قراءات نقدية

جاسم الفارس: رؤى فلسفية في آفاق الروح.. قراءة في ديوان الشاعر محمد الحسو

عتبة الديوان في آفاق الروح. للشاعر العراقي محمد عبد الله الحسو هي البوابة التي تفتح على عوالم الديوان ومكابداته العميقة.

 آفاق محمد الحسو أشعة جمالية تحمل معان ودلالات عدة... الاتساع الجمالي ورحابة الحب. إذ تؤكد اضمامة من القصائد على سعة الروح وآفاقها الواسعة التي تتجاوز الماديات والمعاني المباشرة نحو عوالم فكرية وروحانية سامية. آفاق الروح رحلة داخلية. في ذات الشاعر المسكونة بالحب والتأمل العقلاني للكون ودلالاته الإيمائية والجمالية.

آفاق روح محمد الحسو طيران بأجنحة الروح في فضاء الجمال والحلم، متجاوزة مرارة الواقع. وأوجاعه بغية الوصول إلى الأمل المنشود، والوصول إلى المعنى الجمالي للحياة، بكل تجليات الجمال العقلية والروحية.

وتعني آفاق الروح أن الجسد ليس هو العامل الحاسم في الحياة. إنما الروح وفاعليتها في إدراك العالم وجمال الحياة، الأمر الذي يثير تساؤلات مهمة عن الوجود وماهيته، والمعنى وعمقه، والهدف وفاعليته. والموت ومرارته.

وفي أفق الروح صورة شعرية ثرية بالدلالات التي تتمحور حول الأمل والحرية والإبداع. ويتدفق الأمل، ونور الحرية والحب ونتحرر من قيد الزمن، و ننغمر في أعماق الذات بحثا عن معنى الجمال، وهي مهمة الشعر الجمالية.

 في آفاق الروح، يتوحد الحب بالحقيقة. ويتوحد الحلم بالحقيقة. وتشف الروح لتصبح مرآة الحق والحقيقة، ووطناً للحرية.2523 alhasow

في آفاق الروح، عمق فلسفي جدير بالمتابعة والتحليل، فالفلسفة وعمقها الروحي صنوان لا يفترقان، وقد استوعبت لغة الشاعر الأبعاد الفلسفية التي لامست الروح والعقل. من خلال دقة التركيز على المفاهيم الفلسفية، بغية الكشف عن معاني الكون والحياة والأخلاق، عبر لغة الشعر التي تحسن صياغة جمال العالم.

لقد عبر الشاعر الحسو عن كثير من المفاهيم الفلسفية الكبرى. مثل الموت والحياة والحرية والقدر، من خلال الرمز والاستعارة، والإيحاء لإعطاء تلك المفاهيم روحا شعرية. وعمقا تأويليا يفتح رحاب التأمل والتفسير من خلال الصورة الشعرية.

ومن ملامح شعر الحسو الفلسفية تأكيده على الروح الإنسانية، والبحث عن المعاني الخلاقة للكون والحياة والإنسان والحب.

وبالرغم من سوداوية الموت. إلا أن الشاعر الحسو واجه الموت بالشعر، ليخفف أحزانه التي أثارها موت الزوجة والولد.

والحب عنده غاية وجودية خلاقة، لا تعرف السطحية والإسفاف والحسية البذيئة، فكانت تشبيهاته وصوره الجمالية قد استوعبت الظواهر، الوجود المادي والإنساني. ورسمتها بريشة الشعر الخلاق التي تعين على الانسجام مع الطبيعة، وبناء علاقات إنسانية نبيلة. فالجمال والحقيقة صنوان لا يفترقان في ديوان (في أفق الروح).

يمتلك الشاعر محمد الحسو و. قدرة تعبيرية في صياغة الرؤى هو موضوعاته الشعرية. وكذلك قدرة على توصيل. المعطى الشعري بدقة وجمالية، وفي الحالتين فإن قصائده امتلكت إيقاع شعريا يلامس القلوب.

حين تسكن الفلسفة حضن القصيدة، تلين كطفل في حضن أمه، ذلك أن الشعر هو أكثر الأبواب التي. تحبب الناس في الدخول إلى الفلسفة، كما أن الشعر والفلسفة صديقان حميمان للحرية والجمال، كلاهما يرتقيان باللغة إلى قمم الجمال.

