صدر في الشهر الماضي كتاب مقالات في الفلسفة (1) احتوى على ملخص و 44 مقالا توزعت على مختلف الموضوعات والأفكار الفلسفية. هذه المقالات سبق وان نُشرت في فترات سابقة، وربما في إعادة نشرها يتمكن القارئ الإحاطة ببعض الأفكار الفلسفية بسهولة ودون عناء. انها ليست حبا في التكرار، بل أخذنا بالاعتبار أي تعديلات او إضافات لاحقة. بالطبع لا يمكن ايجاز كل المقالات هنا بل سنعرض لقسم منها ونترك المتبقي للقارئ الكريم.
ماهي الفلسفة ولماذا؟
في صفحة رقم 5 نبدأ بمقال بعنوان ما هي الفلسفة ولماذا؟ حيث جرى الحديث عن الفلسفة كطريقة في التفكير حول موضوعات معينة، هي ليست فقط طرح أسئلة وانما هي فهم للاسئلة ذاتها. الفلسفة وهي مشتقة من الكلمة اليونانية (حب الحكمة) عبارة عن دراسة منهجية للاسئلة العامة والاساسية المتعلقة بموضوعات مثل الوجود، المعرفة، الذهن، المنطق، اللغة، القيمة. هي تحقيق عقلاني ونقدي في طرق الفلسفة وافتراضاتها. تاريخيا، العديد من العلوم مثل الفيزياء وعلم النفس كانت جزءا من الفلسفة لكنها انفصلت لاحقا واعتُبرت كحقول أكاديمية خاصة. الفروع الرئيسية للفلسفة هي الايبستيمولوجي، الاخلاق، المنطق، الميتافيزيقا.
الايبستيمولوجيا يدرس ما هي المعرفة وكيف يتم اكتسابها. الاخلاق تحقق في المبادئ الأخلاقية وما الذي يشكل السلوك الصحيح. المنطق هو دراسة الاستدلال الصحيح وكيفية التمييز بين الحجج الجيدة و السيئة. اما الميتافيزيقا فهي تفحص السمات العامة للواقع، الوجود، الأشياء، والصفات. وهناك حقول فرعية أخرى مثل الجماليات، فلسفة اللغة، فلسفة الذهن، فلسفة الرياضيات، فلسفة العلوم، فلسفة الدين، فلسفة التاريخ، والفلسفة السياسية. ضمن كل فرع هناك مدارس متنافسة للفلسفة تهتم بمختلف المبادئ والنظريات و الطرق.
يستخدم الفلاسفة مختلف الطرق للوصول الى معرفة فلسفية: تحليل مفاهيمي، الوثوق بالحس العام او البديهة، استعمال تجربة فكرية، تحليل اللغة العادية، وصف التجربة، واسئلة نقدية.
هل الجمال ذاتي ام موضوعي؟
في صفحة 51 نأتي الى موضوع الجمال، حيث نجد ان مفهوم الجمال شغل أذهان الفلاسفة والانثربولوجيين وعلماء الأعصاب و نقاد الفن بالإضافة الى الناس العاديين. ارتبطت كلمة "جمال" عادة بالتجربة الجمالية للفرد وهي تشير بالاساس الى الصفات الجوهرية لشيء ما والتي تثير نوع من رد الفعل في سلوك الناظر، مثل الهدوء او المتعة او الفرح. يُنسب الجمال الى شكل من الظواهر الطبيعية (منظر الغروب او الجبال) وكذلك الى الأشياء الجميلة التي يصنعها الانسان مثل اللوحات الفنية او السمفونيات الموسيقية. يمكن النظر الى الجمال بطريقتين:
1- اما يعود الى "سمات أساسية " في الظاهرة الطبيعية او في الاعمال الفنية.
2- او انه يُعرف كليا تبعا لتجربة الانسان الجمالية.
الاتجاه الأول ينظر الى الجمال موضوعيا، كشيء جوهري يوجد بحد ذاته في شيء ما او شيء فني وبشكل مستقل عن تجربة الناظر له.
الاتجاه الثاني (الجمال هو ما يبدو في عين الناظر)، ينظر الى الجمال باعتباره امرا ذاتيا، شيء ما يحدث في ذهن الفرد الذي يتصور الجمال.
الآراء الموضوعية:
حسب افلاطون، الجمال يقيم في عالم الأشكال، الجمال امر موضوعي ولا يتعلق بتجربة الناظر. ارسطو أيضا اعتقد بالرؤية الموضوعية للجمال لكنه عرّف الجمال بخصائص الشيء الفني مثل التناسق والنظام والتوازن والتناسب. هذا المعيار يظل قائما سواء كان الشيء طبيعيا ام من صنع الانسان. مع ان كلا الفيلسوفين يؤمنان بتصورات مختلفة للجمال لكنهما يتفقان على ان الجمال هو خاصية لشيء وليس شيء ما في ذهن الناظر.
