قراءات نقدية

عماد خالد رحمة: الناقدُ بينَ حكمةِ الفيلسوفِ وعدالةِ القاضي

في شروطِ الأهليةِ وآفاتِ الممارسةِ النقديّة

ليس النقدُ الأدبيُّ ترفاً ثقافيّاً، ولا ملحقاً هامشيّاً بالإبداع؛ بل هو عقلُ الحركةِ الأدبيّةِ وبوصلتُها، وميزانُها الذي تُوزَنُ به القيمُ، وتُمحَّصُ به الاتجاهات، ويُهذَّبُ به الذوقُ العام. وإذا كان الأديبُ يُنشئُ العالَمَ بالكلمة، فإنّ الناقدَ يُعيدُ بناءَهُ بالوعي، ويكشفُ نظامَهُ الخفيَّ، ويضعُهُ في سياقِه التاريخيِّ والاجتماعيِّ والإنسانيّ. ومن ثمّ كانت مؤهّلاتُ الناقدِ ليست أمراً عارضاً، بل شرطاً بنيويّاً في سلامةِ الحياةِ الفكريّةِ ورقيِّها.

أولًا: سعةُ العُدّةِ المعرفيّة

لا يستقيمُ نقدٌ بغيرِ رسوخٍ في أصولِه؛ فالناقدُ مطالبٌ بأن يُحكِمَ أدواتِ النقدِ ومناهجَه، قديمِها وحديثِها، وأن يُحيطَ بمصطلحاتِها إحاطةَ فهمٍ لا حفظٍ، وتمييزٍ لا ترديد. فالنقدُ علمٌ له أصولٌ، كما هو فنٌّ له ذوقٌ.

وإلى جانبِ ذلك، يحتاجُ الناقدُ إلى علومٍ مُسانِدةٍ تُغني نظرَهُ وتُعمّقُ قراءتَه:

علمُ النفس، ليدركَ البواعثَ الخفيّةَ، ويُحلّلَ البنيةَ الشعوريّةَ للنصّ، ويُميّزَ بين العفويّ والمصنوع.

علمُ الاجتماع، ليضعَ العملَ الأدبيَّ في سياقِه الطبقيِّ والثقافيِّ، ويقرأَ أثرَ البيئةِ والتاريخِ في تشكيلِه.

التاريخُ والفلسفةُ، ليُدركَ تحوّلاتِ الفكرِ، وتبدّلَ القيمِ، وتطوّرَ الرؤى.

فالنصُّ الأدبيُّ ليس كياناً معلّقاً في الفراغ؛ إنّه نتاجُ ذاتٍ وزمنٍ ومجتمع، ولا يُفهمُ حقَّ الفهمِ إلا بقراءةِ هذه الأبعادِ مجتمعةً.

ثانياً: الثقافةُ العامّةُ والانفتاحُ على العالميّ

الناقدُ الذي ينغلقُ في حدودِ بيئتِه الضيّقةِ يُعرّضُ أحكامَهُ للقصورِ والاضطراب. ومن ثمّ كان لزاماً عليه أن يكونَ واسعَ الثقافة، مطّلعاً على الآدابِ العالميّةِ، دارساً لاتجاهاتِها ومذاهبِها، عارفاً بتحوّلاتِها الكبرى. فالمقارنةُ تُنمّي الحسَّ النقديّ، وتكشفُ الخصوصيّةَ في ضوءِ الكونيّ، وتُحرّرُ الذوقَ من أسرِ المحليّةِ الضيّقة.

غير أنّ الاطّلاعَ لا يعني الذوبان، كما أنّ الانفتاحَ لا يقتضي التبعيّة؛ بل المطلوبُ وعيٌ نقديٌّ يُحسنُ الإفادةَ من التجاربِ الإنسانيّةِ، مع الحفاظِ على الهويّةِ الثقافيّةِ وخصوصيّتِها.

ثالثاً: الخُلُقُ الخاصُّ شرطُ الأهلية

إذا كانت المعرفةُ تُؤهِّلُ الناقدَ علميّاً، فإنّ الخُلُقَ يُؤهِّلُهُ إنسانيّاً. فالنقدُ سلطةٌ معنويّةٌ، ومن أُوتيَ سلطةً بغيرِ ضابطٍ أخلاقيٍّ أفسدَ أكثرَ ممّا أصلح.

ينبغي للناقدِ أن يتحلّى بخصالٍ مخصوصة:

الإنصاف، فلا يُغالي في المدحِ ولا يُسرفُ في الذمّ.

الشجاعةُ الأدبيّة، فيقولُ ما يراهُ حقّاً دون خوفٍ أو مجاملة.

التواضعُ العلميّ، فيُدركُ نسبيّةَ أحكامِه، ويقبلُ الحوارَ والمراجعة.

