قراءات نقدية
عماد خالد رحمة: دراسة نقدية لقصيدة أحمد المجاطي "عودة المرجفين"
مقاربة نفسية – رمزية – أسلوبية في الصورة والإيقاع والدلالة والبعد الفلسفي
تنتمي قصيدة «عودة المرجفين» لأحمد المجاطي إلى شعر التفعيلة ذي النفس الرؤيوي، حيث يتداخل التاريخي بالأسطوري، والذاتي بالجماعي، في بنية شعرية تقوم على التوتر بين الأمل والانكسار، بين الثورة والانطفاء، بين الحلم والخذلان.
القصيدة ليست سردًا حدثيًا بل بناء رمزي كثيف، تتحول فيه الشخصيات (المرجفون، العائدون، الشاعر) إلى علامات نفسية وتاريخية، ويغدو الفضاء الشعري مسرحًا لصراع الوعي مع الخيبة.
المحور الأول: الصورة الشعرية
1. طبيعة الصورة
تعتمد القصيدة على صورة مركبة، لا وصفية، بل دلالية–رؤيوية، مثل:
«تشردُ الأحلامُ في خطواتهم
تتعذّب الأوتارُ في لحنٍ يكفّن صولة الماضي»
هنا تتحول الأحلام إلى كائنات شاردة، والموسيقى إلى كفن، أي أن الجمال نفسه صار أداة دفن. هذه صورة نفسية قبل أن تكون حسية، تعكس وعيًا منكسرًا يرى الماضي حيًّا في هيئة جثة.
2. الصورة والرمز
كثير من الصور تؤدي وظيفة رمزية:
الجبل: رمز الثبات والبطولة الغائبة
الليل: رمز الخيبة والضياع
الزيتون: رمز الشهادة والبعث
الضباب: رمز الالتباس الأخلاقي والسياسي
«صاروا كالضباب الجون
قيل أبيض كالقُطن
قيل أسود كالموت»
الصورة هنا تفكك اليقين: لا حقيقة ثابتة، كل شيء قابل للتأويل، وهو جوهر الأزمة النفسية والسياسية.
3. الصورة والانفعال
الصورة لا تُنتج للزينة، بل تنبع من انفعال داخلي عميق، لذلك تسود:
الصور الجارحة: الدم، الجراح، العيون، الصدر
الصور الليلية: العتمة، الظل، الصمت
الصور النبوئية: البعث، الرؤيا، القيامة
وهذا يؤكد أن الخيال هنا هو خيال مأزوم، لا احتفالي.
المحور الثاني: الإيقاع الداخلي
1. تفعيلة وانكسار
القصيدة تنتمي إلى شعر التفعيلة، لكن الإيقاع ليس منتظمًا، بل متوتر، متقطع، يعكس اضطراب التجربة:
تكرار الجمل القصيرة:
«كانوا هناك
كانوا إذا ماتوا…
أنا بالثورة عانقت السماء»
هذا التكرار يمنح نغمة تراتبية تشبه التراتيل أو المراثي.
2. الإيقاع والدلالة النفسية
الإيقاع هنا ليس موسيقيًا فقط، بل نفسي:
بطء في المقاطع الحزينة
تسارع في مقاطع الثورة
انكسار في لحظات الخيبة
الإيقاع يتحول إلى تمثيل صوتي للوجدان.
3. التكرار كوظيفة نفسية
كثرة التكرار (كانوا – أنا – عادوا) ليست أسلوبًا فقط، بل سلوكًا نفسيًا:
الذات المصدومة تعيد الجملة كأنها تحاول استيعاب الصدمة.
المحور الثالث: البنية الدلالية
1. الحقول الدلالية
تتوزع الدلالة بين أربعة حقول:
حقل الموت: الدم، الجراح، القبور، الصدر
حقل النور: الفجر، الشمس، الزيتون
حقل الخديعة: الضباب، الحرباء، الرؤيا الكاذبة
حقل الثورة: السماء، الريح، التفجير، الانتصار
وهذه الحقول في صراع دائم.
