ثمة كتب تُقرأ لتزداد معرفة، وثمة كتب تُقرأ لتراجع ما كنت تظنه معرفة. والفارق بينهما هو الفارق بين الكتاب الذي يضيف معلومة إلى ذاكرتك، والكتاب الذي يوقظ سؤالًا في عقلك. فالأسئلة الكبرى هي التي تصنع المعرفة، أما الأجوبة الجاهزة فلا تصنع سوى الاطمئنان المؤقت. لذلك ليست قيمة الأعمال الفكرية الرصينة في أنها تمنحنا يقينًا نهائيًا، بل في أنها تزعزع يقيننا الساذج، وتدفعنا إلى إعادة التفكير في المسلمات التي ألفناها.
بهذا المعنى خرجت من قراءة كتاب الباحث الفطين أمين اليافعي عن «الحركة الحوثية كفاعل تكيفي: إرث الإمامة، والبنية القبلية، وحدود نموذج الوكيل». لم أخرج حاملًا أجوبة نهائية، بل خرجت محملًا بأسئلة أعمق عن التاريخ، والدولة، والقبيلة، والشرعية، وكيف تتشكل السلطة في اليمن. على مدى سبعة أيام امضيتها في قراءة هذا فالكتاب المهم بوصفه انضج تفسير لجماعة الحوثي، وفهم آلية إنتاج السلطة في اليمن من خلال التقاء التاريخ بالبنية الاجتماعية والجغرافيا السياسية.
درجت أغلب الكتابات السياسية حول الحوثيين على الوقوع في أحد اختزالين؛ فإما أن ترد الظاهرة كلها إلى التدخل الإيراني، وإما أن تجعلها مجرد امتداد ميكانيكي للإمامة الزيدية. وفي الحالتين يضيع الواقع بين التبسيط الأيديولوجي والموقف السياسي المسبق. أما الدكتور أمين اليافعي فيختار طريقًا أكثر وعورة وأكثر علمية، إذ يحاول بناء نموذج تفسيري متعدد المستويات يربط بين الإرث التاريخي، والبنية القبلية، وفشل الدولة، والتحولات الإيديولوجية، والدعم الخارجي، والموقع الجيوسياسي، بوصفها عناصر متداخلة لا يمكن فهم الظاهرة من خلال أحدها بمعزل عن الآخر. وهذه في تقديري إحدى أهم مزايا الكتاب وأكثرها أصالة.
إذ لم يعتمد الباحث على مرجع واحد أو مدرسة فكرية واحدة، بل نسج رؤيته من شبكة واسعة من المصادر التاريخية والسوسيولوجية والأنثروبولوجية والسياسية، العربية والأجنبية. وقد استند في تحليله إلى أعمال باحثين مرجعيين في دراسة اليمن، مثل بول دريش في تحليله للعلاقة المركبة بين القبيلة والدولة، وبرنارد هايكل في تفسيره للفكر السياسي الزيدي ومفهوم الإمامة، كما استفاد من دراسات فضل علي أحمد أبو غانم حول البنية القبلية وتحولاتها، ومن أطروحات عبد العزيز قائد المسعودي عن تعثر بناء الدولة الحديثة في اليمن، فضلًا عن القراءة الفلسفية والاجتماعية العميقة التي قدمها المفكر اليمني الراحل أبو بكر السقاف للعلاقة بين الإمامة والقبيلة ومبدأ «الخروج»
وهذا التنوع المرجعي منح الكتاب توازنًا منهجيًا واضحًا، وجعل استنتاجاته ثمرة حوار منهجي نقدي تركيبي بالمعنى الذي صاغه الفيلسوف الفرنسي ادغار موران.
ولا تكمن أهمية هذا المنهج في تعدد عوامله فحسب، بل في أنه يعيد الاعتبار إلى التاريخ بوصفه قوة حية، لا مجرد سجل للأحداث الماضية. فالتاريخ هنا لا يمضي، بل يبقى كامنًا داخل الحاضر، يعيد إنتاج نفسه بأشكال جديدة كلما تهيأت له الظروف المناسبة. ولذلك لا يرى المؤلف في الإمامة أثرًا انقضى، وإنما بنية ثقافية وسياسية واجتماعية ظلت تتحول وتتكيف عبر الزمن حتى وجدت في اللحظة الراهنة صيغة جديدة للتعبير عن نفسها.
