قراءات نقدية
عماد خالد رحمة: دراسة نقدية لقصيدة توفيق أحمد بعنوان آخـر.. أولُ الطقـس
تندرج هذه الدراسة ضمن مقاربة نقدية متعددة المناهج لقصيدة «آخـر.. أولُ الطقـس» للشاعر توفيق أحمد، بوصفها نصّاً شعرياً يتجاوز حدود الغنائية التقليدية ليؤسّس فضاءً دلالياً مركّباً، تتشابك فيه اللغة بالوجود، والذات بالطبيعة، والزمن بالتحوّل. فالقصيدة لا تُنتج معناها عبر السرد أو الوصف، بل عبر بناء طقسيّ يتأسس على المفارقة، حيث تغدو النهاية مبدأً، ويغدو البدء أثراً متأخراً لخبرة العبور. ومن هنا، لا ينهض النص بوظيفته الجمالية فحسب، بل يستدعي قراءة تأويلية تتعامل معه كحدث لغوي–وجودي، لا كتمثيل شعري لحالة وجدانية عابرة.
إن اختيار تعددية المناهج في مقاربة هذا النص ليس ترفاً إجرائياً، بل ضرورة تفرضها طبيعة القصيدة ذاتها؛ إذ تتداخل فيها البنى الأسلوبية مع الشبكات الرمزية، وتتقاطع الديناميات النفسية مع الإيحاءات الاجتماعية والفلسفية. فاللغة هنا ليست أداة تعبير، بل مجال توتر دلالي، والإيقاع ليس انتظاماً وزنياً بقدر ما هو نبض داخلي يتولّد من المعنى، أما الصورة الشعرية فتغادر حدود التشبيه لتغدو رؤيا وجودية تكشف هشاشة الكينونة وتوقها إلى الامتلاء.
وعليه، تسعى هذه الدراسة إلى تفكيك القصيدة عبر مناهج متكاملة: أسلوبية ترصد آليات البناء اللغوي والإيقاعي، ورمزية تستجلي شيفرات الطقس بوصفه استعارة كونية، ونفسية تضيء تمزقات الذات العاشقة، واجتماعية–فكرية تلمس أصداء الواقع الجمعي في خطاب الحب، وصولًا إلى أفق فلسفي يضع النص في تماس مع أسئلة الوجود، والعبور، والمعنى. وبهذا، تغدو «آخـر.. أولُ الطقـس» قصيدة تُقرأ لا باعتبارها نصاً منجزاً فحسب، بل بوصفها تجربة مفتوحة على التأويل، وطقساً لغوياً يُعاد فيه التفكير بالحب، والزمن، والإنسان.
أولاً: مدخل عام – القصيدة بوصفها طقسَ عبور:
قصيدة «آخـر.. أولُ الطقـس» للشاعر توفيق أحمد لا تُقرأ بوصفها نصًّا غنائيًّاً تقليديّاً، بل بوصفها طقسَ تحوّلٍ وجوديّ، تُعاد فيه كتابة العلاقة بين الزمن والذات، وبين العاطفة والطبيعة، وبين اللغة وما قبل اللغة. إنّ العنوان نفسه يعلن منذ البدء عن مفارقة تأسيسية: النهاية بوصفها بداية، والختام باعتباره شرط الانبثاق.
نحن إزاء نصٍّ يقوم على التدوير الوجودي لا على الخطّية الزمنية؛ فالقصيدة لا تبدأ من نقطة، بل من دوّامة: إعصار، برق، رعد، هطول، غيم، بحر… وهي عناصر لا تصف الطقس بقدر ما تصف الداخل الإنساني حين يفيض عن احتماله.
ثانياً: المنهج الأسلوبي – اللغة، الإيقاع، الصورة، والبنيان
1. اللغة: بين الكثافة والانسياب
لغة القصيدة مجازية عالية الكثافة، لكنها لا تقع في التزويق اللفظي. الشاعر يعتمد على لغة مشحونة بالدلالة، حيث الكلمة لا تُستعمل بوظيفتها الإخبارية، بل بوظيفتها الإيحائية والانفعالية.
«كان شكلُ الوقتِ إعصاراً
وبرقاً غامضاً
وجنونُ رعدِ الليلِ
يركضُ في ذهول»
نلاحظ:
تشخيص الزمن (الوقت إعصار)
تفجير المفهوم المجرّد عبر الصورة الحسية
انزياح دلالي يجعل الزمن حالة عصبية/هستيرية، لا إطاراً محايداً.
من حيث النحو والصرف:
الجمل الفعلية تُهيمن، ما يمنح النص ديناميكية وحركية.
الحذف النحوي (خصوصاً حذف الروابط التفسيرية) يُكسب اللغة توتّراً شعرياً.
كثرة الجمل الاسمية حين يتعلّق الأمر بالذات العاشقة، ما يوحي بالثبات مقابل اضطراب العالم.
2. الإيقاع: موسيقى داخلية لا عروضية.
القصيدة تنتمي بوضوح إلى قصيدة التفعيلة، لكنها لا تُراهن على انتظام صارم، بل على الإيقاع الداخلي:
التكرار: «من آخر الطقس ابتدأنا / من أول الطقس ابتدأنا»
التوازي التركيبي
المدّ الصوتي في الكلمات (الهطول – اللاوصول – المستحيل – الطويل)
هذا ما يمكن تسميته بالإيقاع الذي يتخلّق من المعنى لا من الوزن.
