عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءة في كتاب

عامر عبد زيد: من المرأة المحكومة بالحد إلى المرأة العابرة

قراءة تأويلية نقدية في كتاب «قضايا المرأة في التدين الاجتماعي» من منظور فلسفة العبور

لا يبدو كتاب «قضايا المرأة في التدين الاجتماعي» للدكتورة بتول فاروق كتابًا يبحث في «المرأة» بوصفها موضوعًا مستقلًا عن البنية التي أنتجت صورتها، بقدر ما يبدو محاولة للدخول إلى تلك المنطقة التي تتقاطع فيها النصوص الدينية مع الفقه، والعادات مع السلطة، والأسرة مع الاقتصاد، والجسد مع الثقافة، والهوية مع الأدوار الاجتماعية. ومن هنا فإن قيمة الكتاب لا تكمن فقط في القضايا التي يطرحها، وإنما في ذلك القلق الكامن وراءها: كيف تحولت مجموعة من التصورات التاريخية والاجتماعية إلى حدود تبدو وكأنها أحكام نهائية على إمكان المرأة؟

هذه النقطة تحديدًا تتيح لنا إعادة قراءة الكتاب من داخل فلسفة العبور؛ لأن السؤال الذي يحركه الكتاب، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، ليس: ماذا قيل عن المرأة؟ وإنما: كيف أصبحت بعض الأقوال حدودًا؟ وكيف انتقلت الحدود من كونها شروطًا تاريخية واجتماعية إلى كونها تعريفًا للمرأة؟ وهل يمكن إعادة فتح هذه الحدود بحيث تتحول من جدران مغلقة إلى معابر؟

فالكتاب ينطلق من ملاحظة أساسية مفادها أن الاعتراف النظري بإنسانية المرأة وكرامتها لا يعني بالضرورة تحقق ذلك في الواقع الاجتماعي، وأن الفارق بين المبدأ والممارسة يكشف عن وجود بنية اجتماعية ودينية متراكمة أسهمت في إنتاج تفاوت في النظر إلى المرأة وموقعها. كما يدعو إلى إعادة النظر في بعض القراءات الفقهية والاجتماعية الموروثة، وإلى إشراك المرأة في مجال إنتاج المعرفة الدينية والفقهية، بما يجعل النص أكثر قدرة على التواصل مع تحولات الحياة المعاصرة.

لكن فلسفة العبور تبدأ من سؤال أعمق من مجرد المطالبة بإعادة القراءة: ماذا يحدث عندما تتحول قراءة تاريخية إلى هوية ثابتة، وعندما يتحول الحكم الفقهي إلى بنية اجتماعية، وعندما تتحول البنية الاجتماعية إلى سلطة، ثم تبدأ السلطة في حماية الحدود التي أنتجتها؟ هنا يمكن قراءة الكتاب كله تقريبًا بوصفه محاولة لاكتشاف هذه السلسلة.

فالكتاب يبدأ من «الإشكاليات»، ولا يبدأ من تعريف مغلق للمرأة. وهذه البداية ذات دلالة؛ لأن السؤال نفسه فعل عبور. عندما تسأل الكاتبة: «من وضع الأسئلة؟» فهي لا تسأل فقط عن مضمون السؤال، وإنما عن الجهة التي امتلكت تاريخيًا حق صياغته. ومن يضع السؤال يمتلك، إلى حد كبير، إمكانية تحديد ما يعد مشكلة وما لا يعد كذلك. ولهذا فإن الانتقال من سؤال «ما حكم المرأة؟» إلى سؤال «من وضع السؤال عن المرأة؟» يمثل انتقالًا من داخل المنظومة إلى النظر في المنظومة نفسها.

وهنا تظهر إحدى أهم إمكانات الكتاب تأويليًا: المرأة ليست فقط موضوعًا للحكم، وإنما يمكن أن تصبح ذاتًا منتجة للسؤال والحكم والتأويل. وهذا هو أحد أهم معاني العبور.