أسئلة الفلسفة في ميدان الشعر هي بحث عن جماليات الوجود، وأسئلة الشعر الفلسفية، هي إعادة خلق للغة في بناء العالم. الفلسفة في حضرة الشعر تعيد صياغة الموت ليس بوصفه قوة عدم للإنسان، وإنما بوصفه جسر التحول إلى عالم جميل آخر. الموت في حضرة الفلسفة والشعر هو حركة الذات الإنسانية نحو الخلود، رحلة انتظار ذات أخرى في ملكوت الخلود.

والشعر عند محمد الحسو تجسيد لحالات وجودية تشغل في الفلسفة حيزاً مهما، إذ أن غاية الشعر هي العالم الذي يرسم لنا خرائط الفلسفة، وخرائط الفلسفة هي التي تنظم حركة القصيدة يريك الشعر في روضة الفلسفة الكون نهراً يجري بلا توقف، ترف على شواطئه أجنحة الموت والحب، الحلم والحقيقة.

وحدة الشعر والفلسفة خطوة جمالية على طريق (الكونية)، لأن الشعر والفلسفة ينشغلان بما هو مشترك في الكون والإنسان، كلاهما يوفران حرية التأويل، فيسرح العقل والخيال في فضائل كون يقتنص المعاني الخالدة.

يلتقي الشاعر والفيلسوف في العشق، هذا في عشق الشعر، وذلك في عشق الفلسفة، ومن هذا العشق يضيء العالم بالجمال، وفي الحالتين تتطور سيرورة الوعي.

 الشعر والفلسفة أدوية الحضارة، الشعر. يعالج الخيال من الجفاف والفلسفة تعالج الوعي من الجمود.

أول خطوة في درب الرؤى الفلسفية يفتتح بها الديوان. قصيدة حديثة هي أضواء العبقرية. التي يريدها أن تضيء قلبه وروحه، ويأنس بقوتها، فهو يطرب على أنغامها العذبة، ووهجها الملتهب 

يا اضواء العبقرية.

أشرقي على روحي/ وأطرحي أنداءك العلوية على قلبي/ ولا تخافي عليه حرارة النور/فهو يعشق الوهج الملتهب/ يا أنغام العبقرية/رددي أنغامك العذبة في أذني/فلا أطرب إلا لكِ. ولا أهتز شوقا إلا إليك.

 ألقي في إذني أنغام الصخب واللجب الرهيب /لتزداد ثورتي اشتعالا، وتتقد نفسي التهابا / وترتفع روحي تسامياً/ لا أريد ألحان الرقة والابتسامة والرضا المثبط البارد/ بل ألحان اللهب التي تصفي نفسي من أوضار الراحة والقناعة / يا راية العبقرية رفرفي فوق روحي / واخفقي أمام عيني ؟

قصيدة الشمس عميقة عمق الشمس وأهميتها، فهي عنده رمز التغيير والصيرورة والبقاء وسر الوجود الغامض. لقد ألبس الشمس ثوب الفلسفة مطرزا بجمال الشعر ولغته الخلاقة:  

 أنت أيتها الشمس/رمز التغيير، والصيرورة والبقاء/أنت كحياة الإنسان في البزوغ والإشراق

والاستواء والجنوح والغروب/كحضارات الإنسان في الولادة والنماء/والنضوج ثم الانحدار فالاندثار/ كأنك يا ساعة الوجود الكبرى، رمز لكل شيء موجود ...

وفي قصيدته من وحي صفي الدين الحلي. جاء الربيع يتحدى الألم والشقاء:

فاصبر هديت لغمة، أو كربة  

  وتحمل الآلام كالشجعان.

هذي هي الأيام في دورانها     

     عجن الشقاء بطينة الإنسان.

أشهد بروحك سوسنا متفتحا 

   وأطبعه في الأعماق في الوجدان.

وانظر هنالك قرنفلًا في قربه  

  همست عليه شقائق النعمان

**

شوقا الى نور الوجود تطلعاً   

  وتلهفا لمشارق الاكوان

نور وشوق ههنا وتمازج 

    في ضوء بارقة وصمت لسان

فالروح تصعد للعلاء بأفقها 

    والصمت نطق والبعاد تداني

وتظل الطبيعة إحدى القوى الفاعلة في شعر الحسو، فيرسم علاقة وجودية بين الطبيعة والشاعر، في قصيدته الطبيعة والشاعر: 

في كل غصن منبع متفجر

 من كل معنى رائع الإيقاع

وبكل نغمة بلبل مترنم 

 لحن يذوب بهالة الإشعاع

رمت الطبيعة شرها وتبرجت

 مفتوحة الأكمام دون قناع

**

فأجاب شاعرنا الطبيعة قائلا

 أنت العزاء لشاعر فنان.