الآراء الذاتية للجمال:
ديفد هيوم جادل بان الجمال لا يكمن في "الأشياء" وانما هو ذاتي تماما، انه مسألة مشاعر وعواطف. الجمال هو في ذهن الفرد الناظر للشيء وان ما يبدو جميلا للمراقب قد لا يبدو كذلك للاخر. هناك تعقيدات تبرز في اعتماد الرؤية الذاتية الخالصة للجمال، لأن فكرة الجمال تصبح بلا معنى لو اضحى كل شيء مجرد مسألة ذوق او تفضيل شخصي. اذا كان الجمال خالصا في عين الناظر فان فكرة الجمال لم تعد لها قيمة بالمقارنة مع أشياء مثل الحقيقة والخير.
آراء العلماء
هؤلاء يقولون ان الجمال هو ما يبدو في عين الناظر ولكن هل ان الفكرة لدى الناظر هي نتاج لجينات الفرد ام للبيئة؟ هذه كانت محل نقاش بين العلماء منذ وقت طويل. بعض البحوث ترى ان صفات جسدية معينة مثل الطول او قوة العضلات ربما كانت مشفرة في جيناتنا، لكن دراسة أخرى وجدت ان تجربة حياتنا الفردية هي التي تقود لإكتشاف ان وجها معينا اكثر جاذبية من الآخر.
مشكلة الأبدية.. ماذا لو كان الكون بلا بداية؟
في صفحة 23 نعرض لمشكلة الأبدية، حيث توجد هناك ثلاث خيارات حول طبيعة الكون الذي نحن فيه، اما ان يكون أزليا وموجودا منذ البداية، او ان هناك من أوجده، ام انه هو خلق نفسه. الفيلسوف اليوناني هيرقليطس كان اول المؤمنين بأبدية الكون، وهي النظرية التي سلكت طريقها الى الثيولوجيا المسيحية رغم ان الانجيل نقل قصة مختلفة. العقيدة الحالية المهيمنة هي ان الكون ظهر فجاة قل 13.8 مليار سنة بعد الانفجار العظيم. التحول من الايمان بان الكون كان ابديا الى كون له عمر محدد كان نقلة نوعية. هيرقليطس كان المسؤول الأول عن فكرة الكون الابدي، فهو أعلن عن ذلك صراحة: "هذا العالم الذي هو ذاته دائما، لم يصنعه احد من الالهة او الناس. انه كان دائما، وهو كائن وسوف يكون: نارا حامية ابدية، منها ما يشتعل ومنها ما ينطفئ".
بالتأكيد لا تُعرف الأسباب التي جعلت اليونانيين القدماء يؤمنون بأبدية الكون. يُحتمل هناك سببان لهذا، أولا ان قدرة آلهة الاغريق كانت محدودة جدا، هم ليسوا اكثر من رجال اسطوريين، هم غير قادرين على اصدار أوامر الخلق، وثانيا اليونانيون القدماء ومن خلال دراستهم للكيفية التي يعمل بها العالم من حولهم، لم يستطيعوا رؤية اية إمكانية بان العالم خلق نفسه. اذا لم يوجد هناك من خلق الكون والكون لم يخلق نفسه، فان الامكانية الوحيدة هي ان الكون يجب ان يكون موجودا دائما.
حجة ارسطو: جادل ارسطو في كتابه الفيزياء بان العالم يجب ان يكون وُجد من أبدية. هو جادل بان كل شيء يأتي الى الوجود من خلال طبقة تحتية substratum. لذلك اذا كانت المادة الأساسية للكون جاءت الى الوجود، فهي جاءت من طبقة تحتية، وبالنتيجة فان المادة الأساسية للكون جاءت الى الوجود فقط من مادة موجودة سلفا تشبه ذاتها بالضبط، وهذا جعل ارسطو يجادل بان المادة يجب ان تكون ابدية. وفي جداله عن الحركة يؤكد اننا اذا افترضنا بداية مطلقة للحركة، فان الشيء الذي يباشر اول حركة يجب ان يكون اما:
1- جاء الى الوجود وبدأ الحركة.
2- او وُجد بحالة أبدية من السكون قبل ان يبدأ الحركة.
الخيار الأول هو متناقض ذاتيا لأن الشيء لا يمكن ان يتحرك قبل ان يأتي الى الوجود، وان عملية المجيء الى الوجود هي ذاتها "حركة"، لذلك فان الحركة الأولى تتطلب حركة قبلها، أي، عملية المجيء الى الوجود. الخيار الثاني أيضا غير مقنع لسببين:
1- اذا كان العالم بدا في حالة من السكون، فان ظهور تلك الحالة من السكون سيكون في حد ذاته حركة.