فالحد لا يظهر هنا بوصفه نصًا فقط، بل بوصفه بنية لإنتاج المعنى. وقد يكون الحد فقهيًا، أو اجتماعيًا، أو لغويًا، أو اقتصاديًا، أو جسديًا، أو رمزيًا. ولذلك فإن الكتاب حين يناقش الزواج، والنفقة، والعمل غير المأجور، والجمال، والجسد، والاجتهاد، والشهادة، والطلاق، وضرب الزوجة، والخروج من البيت، والجندر، والأسرة، والثقافة، والأدب، لا ينتقل بين موضوعات متفرقة كما قد يبدو لأول وهلة، وإنما يتحرك حول سؤال واحد هو: كيف تُرسم حدود المرأة داخل المجتمع، ومن يملك سلطة رسمها؟

ومن هذه الزاوية يمكن فهم عنوان الكتاب نفسه: «التدين الاجتماعي». فالتدين هنا ليس الدين في صورته المجردة، وإنما الدين عندما يدخل المجال الاجتماعي ويتداخل مع العرف والتاريخ والسلطة والعادات والتقاليد. وهذه المنطقة هي التي تصبح فيها الحدود أكثر تعقيدًا؛ لأن ما هو ديني قد يختلط بما هو اجتماعي، وما هو فقهي قد يختلط بما هو عرفي، وما هو تاريخي قد يقدم بوصفه ثابتًا، وما هو اجتهادي قد يتحول إلى يقين اجتماعي.

إن فلسفة العبور لا تنكر الحدود؛ وهذه نقطة أساسية في قراءة الكتاب. فهي لا تفترض أن الحل يكمن في إزالة كل حد، لأن الإنسان لا يوجد خارج الحدود أصلًا. الإنسان يوجد داخل اللغة والجسد والزمن والتاريخ والأسرة والقانون والدين والمجتمع، لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الحد من شرط للوجود إلى تعريف نهائي للوجود. وهذا هو بالضبط ما يمكن أن نكتشفه في عدد كبير من قضايا الكتاب.

فالمرأة حين تُعرّف بوظيفتها الزوجية فقط، أو بالأمومة فقط، أو بجسدها، أو بكونها موضوعًا للنفقة، أو بوصفها الطرف الذي يحتاج إلى الوصاية، فإن شرطًا من شروط وجودها الاجتماعي يتحول إلى تعريف نهائي لها. وعندما يحدث ذلك يصبح العبور مستحيلًا؛ لأن المرأة لا تعود قادرة على الانتقال من دور إلى آخر، وإنما تُحاصر داخل الدور الذي عرّفها به المجتمع.

ولذلك تبدو مناقشة الكتاب للزواج المعاصر، وللنفقة، ولعمل المرأة غير المأجور، وللجسد، محاولة لإعادة فتح العلاقة بين الوظيفة والهوية. فالمرأة يمكن أن تكون زوجة وأمًا وعاملة ومفكرة ومجتهدة وكاتبة ومشاركة في المجال العام، من دون أن يختزل أحد هذه الأدوار وجودها كله.

ومن هنا يمكن أن نقول إن الهوية التي ينتقدها الكتاب هي هوية مغلقة؛ أما فلسفة العبور فتقترح في مقابلها مفهوم الهوية العابرة: هوية لا تلغي الاستقرار، لكنها لا تسمح للاستقرار بأن يتحول إلى سجن. فالهوية تحتاج إلى قدر من الثبات لكي يكون للإنسان معنى، لكنها تحتاج أيضًا إلى قدر من السيولة لكي يبقى الإنسان قادرًا على التحول. وهذا يقودنا إلى مسألة الجسد.

فالجسد في الكتاب ليس مجرد موضوع بيولوجي، بل هو أحد أهم المواقع التي تتشكل فيها السلطة. عندما يصبح جسد المرأة محل مراقبة وتنظيم وتقويم، فإن المجتمع لا يتعامل مع جسد فحسب، وإنما ينتج من خلاله صورة عن المرأة. ولذلك فإن سؤال «ما هو الجمال؟» ليس سؤالًا جماليًا بريئًا تمامًا، وإنما يمكن أن يتحول إلى سؤال سياسي وثقافي: من يحدد ما هو الجميل؟ ومن يحدد الجسد المقبول؟ ومن ينتج الصورة التي ينبغي للمرأة أن تطابقها؟

ومن منظور العبور يصبح الجسد نفسه حدًا ومعبرًا في الوقت ذاته. إنه يفرض شروطًا لا يمكن إنكارها، لكنه ليس قدرًا ثقافيًا نهائيًا. المرأة لا تستطيع أن تعيش خارج جسدها، لكنها تستطيع أن تعيد تشكيل علاقتها بالصورة التي ينتجها المجتمع عن جسدها. وهنا ينتقل العبور من «عبور الجسد» إلى عبور المعنى المفروض على الجسد. والأمر نفسه ينطبق على العمل.