وهنا تتجلى براعة المؤلف في تتبع العلاقة المركبة بين الإمامة والقبيلة وبين العقيدة والعصبية، بعيدًا عن الصور النمطية التي تصور القبيلة مجرد أداة في يد الإمام، أو الإمام مجرد سلطة مطلقة فوق القبيلة فالعلاقة بينهما كانت علاقة شد وجذب، وتحالف وصراع، وتوازن قوى مضطرب بين شرعية دينية لا تستطيع احتكار القوة، وقوة اجتماعية لا تستطيع احتكار الشرعية. ومن هذا التفاعل الطويل تشكلت إحدى أكثر البنى السياسية تعقيدًا في التاريخ اليمني إذ لم تكن الإمامة الزيدية الطائفية مجرد نظام حكم، بل كانت آلية تاريخية لإدارة مجتمع قبلي راسخ الجذور بحسب بول دريش فالقبيلة، لم تكن مجرد تجمع اجتماعي، بل كانت مؤسسة سياسية تمتلك قدرتها الخاصة على إنتاج السلطة ومقاومتها في الوقت نفسه عبر ما تم تشريعه بمبدأ «الخروج» في الفكر الزيدي، لا بوصفه حكمًا فقهيًا مجردًا، بل باعتباره تعبيرًا عن طبيعة البيئة الاجتماعية التي نشأ فيها، حيث لا وجود لسلطة نهائية تحتكر الشرعية بصورة مطلقة، بل تتعدد مراكز القوة، وتتبدل التحالفات، ويظل الصراع جزءًا من آلية إنتاج النظام نفسه. وهنا يستحضر المؤلف، بذكاء، قراءة المفكر اليمني الراحل أبو بكر السقاف، التي تربط هذا المبدأ بطبيعة البنية القبلية أكثر من ربطه بالتجريدات الفقهية، وهي قراءة تضيف للنقاش بعدًا سوسيولوجيًا عميقًا وذلك من خلال النظر إلى احفاد الطائفة الزيدية ليس باعتبارهم بقايا الماضي، بل بوصفهم (جماعة طائفية فاعلة) فاعلًا تكيفيًا استطاعت أن تعيد توظيف الماضي في اللحظة الحاضرة. وتلك فكرة مهمة؛ لأنها تنقلنا من سؤال: «من أين جاء الحوثيون؟» إلى سؤال أكثر عمقًا: «كيف استطاعوا البقاء والتكيف وإعادة إنتاج أنفسهم بعد ثورة 26 سبتمبر 1962 وقيام الجمهورية العربية اليمنية وجمهورية الوحدة اليمنية الموؤدة بعقود من الزمن؟
ومع ذلك، فإن كل تفسير كبير يحمل في داخله حدودًا لا تقل أهمية عن نقاط قوته. فحين ينجح التاريخ في تفسير جانب واسع من الحاضر، ينشأ إغراء معرفي يتمثل في الاعتقاد بأن الماضي يمتلك مفتاح كل شيء. وهنا يبدأ السؤال الفلسفي الذي ظل يرافقني طوال القراءة: هل يكفي التاريخ وحده لتفسير ما يجري اليوم؟
لا ريب إن أي تفسير يستند إلى التاريخ وحده، مهما بلغ من العمق، يظل معرضًا لخطر تحويل الماضي إلى قدر محتوم، بينما يعلمنا التاريخ نفسه أن المجتمعات ليست سجينة ماضيها، بل قادرة على تجاوزه وإعادة تشكيله. فالحاضر لا يولد من رحم الماضي وحده، وإنما يولد أيضًا من صراعات الحاضر وقواه الحية ومن هنا، فإن القيمة الكبرى لهذا الكتاب لا تكمن في أنه أغلق ملف الحوثيين، بل في أنه فتحه على أسئلة جديدة. لقد نجح في زحزحة كثير من المسلمات، وأعاد الاعتبار للعوامل البنيوية التي أهملتها التفسيرات السياسية السريعة، لكنه، في الوقت نفسه، يدفع قارئه إلى التفكير فيما لم يقله، بقدر ما يدفعه إلى التأمل فيما قاله والتساؤل عما إذا كانت القبيلة والإمامة وحدهما تكفيان لفهم ظاهرة معقدة (الحوثية) تشكلت بفعل تداخل عوامل كثيرة منها: الفساد والاقتصاد، والحرب، والإقليم، والاضطرابات الاجتماعية المتعددة التي شهدها العالم العربي خلال العقود الأخيرة.