ولأنت بلسم روحه مكلومة

 ولأنت وحي الحق والإيمان.

في ضوء شمسك نشوة قدسية

  سكب الجمال بفيضها الفتان.

ويؤكد حضور الطبيعة، بوصفها قوة فاعلة في شعره. في قصيدته شعري:

شعري من الغابات، نشوة سحره 

 وروائح القداح والأزهار.

ومن الخمائل  أيكها متكاثف 

 خضراء، تندى بالنمير الجاري.

شعري يصاغ من الأصيل وذوبه

  ومن المساء ونفحة الأسحار.

ومن الزنابق والبراعم والغصون

 المائسات وأخضر الأشجار.

   وللفلسفة الصوفية حضورها الخلاق في شعره، من خلال استحضار رموزها الكبرى، كما جسد ذلك في قصيدته من وحي حافظ الشيرازي.

يا حافظ الأسرار هبني نفحة

           من نار شوق أفعمت بالنور.

خذني إلى رحب الخلود وقدسه

 واكشف لي الأسرار من مستور

واملأ فؤادي عامرا من منبع       

      ما جت به الأحلام طي عبير.

لطفا (لسان الغيب) ذابت مهجتي

    بحنين شوق العالم المسحور.

الى ان يقول

وإذا الفؤاد تلامست أعماقه   

       بجلال قدس العالم المسحور

فتحت له سبل الخلود بأسرها، 

  وسمت به الأرواح عبر أثير

  ويتناول الكآبة، وما تحدثه من ألم في قصيدته رفيقة العمر ليعبر عن طبيعة العلاقة بين الكآبة والشاعر في لحظة حياتية قاسية، أبت إلا أن تشرق بقصيدة تعبر عن العلاقة بين الكآبة والألم، وحياة الشاعر:

وقالوا الكآبة أقبلت في موكب

 فأجبتهم يا مرحبا بصديقتي.

رافقتها زمن الطفولة والصبا

 في دروب العمر تصحب رحلتي.

فإذا نأت ساءلت عن أخبارها،

وإذا دنت تمّت هنالك فرحتي.

وكآبة قد أزمنت وتوطنت

  وتمازجت وتناغمت في مهجتي،

فإذا أتى بعض السرور بقربها،

غضبت عليه وأعرضت وتولت،

في قصيدته صحبة الصالحين القدماء، يعبر عن قيمة أخلاقية كبيرة، ويبين أهمية مصاحبة الصالحين وأي الصالحين، هؤلاء الذين كانوا رفاق الشاعر ومصادره الشعرية. يرتوي من صافي عطائهم. إنهم فريد العطار، وجلال الدين الرومي، وعبد القادر الجيلاني، والجنيد. لتنبثق من صحبة هؤلاء رؤيته للعشق في قصيدته أسرار العشق. ليصوغ أسراره بلغة شعرية شفيفة، وصور شعرية ترسم للعشق عالما خلاقا:

العشق يقضي أن نظن بسرنا 

 لا خير في عشق بلا كتمان

عشق الحبيب شرارة بقلوبنا

  لا خير في عشق بلا نيران

العشق يحرق أكبداً بلهيبه

  وشفاؤه عند اللقاء الداني....

شغلت الفلسفة الصوفية حيزا مهماً في الديوان، فبعد العشق ومكابداته تأتي قصيدة دليل الطريق ليبين لنا مسلك الوصول. لسان الغيب حافظ الشيرازي. الذي يظل حاضرا في الديوان، يرسم ملامح فلسفة الشاعر الصوفية، إذ يتأكد الأمر في قصيدة يا نبع عين اللطف:

رحماك قد صدئ الفؤاد بوحشة

  و تناوشته من الحياة أفاعي.

يا نبع عين اللطف لطفك ضامن

 إنقاذ قلب اللهف الملتاع.

يا نبع عين اللطف، إن بليتي

 هذي الشباك تعلقت بشراع.

البحر مضطرب العباب، وموجه

 متقاذفٌ والريح في إسراع.

رباه، نشكو الهموم كثيرة

 من حول قلب صارخ الأوجاع.

يا حافظ السر البعيد بشعره،

 ألهم فؤادي لمحة الإبداع.