فالكتاب حين يناقش عمل المرأة والعمل المنزلي غير المأجور والنفقة، فإنه يكشف أن تقسيم الأدوار الاقتصادية ليس محايدًا. إن العمل الذي يُحسب عملًا عندما يؤديه الرجل قد يتحول إلى واجب طبيعي عندما تؤديه المرأة. وهنا تظهر آلية خطيرة: تحويل الجهد إلى قدر، وتحويل الدور الاجتماعي إلى طبيعة، وتحويل العرف إلى معيار.

فلسفة العبور تتدخل هنا لتسأل: هل نحن أمام حدود طبيعية حقًا، أم أمام حدود تاريخية أصبحت غير مرئية بسبب طول بقائها؟

وهذا سؤال نقدي جوهري؛ لأن أقوى الحدود ليست تلك التي تُفرض بالقوة، وإنما تلك التي تصبح من البديهيات بحيث لا يعود أحد يسأل عن أصلها.

ومن هنا تكتسب عناوين الكتاب الاستفهامية أهمية خاصة. «من وضع الأسئلة؟»، «ما هو الجمال؟»، «من أين يحصل الرجل على المال؟»، «هل الأسرة نواة المجتمع أم الفرد؟»، «ما هو الجندر؟»، «هل يوجد موقف آخر للشهادة؟»؛ هذه العناوين لا تؤدي وظيفة تنظيمية فقط، وإنما تقوم بعمل فلسفي: إنها تعيد تحويل البديهي إلى سؤال.

وهذا جوهر فلسفة العبور: أن الفكر لا يبدأ عندما يمتلك جوابًا نهائيًا، وإنما عندما يكتشف أن الحد الذي بدا نهائيًا يمكن أن يُسأل. لكن هنا ينبغي أن تبدأ القراءة النقدية للكتاب أيضًا.

فالقوة الأساسية في الكتاب هي أنه يكشف حدودًا كثيرة، إلا أن كشف الحدود لا يعني دائمًا امتلاك نظرية متكاملة للعبور. ففي بعض المواضع يبدو الكتاب وكأنه ينتقل من نقد صورة قديمة إلى المطالبة بصورة أكثر عدلًا، لكنه لا يطور دائمًا بصورة منهجية السؤال التالي: كيف ننتقل من النظام القديم إلى نظام جديد دون أن نستبدل ثباتًا بثبات آخر؟ وهذا سؤال مهم جدًا من منظور فلسفة العبور.

فإذا كانت المشكلة في أن بعض القراءات الفقهية والاجتماعية قد تحولت إلى ثوابت مغلقة، فإن البديل لا ينبغي أن يكون مجرد إنتاج «قراءة جديدة» تتحول هي الأخرى إلى معيار مغلق. العبور ليس انتقالًا من حقيقة قديمة إلى حقيقة جديدة ثم إغلاق الباب، وإنما هو إبقاء المجال مفتوحًا للمراجعة والتفاوض والتعدد.

ولهذا فإن فلسفة العبور لا تكتفي بالدعوة إلى «إعادة قراءة» النص، بل تسأل عن شروط إعادة القراءة نفسها: من يقرأ؟ من يملك سلطة التأويل؟ ما علاقة القارئ بسياقه؟ كيف نميز بين النص والتفسير؟ كيف نميز بين الحكم الديني والحكم التاريخي؟ وكيف يمكن أن نحافظ على المعنى الديني دون أن نحول تاريخ التفسير إلى قدر أبدي؟

ومن هنا تصبح قضية اجتهاد النساء في الفقه الإسلامي واحدة من أكثر مناطق الكتاب أهمية في ضوء فلسفة العبور؛ لأن دخول المرأة مجال الاجتهاد لا يعني فقط إضافة «مجتهدة امرأة» إلى قائمة المجتهدين، وإنما يعني تغيير البنية التي تحدد من يملك حق إنتاج المعرفة الدينية. فإذا كانت المرأة طوال التاريخ موضوعًا للحديث الفقهي، فإن انتقالها إلى موقع المتكلم والمنتج للمعرفة يمثل عبورًا من موضوع التأويل إلى ذات التأويل. وهذا العبور معرفي قبل أن يكون اجتماعيًا.

