عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

جمال العتّابي: الرسم بوصفه علاجاً نفسياً

ليس الرسم بحثاً في الجمال دائماً، ولا هو، في كل حالاته، محاولة لإنتاج لوحة تصلح للعرض والاقتناء. ثمة رسم آخر يحدث في منطقة أكثر خفاءً من النفس، في داخل المبدع.. رغبات وتصورات وأحلام ومخاوف وذكريات وانفعالات قد تعجز اللغة عن احتوائها.. من هنا نشأت علاقة عميقة بين الرسم والنفس، ثم تطورت هذه العلاقة لتدخل مجال العلاج النفسي.

يمنح الرسم مساحة يستطيع فيها الإنسان أن ينظّم عالمه كما يريد. يختار الموضوع، ويحدد حجمه ومكانه، ويمنحه اللون الذي يراه مناسباً، ويضع الأشياء إلى جانب بعضها أو يفصل بينها. وفي هذه القدرة على الاختيار، شيء من استعادة السيطرة على الذات والعالم.

لذلك استخدمت الأساليب الفنية المتنوعة في ميدان الطب النفسي منذ زمن طويل، لما يمكن أن تؤديه من وظائف تعبيرية وترفيهية داعمة للمريض النفسي. وقد ارتبط ذلك بما يسمى التأهيل النفسي، أي مساعدة المريض على استعادة توازنه والتكيف مع ذاته ومع الآخرين، وتنمية مهاراته النفسية والاجتماعية.

والرسم هنا لا يأتي بديلاً عن العلاج، وإنما يصبح وسيلة من وسائله: يتيح للمريض أن يعبّر، وأن يتحدث عن نفسه بطريقة غير مباشرة، وأن يتعرف إلى مشكلاته وصراعاته، وربما يجد لها منافذ وحلولاً لم يكن قادراً على رؤيتها بالكلمات وحدها.

الإنسان الذي يعيش أزمة داخلية يجد في الرسم أحياناً مجالاً لاستعادة شيء من التوازن. قد يرسم نفسه كما يتخيلها، أو يرسم خوفه، أو غضبه، أو وحدته، أو العالم الذي يتمنى العيش فيه. وقد يرسم بعض الأشخاص في حالة مشاكسة أو غضب وإحباط، بينما يلجأ آخرون إلى الرسم حين يكونون في حالة من الاسترخاء والانشراح. وهذا الاختلاف نفسه يكشف أن الرسم ليس نشاطاً نفسياً واحداً، بل يمكن أن يتخذ صوراً مختلفة تبعاً للحالة الانفعالية التي يعيشها الإنسان.

أما حالات التوتر الإبداعي، المرتبطة بعمل فني أو أدبي أو بحساسية جمالية شديدة، فهي أكثر تعقيداً، إذ قد تتحول هذه الطاقة إلى عمل إبداعي إذا وجدت الوسيلة المناسبة للتعبير عنها.

كما تزداد أهمية الرسم عند الأطفال، لأن الطفل لا يمتلك دائماً القدرة اللغوية التي تمكنه من التعبير الدقيق عن عالمه الداخلي. ولهذا يمكن أن يكون الرسم وسيلة علاجية ناجحة تعزز ثقة الطفل بنفسه، وتفتح أمامه باب الحوار مع الآخرين، وتساعده على التعبير عن مشاعره، قد يرسم تجربة مؤلمة بطريقة رمزية، من هنا لا ينبغي النظر إلى رسم الطفل بوصفه عبثاً بريئاً بالقلم والألوان، إنما هو رسالة مكتوبة بلغة الطفل الخاصة.

قد يكون من الخطأ الاعتقاد بأن العلاج بالرسم لا يصلح إلا للفنانين، فليس المطلوب من الشخص أن يرسم لوحة جميلة أو أن يمتلك مهارة أكاديمية. فالقيمة العلاجية هنا ليست في جودة العمل الفني، وإنما في عملية التعبير نفسها.

