد أجاب على الأسئلة قبل أن تتشكل في ذهني.. ناهيك عن الإجابة الواضحة والجريئة التي قدمها لي".
لقد نبّه إدموند هوسرل منذ بداية الانفصال بين العلوم الحديثة والفلسفة إلى أن هناك أزمة بدأت بالظهور بين عالم العلوم وعالم الحياة، وخصوصاً وأن العلم لا يستطيع بمفرده أن يُمكّن الإنسانية من تأمّل عمقها الوجودي وبناء وعي بالمعنى والدلالة من وجودها، فالعلوميون قد أغفلوا على حد رأي هوسرل التمازج بين الموقف العلمي والموقف من الحياة، وهو تمازج يتطلبه ترشيد العلم وأنسنة أسسه، وهو ما جعل هوسرل معجباً بديكارت الذي أصرّ على أن الإخلاص للعلم لا يعني السكوت عن الحياة واستخلاص مستويات الوجود والموقف من القضايا الكبرى للعصر، فإن الإنسان يعطي العالم الصورة التي هو عليها قبل كل معرفة علمية، وبالتالي فإن الفلسفة توجد قبل كل علم، إنها توجد كما يقول كارل ياسبرس حينما يوجد أناس مستيقظون، يعني ذلك أن الإنسان ليس في حاجة إلى يقين العلم فقط بل في حاجة إلى النقد الفلسفي لكي يوازن ما بين ما يجب أن يكون للعلم وما يجب أن يكون للحياة، في عصر نشهد فيه انفجاراً معرفياً وتقنياً، وكما لاحظ هنري برغسون أن ما تحتاجه البشرية في الوقت الحاضر وفرة من الطاقة الأخلاقية حتى تنهض من انحنائها وتنظر إلى السماء، فالتفلسف حسب هايدغر نشدان للحظة الوجود الغائبة تحت زحام التقنية المعاصرة وأنواع الاغترابات.. إنه نشدان للحرية والحياة.
فإذا كانت هذه هي مسيرة الفلسفة في التاريخ أن تكون هادية للعلم وسلاحاً له وأن تقف في وجه كل من يريد أن يعيق مسيرة العلم، فإن العلم كما يقول بنيامين فارينغتون في كتابه "العلم الإغريقي"، يصيبه الضرر إن انفصل عن الحياة الفكرية العامة للعصر.
لاحظ كارل بوبر أن الفلسفة لم تعد مثلها مثل العلم، مجرد مسألة لإيجاد دليل لإثبات صحة نظرية، لأن الفيلسوف الحقيقي أو العالم الحقيقي على حد تعبير بوبر سيعمل على إثبات أنه مخطئ، محاولاً العثور على الثغرات في أي نظرية موجودة.. حينها يمكن للمعرفة أن تستحق الاسم الذي أُطلق عليها. ولهذا فاننا عندما نتفلسف، فإننا نتراجع خطوة إلى الوراء ونفسح المجال لاكتساب فهم جديد لما نؤمن به.
***
علي حسين