2- اذا كان العالم تغير من حالة السكون الى حالة الحركة فان سبب ذلك التغيير للحركة سيكون هو ذاته حركة. ولذلك استنتج ارسطو ان الحركة أبدية بالضرورة.هو رأى ان "الفراغ" الذي هو (مكان لا مادة فيه) مستحيل. لأن الأشياء المادية يمكنها ان تأتي الى الوجود فقط في مكان،أي، تشغل مكانا. لو كان الشيء يأتي من العدم، ذلك يعني ان "المكان الذي يُشغل بما يأتي الى الوجود سيكون سلفا مشغولا بفراغ، بسبب عدم وجود شيء فيه". لكن هذا الفراغ مستحيل، والمادة يجب ان تكون أبدية.
هل هناك غاية للكون؟
وفي صفحة 38 تطرقنا الى مسألة الغائية في الكون. معظم الناس أخذوا فكرة غائية الكون من الدين. ما يحدث في هذا الكون، كما تذكر القصة هو بالتأكيد تعبير عن رغبة الله. ومع تطور العلم جرى استبدال فكرة الكون المنظم من الله بفكرة الكون المنظم بقوانين الفيزياء اللاواعية. تلك القوانين كونها غير واعية فهي فارغة من الهدف. القوانين الفيزيائية ليست "قبلية ولا هي تراقب المادة لتتأكد من عدم خروجها عن الخط". الاحداث ببساطة هي نماذج او عادات للعالم الطبيعي المنكشف غير مسترشدة بغرض كوني.
غير ان بعض المفكرين يرون ان إمكانية الغرض الكوني انتعشت من جديد بواسطة العلم الذي بدا كأنه قتلها. هذا الانبعاث يتجذر في الاكتشاف بان قوانين الفيزياء يجب ان تكون مضبوطة بدقة لدرجة غير متخيلة لأنه يجب ان يكون هناك كون يمكن ان يولّد ويديم الحياة (وحتى التعقيدية الكيميائية التي سبقت الحياة). مدى الدقة في ضبط الكون تتضح بكمية الطاقة المظلمة في الفضاء الفارغ – او ما يسمى يالثابت الكوني او "طاقة الفراغ" – يجب ان تكون اكبر من صفر ولكن ليس اكثر من 10 مرفوعة الى -122 وحدة. هذا يُعد ضروريا لكي لا ينهار الكون على ذاته او يتحطم الى أشلاء قبل ان يتكتل على شكل كواكب قابلة للحياة. الفيزيائيون وجدوا ان تغييرا بسيطا في القوانين الأساسية للطبيعة ستجعل إمكانية وجود الحياة مستحيلة.
المعارضون لفكرة الغاية من الكون:
لسوء الحظ فكرة الكون المضبوط لا تبدو مقنعة كليا. الأكثرية العظمى مما يوجد في الكون هو ليس فقط كون غير مسكون وانما أساسا غير صالح للسكن، وبالتالي فارغ من الغرض كما يُفهم عادة. ان التقدم الحديث في الفيزياء أشار الى ان الكون وبشكل مدهش مرن في خصائصه الأساسية وانه ليس المكان الأفضل تماما لظهور الحياة. ربما لم يضعنا الكون في ذهنه ابدا ونحن لسنا مساهمين بدون قصد في تحقيق غرضه.
ان هدف الكائنات الفردية في سعيها لأغراض غير متصلة يتصادم مع تلك الكائنات الأخرى اما كمنافسة لها او مجرد العيش جنبا الى جنب. من الصعب رؤية الفريسة والمفترس يشتركان بهدف مشترك. كذلك، التمييز بين الكائنات الحية وبيئاتها يحصر الغرض في الأولى وليس في الأخيرة وهو يتعارض مع فكرة التوزيع العادل للغرض في جميع الكون. في المسار من الذرات الى المعادن، ومن هذه الى أولى خيوط الحياة، نجد آلية العشوائية وآلية اللاوعي هما أكثر وضوحا من الغرض.
لازال في الكتاب عدد كبير من المقالات الهامة مثل مأزق الانسان بين الحتمية والإرادة الحرة، لماذا هناك شيء بدلا من لا شيء، لماذا هاجم روسو التنوير، الاختلاف بين ديفد هيوم وعمانوئيل كانط حول السببية، ولماذا يحتاج المعلم الى رؤية فلسفية، هل يمكن اثبات صلاحية المبدأ الأخلاقي؟ وأين تكمن قيمة الفلسفة، وأربعة أجوبة فلسفية لمعنى الحياة، هل العدالة غاية بذاتها؟ وكذلك أوجه التشابه بين الروح والمدينة في جمهورية افلاطون.
***
حاتم حميد محسن
..........................
(1) كتاب مقالات في الفلسفة للكاتب حاتم حميد محسن، صدر في مايو 2026 عن دار اديان للطبع والنشر والتوزيع في 218 صفحة.