لا أخفيكم أن الباحث الذكي أمين اليافعي أقنعني، إلى حد بعيد، بأن الإمامة والقبيلة ليستا مجرد ماضٍ انتهى، بل بنيتان تاريخيتان ظلتا تتكيفان مع تغير الظروف حتى وجدتا في الحركة الحوثية أحد أشكال التعبير الجديدة عنهما. غير أن السؤال الذي ظل يرافقني طوال القراءة هو: هل يكفي التاريخ وحده لتفسير الحاضر السياسي؟ إذ إن أي ظاهرة سياسية معاصرة لا يمكن أن تكون مجرد استعادة للماضي، مهما كان هذا الماضي مؤثرًا ومن ابن خلدون تعلمنا أن العصبية تؤسس الدولة، لكنها وحدها لا تحفظها. وتعلمنا من ماكس فيبر أن الشرعية لا تقوم على النسب وحده، بل على القدرة على إنتاج الطاعة. كما تعلمنا من ميشيل فوكو أن السلطة ليست شيئًا يمتلكه الحاكم، بل شبكة معقدة من العلاقات والمؤسسات والخطابات. ولو جمعنا هذه الرؤى معًا لأدركنا أن الحركة الحوثية ليست مجرد امتداد للإمامة، ولا مجرد تمرد قبلي، بل هي تركيب تاريخي جديد ولد في لحظة انهيار الدولة الوطنية الجامعة بعد اخفاق مشروع الوحدة اليمنية بسبب حرب اجتياح القوى التقليدية لدولة الجنوب الحديثة وتدمير ونهب كل مقدراتها في فضاء إقليمي مضطرب، واستثمر الدين والقبيلة والحرب والإعلام والاقتصاد في آن واحد وربما كان من المفيد توسيع النموذج الذي يقترحه المؤلف ليشمل ما يمكن تسميته بـ«اقتصاد الحرب». فمنذ سنوات لم تعد الحرب في اليمن مجرد وسيلة لتحقيق أهداف سياسية، بل أصبحت، بالنسبة لكثير من الفاعلين، نظامًا اقتصاديًا قائمًا بذاته. فالحرب تنتج سلطات جديدة، وأسواقًا جديدة، ومصالح يصعب التخلي عنها. وفي مثل هذا السياق لا يعود استمرار الصراع مرتبطًا بالأيديولوجيا وحدها، بل أيضًا بالشبكات الاقتصادية التي نشأت في ظله والنخب الفاسدة وقيمها الثقافية الفاسدة إذ كنت أتمنى لو منح الكتاب مساحة أوسع للتحولات الثقافية التي شهدها المجتمع اليمني خلال العقود الأخيرة. فالأفكار لا تتحرك في الفراغ، بل داخل بيئات اجتماعية ونفسية تتغير باستمرار. والحوثية، شأنها شأن غيرها من الحركات، لم تنجح بالسلاح وحده، بل نجحت أيضًا في بناء خطاب تعبوي وهوية جمعية استطاعت أن تمنح أتباعها معنى للانتماء في زمن التفكك. وهذه مسألة ثقافية بقدر ما هي سياسية.
والسؤال الذي يضع نفسه الآن وهنا: ليس: كيف نشأت الحركة الحوثية؟ وإنما: إلى أين يمكن أن تمضي؟
لا أحد يستطيع أن يجيب عن هذا السؤال بيقين، لكن التاريخ يعلمنا أن جميع الحركات التي تنجح في الوصول إلى السلطة تواجه امتحانًا أشد صعوبة من امتحان الوصول إليها. فالمعارضة تستطيع أن تعيش على الشعارات، أما الدولة فلا تعيش إلا بالمؤسسات. والحرب تستطيع أن تعبئ الناس زمنًا، لكنها لا تستطيع أن تبني مجتمعًا إلى الأبد.