فالسلطة لا تعمل فقط من خلال القانون، وإنما تعمل من خلال من يملك حق تعريف العالم. ولذلك فإن تحرير المرأة من بعض القيود الاجتماعية لا يكتمل إذا بقيت سلطة تعريف المرأة محتكرة من الخارج.

ومن هذه الزاوية تكتسب الأبحاث المتعلقة بالدين، والجندر، والأسرة، والاجتهاد، والسلام المجتمعي، والثقافة والأدب، وحدةً أعمق مما قد يظهر من فهرس الكتاب. فالمرأة تعبر من المجال الخاص إلى المجال العام، ومن المتلقي إلى المنتج، ومن الموضوع إلى الذات، ومن الجسد الذي يُنظر إليه إلى الذات التي تنظر، ومن الفقه الذي يتحدث عنها إلى الفقه الذي تشارك في إنتاجه، ومن الأسرة بوصفها إطارًا مغلقًا إلى الأسرة بوصفها علاقة قابلة لإعادة التنظيم.

وهنا يمكن فهم انتقال الكتاب في نهايته إلى الثقافة والأدب والمرأة في النجف بوصفه انتقالًا مهمًا من المجال التشريعي إلى المجال الرمزي. فالحدود لا تُنتج في القوانين والفتاوى فقط، وإنما تُنتج أيضًا في الصور والقصص واللغة والذاكرة الأدبية. ولذلك فإن ظهور المرأة في المجال الثقافي لا يعني مجرد «مشاركة ثقافية»، بل يمثل عبورًا من الصورة التي يصنعها الآخر عنها إلى الصورة التي تصنعها هي عن ذاتها وعالمها.

إن المرأة التي تكتب لا تعبر فقط إلى الأدب؛ إنها تعبر إلى إنتاج صورتها الخاصة. وهنا يلتقي الكتاب بعمق مع فلسفة العبور: فالعبور الحقيقي لا يكون فقط من مكان إلى آخر، وإنما من نظام من المعنى إلى نظام آخر. قد تعبر المرأة من البيت إلى العمل، لكن الأهم أن تعبر من تعريف العمل بوصفه امتيازًا للرجل إلى اعتباره إمكانًا إنسانيًا. وقد تعبر من الصمت إلى الكلام، لكن الأهم أن يصبح كلامها منتجًا للمعنى لا مجرد إضافة صوت إلى فضاء صاغه الآخرون. وقد تدخل مجال الاجتهاد، لكن الأهم أن يصبح وجودها في مجال التأويل جزءًا من إعادة تعريف من يملك المعرفة الدينية.

وعند هذه النقطة يمكن إعادة صياغة المشروع كله: قضية المرأة ليست قضية إزالة الحدود، بل قضية إعادة بناء العلاقة بالحدود.

فالمرأة لا تحتاج إلى عالم بلا أسرة، ولا إلى مجتمع بلا دين، ولا إلى إنسان بلا جسد، ولا إلى وجود بلا تاريخ. المطلوب ليس إلغاء هذه الشروط، وإنما منعها من التحول إلى تعريف نهائي للإنسان. الدين يمكن أن يكون مجال معنى، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى غطاء لكل عرف تاريخي. الأسرة يمكن أن تكون مجال مودة ورحمة، لكنها لا ينبغي أن تتحول إلى بنية للسيطرة. الجسد حقيقة وجودية، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى سجن رمزي. الفقه ضرورة لتنظيم الحياة، لكنه يفقد قدرته على التواصل عندما يتحول إلى إعادة إنتاج حرفية لشروط تاريخية تغيرت. وهنا بالذات يصبح التدين الاجتماعي هو نقطة الاختبار الكبرى.

