قراءات نقدية

صالح الرزوق: أدب المدينة الجامعية.. قراءة في قصص سعاد الراعي

صدرت في دريسدن مجموعة قصص لسعاد الراعي بعنوان "من مذكرات أستاذة"، ومنذ البداية نلاحظ أن الأستاذة هي الكاتبة نفسها، ولذلك غلب على القصص جو الطليعة والنخبة وفي أسوأ الأحوال بيئة المتعلمين. فالأحداث كانت تدور في المدينة الجامعية - من قاعات التدريس إلى بيوت المحاضرين. ومع ذلك لم نسمع أي صوت مرتفع و ولا نبرة وعظ أو تبشير كما اعتدنا سابقا في الأدب الملتزم. وكما ذكر الدكتور عادل الحنظل في مقدمته الجميلة "غلفت القصص لمسات شعرية نقلت بصدق وبخبرة واضحة معاناة المرأة ووجدان المجتمع. وكل ذلك بما يلزم من الامتلاء النفسي والجرأة في طرح المشاكل" ص 3-4.

 ولأن الشخصيات مثقفة لم يرد على ألسنتها عبارات بالعامية، ولجأت لما سماه الدكتور الحنظل النثر المتأنق ص 4. وأضيف أنها راوحت بين بلاغة التألق الكلاسيكي والتأنق الرومنسي بتعبير الدكتور حسام الخطيب في معرض كلامه عن آخر أعمال شكيب الجابري. ومهما يكن الأمر دارت الأحداث إما في المهجر أو المدينة. ولم تصور لا الريف و لا الحقل. وهذا ديدن كاتب شبابي آخر هو إحسان عبدالقدوس. وقد كان رمزا من رموز الحرب الباردة على سياسة عبد الناصر. وإذا كان عبد القدوس مع ثورة وتمرد الشباب حتى لو وقعوا في وحل الخطيئة، فضلت الراعي أن ترافق صغار السن وأن تهتم بتنظيف أفكارهم، ولجأت في هذا السياق إلى لغة الحوار والإقناع، وليس للتوبيخ ولا التهديد. وكذلك لم تحض على الثورة، ولا استفزاز المجتمع النائم، وواجهت المشاكل الطارئة بابتسامة خفيفة وبدون سخرية أو مرارة (كما ورد في "قصة إن شاء الله يا أستاذة" ص8. أو بدفء القلب وندبة الحنان - قصة "ذاكرة في ظلال الغياب" ص18.

وهذا ما يؤهل القصص لتكون في دائرة الأعمال الإصلاحية والهادئة مثل مشروع السورية وداد سكاكيني والمصرية أمينة السعيد.

وتبقى لي عدة ملاحظات.

الأولى أن تمرد النساء في أدب الراعي لا يؤمن بحرق المراحل، ولكن بالتدريج والإصرار. وهو مختلف تماما عن أسلوب الستينات والذي اعتمد على سياسة الأظافر الطويلة (غادة السمان وليلى البعلبكي)، وبنفس الوقت اختلف جدا عن أسلوب هذه الألفية والذي يضرب رأسه بجدار واقع راكد ونصف ميت. وبمقدار ما يصدق ذلك على الأدب العربي (من حنان الشيخ وحتى علوية صبح، وبدرجة أقل من ذكرى لعيبي وحتى أمان السيد) يصدق أيضا على أدب شرق أوروبا (من كريستا فولف وحتى أولغا توكارشوك وجيني إيربينبيك). فالانقلاب السياسي في شرق أوروبا لم يهدم المعبد، ولكنه ساعدنا على رؤية الخراب. وما كانت تتستر عليه سياسة البروباغاندا والتزوير والنفاق كان في الحقيقة أمرا واقعا على مستوى البنية التحتية ومرادفاتها - من اقتصاد فاسد ووجدان مسلوب الإرادة (وأحسن صنع الله إبراهيم بالكشف عن هذه الأزمة في ثنائيته "برلين 69" و"الجليد"). بتعبير موجز اختصرت السيدة الراعي الطريق على نفسها، ولم توسع مسرح الأحداث، واكتفت بعلاقات بين اثنين لكل منهما صوته. فأول قصة تدور بين أكاديمية وأحد طلابها. وثاني قصة بين الراوية وماريا زوجة الأستاذ الراحل وهكذا. ولم تدعم رؤيتها للتجديد والإصلاح ببهلوانيات الحداثة أو الصوت الساخط والغاضب، واختارت سياسة الهمس والملاحظة والمشاهدة.

النقطة الثانية أنها لم تتردد ولم تتبع أسلوب النهايات المفتوحة للإعراب عن التردد أو الحيرة. وهذا دأب غادة السمان. ونلاحظ ذلك من عناوينها مثل "ليل الغرباء" و"لا بحر في بيروت". فهي كاتبة نفي للنفي، بمعنى أنها كانت مؤهلة لمنطق جهادي وانتحاري لا يهادن ولا يبني أيضا. كالبلدوزر يجرف كل شيء أمامه و يخلف في كل مكان الحطام والحرائق. لكن الراعي الراعي بالعكس تماما. فهي تحرص على حضانة مشاعرها الحزينة وعلى تأدية دورها الأساسي في التربية والتطوير.

آخر نقطة. أنها وضعت العالم والواقع في صف المرأة. وكأنها تريد إحياء شبكة العلاقات بين الإنسان والطبيعة. ومجرد التماهي بين الطرفين يجعل كل الأجواء رحمانية - بالتعبير الذي وضع أسسه إيمانويل سفيدونبرغ 1688- 1772 لا هي مذكر ولا مؤنث، ولكنه وجدان بشري وحامل. أو وجدان أمومي يرعى عدة احتمالات. وهذه خطوة متواضعة على أول طريق أنسنة العلاقات خارج التصنيفات البائدة.

***

د. صالح الرزوق

في المثقف اليوم