3. الصورة الفنية: من الوصف إلى الرؤيا:
الصورة هنا رؤيوية لا وصفية. إنها صورة تفكّر:
«وأنا المعلّقُ بين غيمِ الممكنِ الغافي
ورملِ المستحيل»
نحن أمام:
ثنائية الممكن/المستحيل
الغيم (الاحتمال) مقابل الرمل (اليقين القاسي)
صورة وجودية تلخّص مأزق الإنسان المعاصر
ثالثاً: المنهج الرمزي – الطقس بوصفه شيفرة
الطقس في القصيدة ليس حالة طبيعية، بل رمز شامل:
١- الرمز
٢- دلالته
٣- الإعصار
٤- اضطراب الوعي
٥- الهطول
٦- الخلاص / التطهير
٧- الغيم
٨- الحلم، الإمكان
٩- البحر
١٠- الذوبان، الفناء
١١- الصحراء
١٢- العطش الوجودي
١٣- المرأة
٢٤- المعنى / المطلق / الحياة
المرأة هنا ليست فرداً، بل كائن رمزي قريب مما يككن تسميته بـ الأنيمـا، أي صورة الحياة المكتملة داخل الوعي الذكوري.
رابعاً: المنهج النفسي – الذات المعلَّقة
القصيدة تُظهر ذاتاً:
ممزقة بين الرغبة والخوف
بين التوق إلى الامتلاء والوعي باستحالته
«اقتليني بالهوى
فأحبُّ عند العاشق الولهان
أن يبقى قتيل»
هذا المقطع يكشف:
نزعة مازوشية وجدانية
عشق يتغذّى من الفقد
ما يسميه علماء النفس بتلازم الإيروس والتاناتوس (الحب والموت)
العاشق لا يريد الامتلاك، بل الذوبان.
خامساً: المنهج الاجتماعي/الفكري – الطقس والواقع العربي
رغم الطابع الغنائي، يمكن قراءة القصيدة ضمن سياق جمعي:
١- الصحراء = العطش الحضاري
٢- الهطول = الأمل المؤجّل
٣- الرحلة = التيه القومي
«عليكَ توكَّلَتْ صحراؤنا
في رحلةِ الظمأ الجميل»
هنا يتحوّل الحب إلى مشروع خلاص، والذات الفردية إلى مرآة لوعي جمعي ينتظر المطر/النهضة.
سادساً: المنهج الفلسفي – أسئلة الوجود والامتلاء:
القصيدة تطرح أسئلة كبرى:
هل البداية ممكنة دون نهاية؟
هل الخلاص يتحقق بالوصول أم بالرغبة؟
هل الحب خلاص أم شكل آخر من الفناء؟
العبارة المفتاحية:
«رحيلٌ نحو نبعكِ
ليس يدركه الرحيل»
هذه جملة وجودية بامتياز، تلتقي مع فكرة الكينونة بوصفها سؤالًا لا جواباً، والعشق كقفزة في المجهول.
خاتمة: القصيدة كطقس كوني
«آخـر.. أولُ الطقـس» ليست قصيدة حب فحسب، بل نصّ عبورٍ أنطولوجي، حيث:
١- اللغة طقس
٢- الحب سؤال
٣- المرأة معنى
٤- الطقس مرآة للروح
إنها قصيدة تُقرأ لا لتُفهم فقط، بل لتُعاش.
بقلم: عماد خالد رحمة - برلين
................................
آخـر.. أولُ الطقـس
شعر: توفيق أحمد
من آخر الطقسِ ابتدأنا
كان شكلُ الوقتِ إعصاراً
وبرقاً غامضاً
وجنونُ رعدِ الليلِ
يركضُ في ذهولْ
*
من أول الطقس ابتدأنا
ربما لنحدِّدَ اللغةَ الجديدةَ للفصولْ.
*
ولكوخنا الخزفيِّ نستدعي العواصفَ
إنها اللحظاتُ تسرقُنا لتجمعَنا
متى تأتي أيا زمنَ الهطولْ.
*
من مغرب الجبلِ الجميلِ
ومن رذاذِ البحرِ
رحلتُنا وصولٌ ضائعٌ في اللاّوصولْ.
*
ماذا أقولْ
عيناكِ أشواقُ النخيل إلى النخيلْ
وأنا المعلّقُ بين غيمِ الممكنِ الغافي
ورملِ المستحيلْ.
*
كلُّ السحاب مَلَلْتُهُ
إلا سحاباً منك
يختصر الحقولْ
هو أَيُّنا جسدٌ
فراشاتٌ تدبُّ على سنا المصباحِ
أغراها الفتيلْ.
من آخر الطقس ابتدأنا
أيها الغيمُ المسافرُ في تجاعيد الغيابِ أضِئْ
عليكَ توكَّلَتْ صحراؤنا
في رحلةِ الظمأ الجميلْ.
هي خطوتي الأولى
رحيلٌ نحو نبعكِ
ليس يدركه الرحيلْ
ولأنَّكِ الوهَجُ المسافرُ في نسيجي/ رغمَ أسئلةِ
المسافاتِ
اقْتليني بالهوى
فأحَبُّ عند العاشقِ الولهانِ
أَنْ يبقى قتيلْ.
كوني شتاءً في دمي
كي أنحني شجراً أمام بهائكِ الأزليِّ
في الزمنِ البخيلْ.
أوَّاهُ يا امرأةَ النبيذِ
أنا انتظارُ هطولكِ الناريِّ
يُشعلُ في جليدي النارَ
والوجعَ النبيلْ
أنا بانتظارِ البحرِ في عينيكِ
يأخذني إلى الغرقِ الطويلْ







