قراءات نقدية
عماد خالد رحمة: قراءة نقدية نفسية - نسوية في ضوء فصاحة اللفظ وجمالية التعبير
لقصيدة الشاعرة: ثورية الكور
تندرج قصيدة «نحن الذاكرة» للشاعرة ثورية الكور ضمن المتن الشعري الحداثي الذي يعيد الاعتبار للغة بوصفها حاملاً للخبرة الوجودية، لا مجرد أداة تعبير. فالقصيدة لا تكتفي بتمثيل التجربة النسوية، بل تعيد صوغها عبر لغة عالية التوتر، متوازنة بين الفصاحة والدلالة، حيث يتكافأ اللفظ والمعنى، ويتحوّل الإيقاع إلى بُعد نفسي وجمالي فاعل.
تعتمد هذه الدراسة المنهج الوصفي–الأسلوبي، مع الاستنارة بالمنظور النفسي–النسوي، مركّزةً على:
١- فصاحة اللفظ ووجاهة التركيب.
٢- المعمار الصوتي والإيقاعي.
٣- البنية الفنية والدلالية.
علاقة الذات النسوية بالعالم
أولاً: فصاحة اللفظ ووجاهة التعبير
تتسم لغة القصيدة بصفاء معجمي وانضباط نحوي، يخلو من التعقيد المتكلَّف، ويعتمد المباشرة المشحونة بالدلالة. فالجملة الافتتاحية:
«نحن الذاكرة»
جملة اسمية قصيرة، لكنها ذات كثافة دلالية عالية؛ إذ جاء المبتدأ «نحن» معرفاً بالحضور الجمعي، وجاء الخبر «الذاكرة» معرفةً أيضاً، مما أفاد القصر والتطابق بين الذات والوظيفة الوجودية. فالفصاحة هنا لا تقوم على الزخرف، بل على الاقتصاد التعبيري الذي يحمّل اللفظ أقصى طاقته الدلالية.
ويستمر هذا التوازن في قولها:
«أحنّ من الماء حين يشتد العطش»
جملة قائمة على تشبيه بليغ، يراعي الملاءمة بين اللفظ والمعنى؛ فالماء أصل الرحمة، والعطش ذروة الحاجة، فكان اللفظ منسجماً مع الموضوع دون افتعال.
ثانياً: الإيقاع والمعمار الصوتي
1. الوزن والجرس:
القصيدة تنتمي إلى الشعر الحر، غير أنها لا تهمل الإيقاع، بل تؤسسه على:
١- الجرس الصوتي
٢- تكرار المقاطع
٣- التوازي التركيبي
مثل:
«بكت
بكت الشجرة
بكينا»
هذا التدرّج الصوتي من المفرد إلى الجمع يولّد تصاعداً إيقاعياً نفسياً، يحاكي انتقال الألم من الفردي إلى الجماعي.
2. الموسيقى الداخلية:
تتجلّى الموسيقى الداخلية في:
١- تكرار الأصوات الرخوة (الميم، النون)
٢- الوقفات الصامتة (…)
٣- الجمل القصيرة المتقطعة
وهو إيقاع يُحاكي البكاء المكتوم، حيث يصبح الصمت عنصراً موسيقياً لا يقل أثراً عن الصوت.
ثالثاً: البنية الفنية والمعمار الشعري
1. البناء العام:
لا تعتمد القصيدة السرد الخطي، بل تقوم على بنية مشهدية تتجاور فيها الصور دون تسلسل زمني صارم، وهو ما ينسجم مع طبيعة الذاكرة الجريحة، التي تستعيد الألم على شكل شذرات.
2. الشخصيات الرمزية:
١- الحطّابة: تمثّل المرأة في دور مزدوج (الفاعلة/الضحية)
٢- الشجرة: الجسد والذاكرة والأنوثة
٣- الطفلة: الذات الأولى قبل الصدمة
هذا المعمار الرمزي يمنح النص عمقاً نفسياً دون الإخلال بالوضوح التعبيري.
رابعاً: الصورة الشعرية بين الجمال والجرح
تقوم الصورة الشعرية على الاقتصاد والدهشة، كما في:
«لكن الفأس في الرأس
والشجرة… هي التي تبكي»
جملة قائمة على قلب العلاقة السببية، حيث يتحوّل العنف من فعل خارجي إلى جرح داخلي، وهو تعبير بالغ الوجاهة عن الاستبطان القهري للقمع.