هب لي من الشعر الجميل منابعا

  حتى تضيء بواطني بشعاع

 وكذلك في قصيدته من وحي حافظ الشيرازي صدى الناي البعيد

 قلبي الذي ملأ الأسى أعماقه

   ورست سفينته على الأحزان.

اسمع صدى الناي البعيد لشاعر

 فالأفق ماج بأعذب الألحان.

يا أيها القلب الذي ماج الأسى

 في طيّه كتماوج الشطآن.

إن كنت تهفو للخلاص من الأسى

   فأضئ فديتك شعلة الإيمان.

ليلقي بعد هذه الرحلة العميقة زورق روحه في بحر التصوف، بغية الحصول على الخلاص:

القيت في بحر التصوف زورقي

   من فوق موج غائر الأعماق.

الشعر فيه شراعه وعماده

    يسري على لجج من الأشواق

بين التصوف والتأمل شاعر

    يحيا على اللمحات في الإشراق.

يا زورقي واصل مسيرة هائم

    فوق العباب الصاخب الخفاق

حتى ترى الأحباب عند جزيرة

 مزدانة بمواكب العشاق.

 لقد أوصلته رحلته الثقافية التي احتل التصوف فيها مساحة كبيرة، إلى الربط بين الشعر والدين في صناعة القيم الإنسانية الخلاقة كما في قصيدته الشعر:

الشعر كالدين يعطي العمر قيمته

  و ينفح القلبَ بالأنغام ألوانا

محرابه قدس من أفق مبدعه

  إن شئته زهرا أو شئت ريحانا.

أو شئته فكرة زهراء حالمة

   أو شئته حلما يروي الذي كانا

. إن كنت تملكه هل أنت تقدره

   إن تعطه شغفا في القلب تحنانا

أم أنت تهجره في بحر عاصفة

   ترمي لنا حمما بالشر.. بركانا

إني لأهجره والقلب محترق  

  والدهر في كرب بالبؤس أضنانا.

وفي ذات الرؤية الصوفية، تبين قصيدته في محراب الطبيعة كيف يربط بين وحي الطبيعة الجمالي وجمال الترتيل في المسجد:

شبح أنا ما بين وحي طبيعة

  وجمال ترتيل الدعاء بمسجد

أسري على خفق المياه بنهرها،

 وأرى بملتف الخمائل معبدي.

شم الأريج عبادة بأصائل

 والشمس تُسكب من دفوق العسجد

و الصامتات الهاجعات نواطق

  هزت شعور الشاعر المتوقد

أنا شاعر في عزلتي مترنم

أحيا على ذوب الجمال السرمدي

**

وحدت حبي للوجود ظواهراً 

  وبواطنًا و السر عند موحد

الغصن رمز للخمائل كلها

  والنهر رمز للمحيط المزبد.

يا سائلا عني على حلك الدنا

 أنا ههنا في الغاب أو في المسجد

تنمو هذه الرؤية الجمالية، ليصل إلى وحدة الحب والوجود؟

أهوى الطبيعة طلقة مخضرة

  وأحبها في كل غصن أجرد

وحدت حبي للوجود ظواهرا 

وبواطناوالسر عند موحد

الغصن رمز للخمائل كلها

 والنهر رمز للمحيط المزبد؟

يا سائلا عني على حلك الدنا

 أنا هنا في الغاب أو في المسجد.

ويظل عشقه للوجود فاعلا شعريا في قصائده كما في قصيدة غنَى:

كشف الحجاب عن الجمال فهالني

   وأذابني وبلمحة أفناني

فوعيت معنىً للوجود مقدساً

 أحيا به عبر الوجود الثاني.

ما كان أفقرني بأول خطوة

 واليوم- هذا اليوم- ما أغناني

وللأخلاق عنده حضور شعري تمثلت في أرقى أشكاله وهو الإحسان:

يا صاحب الإحسان في سبق القضا

   اسكب فيوض إغاثة بفؤادي.

وامنح فؤادي من منابع رحمة

 كالغيث يسكب في التراب الصادي.

واجعل فؤادي صادقا في حبه

   كالأصفياء وصفوة العباد.

رباه يا رباه، إني طارق

    باب الفيوض وسائل ومنادي

مني الدعاء. ومنك رب إجابة

   أنجز لنا يا صادق الميعاد

وتظل ظواهر الطبيعة نبعاً جماليا يعيد صياغته شعرا. وهنا يخاطب صخرة عند شاطئ دجلة في مقابلة جمالية بين رقة الموج وصلابة الصخرة في قصيدة صخرة النهر:

 يا صخرة النهر هل لا مست رقته

   في طلعة البدر، أو في همسة السحر.

