قراءات نقدية

عماد خالد رحمة: دراسة نقدية في قصيدة توفيق أحمد بعنوان "القصيدة"

تُقارب هذه الدراسة قصيدة توفيق أحمد “القصيدة” عبر المنهج النفسي والرمزي، بوصف النص فضاءً تتجلّى فيه علاقة الشاعر بذاته، وباللغة، وبالعالم، حيث تتحوّل “القصيدة” من موضوع للكتابة إلى ذات كبرى تحتضن الشاعر وتصارعه وتعيد تشكيله.

وسيتمّ تحليل النص عبر محاور: الفكرة والرؤية، البنية الدلالية، الرموز المركزية، الصراع الداخلي، صورة الذات والآخر، البنية الأسلوبية، الصورة الشعرية، الإيقاع، الزمن والمكان، والأبعاد النفسية والفلسفية.

أولًا: الفكرة والرؤية:

القصيدة ليست نصّاً عن الشعر بقدر ما هي نصّ عن الوجود عبر الشعر. فالشاعر لا يعرّف القصيدة تعريفاً تقنياً، بل يحمّلها وظيفة أنطولوجية:

“هي الحياة بما أعطت وما أخذتْ

فكلُّ روحٍ لها من خلقها جسدُ”

القصيدة هنا ليست انعكاساً للحياة، بل هي الحياة نفسها، أو صورتها المكثفة. الرؤية المركزية تقوم على أن الشعر ليس ترفاً جمالياً، بل ضرورة وجودية، وأن الشاعر لا يعيش خارج القصيدة بل داخلها.

ثانيًا: البنية الدلالية

الدلالة في النص تقوم على حركة دائرية بين ثلاثة أزمنة:

“هي القصيدةُ أمسٌ مشرقٌ وغدُ

وحاضرٌ مستمرُّ الوهج متّقدُ”

القصيدة تُختزل فيها الأزمنة: الماضي، الحاضر، المستقبل، في وحدة زمنية متوهّجة. هذا يشي بأن التجربة الشعرية عند توفيق أحمد تجربة كلية، لا تخضع للتجزئة الزمنية، بل تصنع زمنها الخاص.

كما أن الدلالة تتحرّك بين الامتلاء والفراغ، القرب والبعد، العطاء والحرمان:

“بحرٌ لا ضفاف له

وكلما اقتربت في الظن تبتعدُ”

وهو ما يؤسس لتوتّر دلالي دائم، يجعل القصيدة كيانًا مراوغًا لا يُمتلك بالكامل.

ثالثًا: الرموز المركزية

1. القصيدة بوصفها أنثى/أم/مخلّصة

تُؤنَّث القصيدة باستمرار:

“تلمّني يدها وهماً وأسئلةً”

“أنا على شفتيها برعمٌ خضلٌ”

القصيدة هنا ذات حاضنة، أمّ رمزية، أو معشوقة وجودية، تمنح الشاعر ولادة متكررة.

2. البحر

“هي القصيدة بحرٌ لا ضفاف له”

البحر رمز للاتساع، اللانهاية، الغموض، واللاحدّ. القصيدة فضاء مفتوح لا يُحدّ بتعريف.

3. الجراح والعطش

“تروي الجراح الظوامي وهي ظامئةٌ”

المفارقة الرمزية: القصيدة تشفي وهي مجروحة، تروي وهي عطشى، ما يجعلها رمزًا للتضحية الوجودية.

رابعًا: الصراع الداخلي

يتجلّى الصراع بين الشاعر وذاته عبر علاقته المتناقضة بالقصيدة:

“تأتي الهوينى ولا تأتي ويرهقها

نصٌّ يحاصر فحواها فتجتهدُ”

الشاعر يعاني من مقاومة المعنى للقبض عليه، فينشأ صراع بين الرغبة في التعبير وعناد اللغة.

وفي قوله:

“أنا أكفّر أحلامي وأرجعها”

نلمح توتّرًا بين الإيمان بالحلم والتشكيك فيه، بين الحاجة إليه والخوف من خيبته.

خامسًا: صورة الذات والآخر

صورة الذات

الذات تُقدَّم ككائن ناقص، مجروح، باحث عن خلاص:

“تستعيد جراحي النازفات يدُ”

“حين الوهن ينزف بي”

الذات لا تكتمل إلا داخل القصيدة، فهي المجال الوحيد الذي تستعيد فيه توازنها.

صورة الآخر

الآخر هنا ليس شخصًا، بل هو العالم، والحسد، والقصيدة ذاتها:

“محسودةٌ يتهاوى دونها الحسدُ”

العالم يغار من القصيدة، لأنها تمتلك ما لا يملكه: القدرة على الخلق من الألم.