كما تتجلى الصورة المركّبة في:
«كأكواب سقطت دون ضجيج»
تشبيه حسّي بسيط، لكنه بالغ الدقة في تصوير الانكسار الصامت.
خامساً: البنية الدلالية ونقد خطاب الإنكار
تشتغل القصيدة ضد خطاب اجتماعي يُنكر الألم النسوي، كما في:
«لكن الدمع لا يُدرج في تقارير الحزن»
هنا تتقاطع اللغة الشعرية مع اللغة الإدارية، في مفارقة تكشف برودة الخطاب المؤسسي إزاء الألم الإنساني. الدلالة لا تُفرض، بل تتولّد من اصطدام الحقلين اللغويين.
سادساً: البعد النفسي–النسوي وعلاقة الذات بالعالم
القصيدة لا تطلب الخلاص، بل الاعتراف:
«لا نبحث عن خلاص
نبحث فقط عن مرايا»
المرآة رمز للهوية والاعتراف بالذات كما هي، لا كما يُراد لها. نفسياً، تمثّل محاولة لترميم الذات بعد التشظي، ونسوياً هي مطالبة بالاعتراف لا بالشفقة.
العالم في النص كيان مشكّك:
«فقط لأن العالم لا يصدقنا»
وفي مقابل هذا الإنكار، تتخذ الذات من الكتابة فعل مقاومة، ومن الجرح مادة للمعنى.
سابعاً: كما تم إجراء نماذج إعرابية تطبيقية من النص تبين قوة السبك اللغوي.
خاتمة:
تقدّم قصيدة «نحن الذاكرة» نصاً شعرياً متماسكاً، يقوم على فصاحة اللفظ، ووجاهة التعبير، وانسجام الشكل مع المضمون. استطاعت الشاعرة ثورية الكور أن تحوّل الألم النسوي من تجربة هامشية إلى خطاب جمالي معرفي، يوازن بين الإيقاع والدلالة، ويجعل من اللغة فضاءً للاعتراف والمقاومة.
النتائج
تحقق القصيدة توازناً دقيقاً بين اللفظ والمعنى دون افتعال بلاغي.
الإيقاع الداخلي قائم على الجرس والتكرار والصمت الدلالي.
الصورة الشعرية أداة كشف نفسي لا زخرفة لغوية.
البنية الفنية تعتمد المشهد والرمز لا السرد المباشر.
النص يواجه خطاب الإنكار عبر لغة اعترافية جمالية.
***
بقلم: عماد خالد رحمة – برلين
.............................
نحن الذاكرة
نحن الذاكرة،
ونحن النساء، أحنّ من الماء حين يشتد العطش
حين بكت الحطابة
بكت الشجرة أيضا
بكينا
لكن الدمع لا يدرج في تقارير الحزن
لا لشيء… فقط لأن العالم لا يصدقنا
أيقظنا الألم في أعماقنا
كي تنهض طفلة من سكون الليل
سقطت منها دميتها ذات مساء، فبكت
مرت الحياة أمامها
كالحطابة
لكن الفأس في الرأس
والشجرة... هي التي تبكي
يقولون ..النساء يبالغن في البكاء !
لكن،
من علمنا أن الانكسار يحتاج صوتا ؟
نحن انكسرنا في صمت
كأكواب سقطت دون ضجيج
ولا يرى شروخها
إلا من غمرها بماء دافئ
لا نبحث عن خلاص،
نبحث فقط عن مرايا
تشبهنا حين ننظر فيها،
بعيون منسية على عتبات الخوف
وقلوب مثقلة بحكايات،
جدّلتها الأمهات في ضفائرنا
قبل أن نخرج للعالم
مسحنا على وجوهنا ذاكرة من التراب،
وحفرنا بأظافرنا موطن الروح،
لنزهر مع كل انكسار،
ونذبل كل مساء،
ونخبئ الدمع في أكياس ضحك
*
في كل حكاية انكسار،
وفي كل خانة تعدّد،
نصير رقما… وغصّة
*
لسنا الخطيئة،
لكنهم جعلونا أرضا توقّع عليها الخسارة
بأصابع من صمت
*
فسلام علينا، نحن النساء،
يوم عشنا الألم وكتبناه على المناديل،
وجعلنا من الرقص على الجراح،
طريقا إلى النجاة
***
ثورية الكور