قد يرسم شخص خطوطاً متداخلة، أو وجهاً مشوهاً، أو بيتاً صغيراً، أو أشكالاً لا تبدو للآخرين ذات معنى. لكن هذه الأشكال قد تكون بالنسبة إليه حاملة لمشاعر وتجارب وأفكار. بل إن العمل الفني الحقيقي لا يكون دائماً نتيجة مهارة تقنية فقط، إنه صياغة إبداعية جديدة تهدف إلى التعبير عن الذات بطريقة مختلفة، وإلى تقديم رؤية جديدة للعالم.

لعل أشهر مثال يمكن أن نستحضره في هذا السياق لوحة الفنان النرويجي (إدفارد مونش 1863ـ 1944) "الصرخة"، التي رسمها في تسعينيات القرن التاسع عشر، وأصبحت واحدة من أشهر صور الفن الحديث. يُذكر أن مونش تعرض للكثير من خيبات الأمل في الحب، وعانى من أمراض عديدة، منها الروماتيزم والأرق والانفعال الشديد، انسحبت على مزاجه وسلوكه العام الذي يوصف بالسوداوية والحزن، والشعور الدائم بمطاردة الموت له. ظلت هذه الأشباح تلاحقه، فظهرت في أسماء وعناوين أعماله، مثل: (الفتى المريض، موكب الدفن، كآبة، يأس، صراع الموت، موت في غرفة المريض). وغيرها من الصور التي كان يحاول التخلص منها بالرسم.

عاش "مونش" مهدداً بالمرض الذي قضى على حياة أمه، وهو في الخامسة من عمره، ثم أخته، كان يعاني من سوء العيش مع أب شديد القسوة، وشديد التدين أيضاً. غرس في نفسه الخوف والعذاب، والإحساس الدائم بالذنب والوقوع في الخطيئة.

تبدو "الصرخة" في مقاييس الجمال عملاً لا يثير الدهشة لدى المتلقي، بينما تعدّ من أشهر وأهم لوحات الحداثة الأوربية، وهي الأعلى ثمناً في قائمة اللوحات العالمية، والأقوى تأثيراً في الفن التشكيلي. إن جمال اللوحة قائم على قوة التعبير والحركة، وقدرتها على منح الخوف هيئة نراها، إنها صورة موجعة، ما يجعلها عملاً فنياً آسراً، حتى يبدو اضطراب الانسان ممتداً في الطبيعة كلها، حتى اللون والخط كأنهما يصرخان معه.

تحدث "مونش" في مذكراته عن الظروف التي ارتبطت بولادة هذا العمل، إنه يقدم لنا نموذجاً بليغاً للانفعال الداخلي الذي يتحول إلى عمل فني يتجاوز صاحبه.

فالصرخة التي كانت تجربة فردية أصبحت، عبر اللوحة، صرخة إنسانية عامة.

يروي عنها: أنه كان في يوم ما، يسير مع صديقيه وقت غروب الشمس، فوق أحد جسور العاصمة أوسلو، وإذا بالسماء تتحول إلى لون أحمر مخيف، كما لو أنها صارت سماءً من دم. ثم سمع صرخة هائلة أفزعته بشدة، لم يسمع صديقاه الصرخة، ولم يشعرا بالخوف، تركاه وأكملا المسير.

رسم "مونش" تلك الصرخة، ربما هي صرخة إنسان مفزوع، أو صرخة حقيقية سمعها بالفعل.

في النهاية، لا يمكن القول إن الرسم يشفي كل ألم، أو يحل محل العلاج النفسي والطبي. لكنه يستطيع أن يمنح الإنسان شيئاً بالغ الأهمية: هو القدرة على التعبير.

وتحديد المسافة بين الإنسان وألمه، وجعله موضوعاً للنظر بعد أن كان سجناً داخلياً.

أو بوصفه نوعاً من اللعب المنظّم للخيال والحلم. كي يتيح للإنسان أن يخرج ما في داخله من مشاعر ومعانٍ وأفكار من خلال الصور والألوان والتشكيل والرموز.

وما نعجز عن الحديث عنه بسبب حالات القلق والخطر والتوتر، قد يكون التعبير الفني وسيلة في منح الإنسان إحساساً بالراحة والانتصار على حالة الاضطراب.

***

جمال العتّابي

في المثقف اليوم