وربما استطاع الباحث تفسير قدرة الجماعة الحوثية على التكيف في مختلف الظروف والأحوال وفي هذا تكمن خطورتها فالجماعة، كما يبين الكتاب، ليست كيانًا جامدًا يعيش على إرث الإمامة وحده، ولا مجرد أداة في يد القوى الإقليمية، بل فاعل سياسي أعاد تشكيل نفسه كلما تبدلت موازين القوى، مستفيدًا من التاريخ، والقبيلة، والدين، والدولة الضعيفة، والجغرافيا السياسية في آن واحد. غير أن التاريخ نفسه يعلمنا أن قدرة الحركات على التكيف ليست بلا حدود؛ فكلما اقتربت من التحول إلى سلطة مستقرة، انتقلت من مواجهة تحديات البقاء إلى مواجهة تحديات الحكم. وهنا يصبح السؤال الحقيقي: هل تستطيع الحركة الحوثية أن تتحول من تنظيم نجح في إدارة الصراع إلى دولة تنجح في إدارة السلام؟ إن مستقبلها لن يتحدد فقط بقدرتها على كسب المعارك، بل بقدرتها على بناء شرعية سياسية تتجاوز شرعية السلاح، وتؤسس لعقد وطني يتسع لجميع اليمنيين. فالتاريخ لا يخلّد الجماعات لأنها انتصرت في الحرب، وإنما لأنه يقيس قدرتها على صناعة الدولة، وتحقيق العدالة، وبناء المستقبل.
إن مستقبل الحوثيين، في تقديري، لن يتحدد فقط بميزان القوة العسكرية، ولا بحجم الدعم الخارجي، بل بقدرتهم على الإجابة عن سؤال الدولة الحديثة: هل يمكن لحركة نشأت في زمن الحرب أن تؤسس سلامًا دائمًا؟ وهل تستطيع شرعية دينية طائفية أن تتحول إلى شرعية مواطنة؟ وهل يمكن للدولة أن تُدار بمنطق الجماعة، أم أن منطق الدولة يفرض على الجميع، في النهاية، أن يتغيروا؟
هذه ليست أسئلة تخص الحوثيين وحدهم، بل تخص اليمن كله، وربما تخص العالم العربي بأسره؛ لأن مأزق الدولة الوطنية لم يعد مأزقًا يمنيًا، بل أصبح أحد أكبر أسئلة العصر العربي الحديث.
ختاما
لا أعتقد أن كتاب الدكتور أمين اليافعي يقدم الكلمة الأخيرة في تفسير الظاهرة الحوثية، ولا أظنه يدعي ذلك. لكنه، في المقابل، يقدم واحدًا من أكثر النماذج التفسيرية رصانة وتماسكًا في المكتبة اليمنية المعاصرة. إنه كتاب يحرر النقاش من الأحكام الانفعالية، ويعيده إلى فضاء البحث العلمي، ويذكرنا بأن فهم الحاضر يبدأ دائمًا بإعادة قراءة الماضي، لكنه لا ينتهي عنده.
وأحسب أن قيمة هذا العمل تكمن في أنه لا يدعونا إلى الاتفاق معه بقدر ما يدعونا إلى التفكير معه. وهذه، في نهاية المطاف، هي العلامة الفارقة لكل كتاب يستحق أن يبقى حاضرًا في الذاكرة.
ولعل اليمن، وهو يقف اليوم على مفترق طرق تاريخي، لا يحتاج إلى مزيد من اليقينيات المغلقة، بقدر حاجته إلى هذا النوع من التفكير النقدي الهادئ، الذي يرى في التاريخ معلمًا لا سجنًا، وفي السياسة فنًا لإدارة الحاضر وبناء المستقبل لا تدمير ممكناتهما.
والتاريخ هو الذي يكسرّ رؤوس البشر ولا يتكسر رأسه أبدا. ولسنا في بدايته ولا في نهايته بل في خضمه.
***
ا. د. قاسم المحبشي