إنّ النقدَ ليس تصفيةَ حسابات، ولا استعراضَ عضلاتٍ ثقافيّة؛ بل هو أمانةٌ فكريّةٌ ومسؤوليّةٌ حضاريّة.

رابعاً: الناقدُ بينَ الفيلسوفِ والقاضي

قيل: ينبغي للناقدِ أن يجمعَ بين صفاتِ الفيلسوفِ والقاضي. وهذا قولٌ دقيق. فهو فيلسوفٌ من حيثُ سعيُهُ إلى الكشفِ عن الرؤيةِ الكامنةِ في النصّ، وتحليلِ مفاهيمِه، وربطِ جزئيّاتهِ بكليّاتهِ، وتأمّلِ دلالاتِه العميقة.

وهو قاضٍ من حيثُ إصدارُهُ الحكمَ بعد تمحيصٍ وتثبّتٍ، واستنادُهُ إلى معاييرَ واضحةٍ، وحرصُهُ على العدلِ بين النصوصِ وأصحابِها.

غير أنّه ليس قاضياً متسلّطاً، بل قاضٍ يبتغي الإصلاحَ، ويهدفُ إلى تقويمِ التجربةِ الإبداعيّةِ لا إعدامِها؛ ولا فيلسوفاً حالِماً بمعزلٍ عن الواقع، بل مفكّراً مشتبكاً مع قضايا عصرِه.

خامساً: المشاركةُ النقديّةُ وتعدّدُ المناهج

الحركةُ الأدبيّةُ الصحيّةُ لا تقومُ على صوتٍ نقديٍّ واحد، بل على حوارٍ بينَ مناهجَ واتجاهات. فمن الطبيعيِّ أن يختلفَ النقّادُ في مذاهبِهم: بنيويٌّ، أو تأويليٌّ، أو اجتماعيٌّ، أو نفسيٌّ… غير أنّ الاختلافَ ينبغي أن يكونَ ثراءً لا شقاقاً.

والمطلوبُ أن تتضافرَ الجهودُ في دراسةِ الأعمالِ الأدبيّةِ دراسةً جادّةً معمّقةً، تُبرزُ جوانبَ القوّةِ والقصورِ، وتدفعُ بالأدبِ في طريقِ التقدّمِ والنهضة. فالنقدُ حين يتكاثرُ ويتنوّعُ، تتجلّى للنصوصِ أبعادُها المتعدّدةُ، ويغتني المشهدُ الثقافيّ بالحوارِ والتفاعل.

سادساً: تقصيرُ الممارسةِ وآفاتُها

غير أنّ الواقعَ كثيراً ما يشهدُ تقصيراً في أداءِ هذه الرسالة. فكثيرٌ من النقّادِ لا يواكبونَ الإنتاجَ الأدبيَّ مواكبةً جادّةً مستمرّةً، فيفوتُهم توجيهُ الطاقاتِ الجديدةِ، وتثبيتُ المعاييرِ الرصينة.

وأخطرُ من التقصيرِ آفاتٌ تُفسدُ العمليةَ النقديّةَ من داخلِها، منها:

المجاملاتُ الشخصيّة، حيثُ يُقدَّمُ الضعيفُ لقرابةٍ أو صداقةٍ، ويُحجَبُ القويُّ لغيابِ العلاقات.

العداواتُ والتحاملُ، فيتحوّلُ النقدُ إلى أداةِ انتقامٍ لا وسيلةِ تقويم.

الرغبةُ في الانتفاعِ المادّيّ أو المعنويّ، فيُسخَّرُ الحكمُ لخدمةِ مصلحةٍ خاصّةٍ.

وهذه الآفاتُ لا تُفسدُ نصّاً بعينهِ فحسب، بل تُدمّرُ الثقةَ في المؤسّسةِ النقديّةِ كلّها، وتُربِكُ معاييرَ الذوقِ العامّ، وتُشيعُ الفوضى في الحياةِ الفكريّة. فإذا اختلَّ الميزانُ، تساوى الجيّدُ والرديءُ، وضاعتِ القيمُ في ضجيجِ الدعايات.

خاتمة:

إنّ الناقدَ الحقَّ ليس قارئاً عابراً، ولا معلّقاً صحفيّاً، بل هو عقلٌ مُدرَّبٌ، وضميرٌ يقِظٌ، وثقافةٌ واسعةٌ، وخُلُقٌ راسخ. يجمعُ بين عمقِ الفيلسوفِ وعدلِ القاضي، ويؤدّي رسالتَهُ بنزاهةٍ تُفيدُ الأديبَ، وتُنمّي الذائقةَ العامّةَ، وتُسهمُ في نهضةِ الفكرِ.

فإذا صلحَ النقدُ، صلحَ الأدبُ؛ وإذا استقامَ الميزانُ، استقامَ الحكمُ؛ وإذا تجرّدَ الناقدُ من الهوى، أزهرتِ الحركةُ الثقافيّةُ وعداً ونوراً.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

في المثقف اليوم