عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

ابتهال عبد الوهاب: مأساة الإنسان.. عمر محدود ويقين لا محدود

ليس الماضي وطنا نستطيع العودة إليه، ولا المستقبل أرضا نضمن الوصول إليها. كلاهما يسكن وعينا أكثر مما يسكن وجودنا؛

الأول صورة لما كان، والثاني احتمال لما قد يكون، أما الحاضر فهو الحقيقة الوحيدة التي نلمسها، ومع ذلك نعامله باعتباره ممرا عابرا إلى شيء آخر.

وبين ماض نجره خلفنا كجثة لم نجرؤ على دفنها، ومستقبل نستبق إليه بقلوب مرتجفة، تتسرب أعمارنا من بين أيدينا، دون أن ننتبه إلى أن الحياة لم تكن يوما هناك أو هناك، بل كانت تحدث أمام أعيننا فيما نحن غائبون عنها.

نؤجل الفرح إلى الغد، ونؤجل المصالحة حتى تتغير الظروف، ونؤجل الاعتراف بالمحبة حتى نطمئن إلى دوام من نحب، كأننا نملك ضمانا بأن الغد سيأتي، أو بأن الذين نحبهم سيظلون في انتظارنا. نعيش وكأن الحياة موعد مؤجل، ننتظر أن تنتهي أوجاع الأمس كي نسمح لأنفسنا بالسعادة، وأن تهدأ مخاوف الغد كي نطمئن إلى الحاضر، وأن تتحقق شروط مثالية لا وجود لها كي نبدأ أخيرا في الحياة

كم من أعمار أهدرت في معارك لا ينتصر فيها أحد، وكم من علاقات إنسانية دمرها العناد، وكم من عقول أغلقت نوافذها خوفا من أن تتسلل إليها فكرة جديدة فتربك يقينها القديم

نتعامل مع أفكارنا كما لو كانت حدودا جغرافية، ومع معتقداتنا كما لو كانت حصونا ينبغي الدفاع عنها حتى الموت، وننسى أن الفكرة التي لا تحتمل السؤال تتحول إلى سلطة، وأن اليقين حين يفقد تواضعه يصبح شكلا من أشكال العمى.

أعرف أنني كتبت في هذا الموضوع مرات عديدة، لكنني لن أتراجع عن الكتابة فيما أؤمن أنه يستحق التأمل والمراجعة..

هذا الموضوع يستحق أن نكتب عنه كل يوم، وذلك لأننا نعيش مفارقات وجودية لا تكف عن إعادة إنتاج نفسها؛ نهدر أعمارنا ونستنزف أرواحنا، ثم نتساءل أين ذهبت الحياة.

نكتب لأن الحياة أقصر من أن نهدرها في صراعات لا تنتهي، ولأن الحقيقة أوسع من أن يحتكرها عقل واحد، ولأن أجمل ما يمكن أن نبلغه ليس أن ننتصر على الآخرين، بل أن نتسع لهم دون أن نتنازل عن حقنا في التفكير.

لا تقولوا: أين ذهبت الحياة؟ وأنتم الذين أضعتموها بين ندم لا يغير ما مضى، وقلق لا يضمن ما سيأتي.

لا تسألوا عن أعماركم التي انقضت، وأنتم لم تمنحوا لحظاتكم الحاضرة حقها في أن تعاش، بل كنتم منشغلين مرة باستعادة ما لن يعود، ومرة بالخوف مما لم يحدث بعد.

جربوا أن تعيشوا اللحظة دون أن تثقلوها بأحزان الأمس ومخاوف الغد، وأن تنظروا إلى الحياة باعتبارها تجربة تعاش لا لغزا ينبغي حله قبل فوات الأوان.

جربوا أن تختلفوا دون أن تتخاصموا، وأن تصغوا دون أن تتأهبوا للرد، وأن تمنحوا الآخرين حقهم في رؤية العالم من نوافذ مختلفة

فربما كانت في شظاياهم من الحقيقة ما لم تسمحوا لأنفسكم برؤيته. والأهم، جربوا أن تتحرروا من وهم امتلاك الحقيقة كاملة؛ فليس من الضروري أن يكون الآخر مخطئا كي تكونوا على صواب، وليس الاعتراف بحدود معرفتكم هزيمة، بل بداية حقيقية للنضج

جربوا أن تتخلوا عن لذة الانتصار في جدالات لا تضيف إلى أرواحكم شيئا، وأن تستبدلوا الرغبة في إثبات الصواب بالشغف في اكتشاف الحقيقة

عيشوا واحلموا وابتسموا، وأحبوا ما استطعتم إلى الحب سبيلا

تصالحوا مع هشاشتكم، تقبلوا أن بعض الأسئلة ستظل بلا إجابات، وأن بعض الخسارات لن يعوضها شيء، وأنكم لستم مطالبين بأن تفهموا العالم كله كي تجدوا مكانكم فيه.

كونوا هنا، بكامل أرواحكم، في هذه اللحظة التي لن تتكرر

ربما آن الأوان أن نتوقف قليلا، لا لنراقب الحياة وهي تمضي، بل لنستعيد حضورنا فيها؛ أن نتصالح مع ما لا نستطيع تغييره، ونخفف قبضتنا عن أوهام اليقين، ونمنح أنفسنا والآخرين فرصة أن نكون بشرا، لا أسرى لماضينا ولا رهائن لمخاوفنا ولا حراس متعصبين لأفكارنا.

***

ابتهال عبد الوهاب

 

في المثقف اليوم