فالتدين الذي لا يستطيع العبور بين النص والحياة، وبين الثابت والمتغير، وبين الأصل والسياق، وبين المعنى والتاريخ، يتحول تدريجيًا من طاقة روحية وأخلاقية إلى بنية ضبط اجتماعي. أما التدين العابر فهو الذي يستطيع أن يحافظ على علاقته بالمقدس، وفي الوقت نفسه يعيد قراءة أشكال تجسده التاريخي، بحيث لا يصبح التاريخ هو الدين، ولا العرف هو النص، ولا تفسير الإنسان هو الحقيقة المطلقة.

ومن ثم فإن السؤال الذي يمكن أن تضيفه فلسفة العبور إلى كتاب بتول فاروق هو: كيف يمكن أن ننتقل من تدين يعرّف المرأة من خلال الحدود الموروثة إلى تدين يعيد اكتشاف الإنسان من خلال إمكانه؟

إنها نقلة من «فقه المرأة» إلى فقه العلاقة، ومن سؤال «ما الذي يجوز للمرأة؟» إلى سؤال «كيف ينبغي أن تنتظم العلاقة الإنسانية بحيث لا يتحول أحد طرفيها إلى مالك لتعريف الطرف الآخر؟». وهي نقلة من تصور للمرأة باعتبارها موضوعًا للأحكام إلى تصورها باعتبارها شريكًا في إنتاج المعنى والقانون والثقافة والحياة.

ولهذا فإن القيمة الأعمق للكتاب، من منظور فلسفة العبور، لا تكمن في كل نتيجة من نتائجه الجزئية، ولا في الاتفاق أو الاختلاف مع كل قراءة فقهية يقدمها، وإنما في أنه يفتح ممرًا بين النص والواقع، والدين والتاريخ، والفقه والمجتمع، والمرأة والذات، والجسد والثقافة، والأسرة والتحول. غير أن هذا الممر يحتاج إلى نظرية أكثر صراحة في العبور حتى لا يبقى مجرد انتقال بين القضايا.

ومن هنا يمكن أن نعيد صياغة الأطروحة المركزية للكتاب فلسفيًا على النحو الآتي:

إن أزمة المرأة تبدأ عندما يتحول الحد التاريخي إلى هوية، والهوية إلى سلطة، والسلطة إلى قاعدة لإعادة إنتاج الحد؛ وإن تحرير المرأة لا يتحقق بإلغاء الحدود، بل بفتحها، أي بتحويلها من جدران تحدد الإنسان مسبقًا إلى معابر تسمح له بإعادة تشكيل علاقته بنفسه وبالآخر وبالعالم.

بهذا المعنى لا تكون المرأة «موضوعًا للتحرر» فحسب، بل تصبح كائنًا عابرًا؛ أي ذاتًا لا تتوقف عند تعريف واحد، ولا تسمح لدور اجتماعي أو تفسير فقهي أو صورة ثقافية بأن يتحول إلى تعريف نهائي لإمكانها.

وهنا تلتقي فلسفة العبور مع أعمق ما يمكن استخراجه من الكتاب: الإنسان لا يتحرر عندما يعيش بلا حدود، وإنما عندما يستطيع أن يجعل حدوده قابلة للسؤال، وأن يحول علاقته بها، وأن يفتح من داخلها إمكانًا جديدًا للوجود.

وعندئذ تصبح قضية المرأة جزءًا من قضية إنسانية أوسع: كيف ننتقل من إنسان تحدده الحدود إلى إنسان يتفاوض معها؟ وكيف ننتقل من هوية مغلقة إلى هوية عابرة؟ وكيف يتحول التدين من نظام لإعادة إنتاج الماضي إلى قدرة على عبور الماضي نحو معنى أكثر عدلًا للحاضر؟

لعل هذه هي المسافة التي يفتحها كتاب «قضايا المرأة في التدين الاجتماعي»، وهذه أيضًا هي المسافة التي تبدأ عندها فلسفة العبور: ليس بإلغاء ما كان، ولا بتقديس ما هو قائم، وإنما بإعادة فتح الطريق بين ما نحن عليه وما يمكن أن نصير إليه.

***

د. عامر عبد زيد الوائلي

في المثقف اليوم