2. الدلالة والتحول
القصيدة تقوم على مسار:
أمل → ثورة → خيانة → خيبة → نبوءة سوداء
«كذبتِ يا رؤيا
طريق الصمت لا تفضي لغير المقبرة»
هنا تتحول الرؤيا من وعد إلى كذبة، ومن خلاص إلى قبر.
3. اللغة كوعي مأزوم
اللغة نفسها متوترة:
كثرة الأفعال
غلبة الحركة
ندرة الجمل الاسمية الهادئة
كأن اللغة تلهث خلف معنى يفرّ منها.
المحور الرابع: البعد النفسي
1. الذات الجريحة
الشاعر لا يتكلم من موقع الراصد بل من موقع المصاب:
«أنا بالثورة عانقت السماء
أنا لم أضحك…»
الذات هنا ذات مجروحة بالخيبة، تعاني ما يمكن تسميته:
"صدمة الحلم المكسور".
2. الجماعة بوصفها جرحًا
المرجفون والعائدون ليسوا أشخاصًا فقط، بل صور للخذلان الجمعي:
من خرجوا باسم الثورة
من عادوا بلا ملامح
من خانوا الحلم أو شوهوه
وهذا يولد شعورًا نفسيًا بالاغتراب داخل الجماعة نفسها.
3. القلق الوجودي
القصيدة مشبعة بقلق:
من المصير
من المعنى
من الزمن
من التاريخ
الذات هنا لا تثق لا بالماضي ولا بالمستقبل.
المحور الخامس: البعد الفلسفي
1. سؤال الحقيقة
حين يقول:
«قيل أبيض كالقُطن
قيل أسود كالموت»
فهو يعلن أزمة الحقيقة، وهي أزمة فلسفية قبل أن تكون سياسية.
2. الرؤيا والعدم
الرؤيا التي تكذب تعني أن الوعي نفسه مهدد:
«كذبتِ يا رؤيا»
أي أن الخلاص المتخيَّل لم يكن إلا خدعة.
3. الإنسان والخيبة التاريخية
القصيدة تنتمي إلى فلسفة المأساة التاريخية:
الإنسان يصنع الحلم
التاريخ يخونه
الوعي يبقى معلّقًا بين الذنب والأمل
خاتمة تركيبية
تشكل «عودة المرجفين» نصًا مركزيًا في شعر أحمد المجاطي، حيث تندمج:
الصورة الرؤيوية
الإيقاع النفسي
الدلالة المأزومة
القلق الوجودي
في بنية شعرية تعكس أزمة الإنسان العربي بين حلم الثورة وصدمة الانكسار.
القصيدة ليست مجرد نص سياسي، بل وثيقة نفسية–فلسفية عن إنسان حلم بالسماء، ثم أفاق في المقبرة.
النتائج
الصورة في القصيدة صورة نفسية–رمزية لا وصفية.
الإيقاع يعكس اضطراب الوعي لا انتظام الموسيقى.
الدلالة تقوم على صراع الحلم والخذلان.
البعد النفسي يتمحور حول صدمة الحلم المكسور.
البعد الفلسفي يتمثل في أزمة الحقيقة والمعنى والتاريخ.
القصيدة تمثل نموذجًا للشعر العربي الرؤيوي المأزوم.
***
بقلم: عماد خالد رحمة - برلين
........................