سادساً: البنية اللغوية والأسلوبية

اللغة فخمة، تقريرية شعرية، تعتمد الجملة الاسمية لتكريس الثبات:

“هي القصيدةُ…” تتكرّر بوصفها لازمة بنائية.

هذا التكرار يرسّخ مركزية القصيدة ويحوّلها إلى محور كوني.

الأسلوب يقوم على:

المفارقة: تروي وهي ظامئة.

التضاد: تقترب/تبتعد.

التوكيد عبر التكرار.

سابعاً: الصورة الشعرية والرمز

الصور تقوم على المزج بين المجرد والمحسوس:

“لحظةٌ تسكن الأيام في يدها”

الزمن يُمسك باليد، وهي صورة رمزية تدمج الزمن بالجسد.

“أنا على شفتيها برعمٌ خضلٌ”

صورة ولادية، تجعل الشاعر نتاجًا للقصيدة لا العكس.

ثامناً: الإيقاع والموسيقى

القصيدة مكتوبة على البحر السيط، بما يحمله من طاقة موسيقية عالية تناسب خطاباً احتفالياً وجودياً.

التكرار الصوتي في “هي القصيدة” يمنح النص لازمة إيقاعية، تقارب الترتيل، وتمنح القصيدة نَفَساً إنشادياً يتلاءم مع قداسة الموضوع.

تاسعًا: الزمن والمكان

الزمن غير تاريخي، بل وجودي: أمس/غد/حاضر في وحدة واحدة.

المكان رمزي: بحر، ضفاف، يد، شفة، دم… كلها أماكن نفسية لا جغرافية.

عاشرًا: الأبعاد النفسية والفلسفية

من منظور نفسي، القصيدة تقوم بوظيفة علاجية:

تضمّد الجراح.

تمنح هوية.

تعوّض نقص الوجود.

من منظور فلسفي، القصيدة تُقدَّم كبديل عن المطلق، وكوسيط بين الإنسان والعدم، وكطريقة لقول “أنا موجود” عبر اللغة.

“هي القصيدة تستثني سواي وفي

دمي تفيضُ.. ومن إلاّي؟ لا أحدُ”

هنا تتجلّى نزعة وجودية واضحة: الوجود يتحقّق بالكتابة، والذات لا تتعيّن إلا داخل النص.

خاتمة:

قصيدة توفيق أحمد ليست قصيدة عن الشعر فقط، بل قصيدة عن الإنسان حين لا يجد معنى إلا في القول، ولا خلاصًا إلا في اللغة.

القصيدة تتحوّل إلى أمّ، وطن، جسد، خلاص، جرح، ومرآة.

وبالمنهج النفسي والرمزي، يظهر النص بوصفه سيرة ذاتية روحية، تتصارع فيها الذات مع الفقد، وتنتصر عبر الخلق، وتقول في النهاية:

الشعر ليس ما نكتبه، بل ما يُنقذنا حين ننكسر.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

..............................

القصيـدة

شعر: توفيق أحمد

هي القصيدةُ أمسٌ مشرقٌ وغدُ

وحاضرٌ مستمرُّ الوهج متّقدُ

*

ولحظةٌ تسكنُ الأيامُ في يدها

حتى تَضيقَ بحَمْلِ الأمنياتِ يدُ

*

هي القصيدةُ بحرٌ لا ضفَافَ له

وكلما اقتربتْ في الظن تبتعدُ

*

أشجارُها تلدُ الرؤيا مبعثَرةً

مع الغمام وتلظى حين لا تلدُ

*

موجودةٌ يتشهّى الدفَء واجدُها

محسودةٌ يتهاوى دونها الحسدُ

*

هي القصيدة واسألْ والضفافُ على

مدارها أهْو درٌّ ذاك أم زبدُ

*

تَروي الجراح الظوامي وهي ظامئةٌ

وتشتهي وِرْدها النجوى ولا تردُ

*

تأتي الهوينى ولا تأتي ويرهقها

نصٌّ يحاصرُ فحواها فتجتهدُ

*

هي الحياة بما أعْطتْ وما أَخَذَتْ

فكلُّ روحٍ لها من خَلْقها جَسَدُ

*

تلمّني يدها وهماً وأسئلةً

وتستعيدُ جراحي النازفاتِ يدُ

*

أنا على شفتيها برعُمٌ خضلٌ

وطائرٌ في كتابِ المشتهى غردُ

*

هي القصيدةُ تستثني سوايَ وفي

دمي تفيضُ .. ومن إلاّي؟ لا أحدُ

*

أنا أُكَفِّرُ أحلامي وأُرجعُها

وما غريبٌ له من حُزْنه بلدُ

*

هي القصيدةُ حين الوهْنُ ينزفُ بي

على تمرُّدها المجنون أعتمدُ

 

في المثقف اليوم