عودة المرجفين
في اللَّيلِ
لا جبلٌ يصولُ إذا مَشَوْا
لا غيمةٌ تَدنو
لِتَنفُثَ رعبَها الثَّلجِيَّ
عبرَ المُرتَقَى
كانوا هُنالِكَ
تشردُ الأحلامُ في خُطُواتِهِمْ
تَتَعذَّبُ الأوتارُ
في لَحنٍ يكفٍّنُ صولةَ الْماضي
يفتِّحُ لاصطخابِ المَوْجِ
أقبِية السكينَه
كانتْ عناقيدُ الَّهيبِ
إذا ارتمتْ فوقَ الجْبالِ
أَلُمُّها في الحيِّ
أمسحُ جبهَتي منْها
أحسُّ تمرُّدَ الأمواتِ فيها
نكهةَ البعثِ
التئامَ الجرحِ
في الغُصَصِ الدفينهْ
كانوا إذا ناءَتْ جِرَاحُهمُ
تحلِّقُ كاسراتُ الطّير
فوقَ وُجُهِهِمْ
لا تغمسُ المِنقَارَ في عينٍ
ولا تسعَى بِمِخلَبِ كاسرٍ
يَمْتَصُّ مْن شفَقِ
تجمَّد في شقوقِ الصّدرِ
كانتْ ربما مَسَحتْ بجانِحِها
بقايا الحُلْمِ في نَظراتِهِمْ
أَوْ لَوَّنتْ مْمَّا يَحوكُ الفجرُ
حزنَ دُموعِهِمْ
كانوا إذا ماتوا
تَشِعُّ مَواقِدُ الزَّيتونِ
في القِمَمِ الحصينهْ
2
أنا بالثَّورةِ عانَقْتُ السّماءْ
أنا نَبعُ اللهِ
في قَلْبِي ارْتوَى
ذَوَّبتُ نهرَ الدَّمِ
في قطرةِ ماءْ
أنا لَمْ أضحكْ
ولكنَّ الذي استَغْوى أساريري
انتِصاراتي علَى الْموتِ
امْتِدادي في مهَبِّ الرِّيحِ
تَفْجيري الأسَى
في سَطوةِ الدّهرِ الَّعينَهْ
أنا من أسلَمَ للخًلْدِ يَقينهْ
3
حِينَ عادوا كَحَّل الصَّمتُ جفونَهْ
مَدَّ للفجر يداً
أَرخَى جُنونَ الضَّوءِ
في لَيلْ المَدينهْ
وأفاق الغَجَرُ المصلوبُ
والخمرُ اسْتباحتْ خُلوةَ الصَّفصافِ بالشَّمسِ
ارتَمتْ نهراً عقيقيّاً
وباتَتْ دارُنا تكبرُ
وامتدتْ مِنَ الفرحةِ غاباتٌ
وسالَ النَّجمُ في الرملِ
فلَو فَجّرتَ أحزانَ اليتامَى
في جناحِ اللَّيلِ لاخْضلتْ يَنابيعُ
وفاضَ اللَّحنُ في الكأسِ الحزينهْ
4
كذبتِ يا رُؤِيا
طريقُ الصَّمتِ لا تُفضِي
لِغيرِ المَقبرهْ
رأيتُهم مَرُّوا بلا عمائِمٍ
تَفَرّقوا عبرَ الدُّروبِ
أطفأُوا سُيوفَهُمْ
تَفَرّدوا على ظُهورِ الخَيلِ
صاروا كالضَّبابِ الجُونِ
قيلَ أبيضٌ كالقُطنِ
قيل أسودٌ كالْموتِ
قيلَ أفْرختْ حرباءُ
في وُجوهِهِمْ
وقيلَ باضتْ
قُبَّرهْ
5
عتمة الأدغالِ في الغاباتِ
تَدري أيُّهُمْ عادَ
وتَدْري
كيفَ فاضَ الماءُ في التَّنُّورِ
حتَّى نغلتْ بالدُّودِ
عينُ الشَّمسِ
حتَّى أورقَ الانجيلُ
في عينِ الخطيئَهْ
عادَ مِنهم جسدٌ لا يَرْوتَوي،
حماءةُ طينٍ،
شبقٌ،
عادوا
وفي ألسنِهِمْ من ذَنبِ الضََّبِّ
حبالٌ
أبداً ما نَفَذت عيني
لِما خلف البُطونِ الصفْرِ
ما خلف الأساريرِ
القَميئَهْ
أبداً بيني وبينَ الشَّمعِ
في نَشْوتِهِمْ
عُمقُ البِحارِ السُّودِ،
يا قلباً رَمَى المِرساةَ
لِلرِّيحِ الجَريئَهْ
قِفْ على مَوتاكَ
وادفِنْ سَوْرةَ الثّلجِ
بعينَيكَ،
حُطامٌ حُلمكَ المُشْعلُ
من رُؤيا
بَريئَهْ
نبذة عن القصيدة
قصائد عامه
التفعيله
الصفحة السابقة
كبوة الريح
***
أحمد المجاطي - المغرب