قالت لنا دهشا إني رفيقته،

   أحظى بصحبته في رحلة العمر.

هيهات أهجره، هيهات يتركني

   إني لألثمه في الصحو والمطر

 قد قال شاعرنا في لهفة ظهرت،

والقلب ممتلئ بالشوق والفكر.

يا ليتني موجة في نهر دجلتنا،

 أو ليتني صخرة في شاطئ النهر

يا صخرة النهر ضمي حلو موجته،

 يا موجة النهر ضمي ناعم الصخر.

وبرؤية الشاعر النقدية يطل على الماضيات من القرون التي مرت بها الأمة، وهي ساكنة، فيصوغ هذه الرؤية العميقة في قصيدته  14 قرنا تمضي ونحن كما عليه الآن:

إن القرون الهاجعات تساءلت

 وسؤالها قد ماج في الأكوان

إن كان قوم (محمد) بسباتهم،

 فلمن تضيء مشاعل القرآن

أفما كفت تلك القرون جميعها

   لنَفوق أهل الأرض بالعرفان

أيلذنا نوم جميل حالم

   ويروقنا المشي الوئيد ألواني

ونظل نعشق في الخلاف تجادلا 

   متخاصمين على مدى الأزمان.

الى ان يقول

حتى القبور تعجبت من أمرنا

   أفمسنا طيف من الشيطان

وتكاد تبصر في السحاب بوارقاً  

 تسقي الثرى من وبلها الهتان

وتكاد تبصر في الظلام أشعة

    أخذت تنير الدرب للعميان

 ويطل الموت على حياة الشاعر ليفجعه بولده مازن وشريكة حياته أم مازن فيداري حزنه بـ ترنيمة لمازن:

بدم القلوب وحرقة الأكباد

 سأنوح في شعري وفي إنشادي.

سأكسر الأفراح في وادي الأسى،

وألون الأزهار لون سواد

وأصاحب الأحزان وهي عوابس 

   وأظل في ضمأ بثغر صادي.

بمواكب الأحزان يسري موكبي 

   متسارعا ينقض خلف الحادي

والليل معتكر الظلام سحابه

    يحكي حدادا في عناق حداد

أشكو إلى الآفاق من لهب الحشا

   فتجيبني بالصمت كالمعتاد.

فيرتقي بأحزانه من الذات إلى الموضوع، ليقف في مقبرة الشهداء مقبرة الكرخ، وفي حضرة الموت يكثف رؤياه الشعرية:

ماذا تقول قصائدي؟ /هذي القبور قصائد فيها الجلال/ صمتت ونطق الصمتقد ملأ الرحاب/.

في كل شاهدة لسان بطولة/تحكي البطولة والشهامة والفداء/تحكي لنا الصبر الطويل/تحكي لنا ذاك العناء...

ويرصد مشاركة الطبيعة أحزانه بدلالات بلاغية جميلة،

فأجابني شعري بعطفة صادق

   إني أصوغ قلائد التحنان.

وأخفف النفثات عن كبد الأسى

 وأهز هذا الكون بالأحزان.

زهرات حزني أينعت بقصائدي

 بربيع موت يانع الأغصان.

 ويرحل بأحزانه إلى الخنساء، ليشكو حزنه،

نشكو إلى الخنساء ما قد مسنا  

  هل تسمع الخنساء أنة موجع؟

يا أخت صخر والقرابة بيننا

   أمواج حزن كالضباب مجمع؟

احزانك العظمى التي قد أدبرت  

 قد جددت وكأنها تحيا معي

 وتواصلاً مع رؤاه الفلسفية يعبر عن موقف من الحياة منسجم مع رؤية الشاعر بوشكين. إننا نعيش في الدنيا لحظتين في قصيدة الحياة قصيرة:

هل هي ليلة أو ليلتان؟/هي لحظة أو لحظتان؟ /هي ومضة، أو ومضتان./إحداهما وهم الضباب

من بعدها زمن الذهاب/فعلام هذا البحر يهدر بالضجيج؟ /وعلام هذي النفس تصرخ بالجنون؟

وعلام أمواج الشقاء/وعلام أمواج السرور...

 وفي الوداع الأخير، يرصد مسيرة الإنسان وهو يغادر الدنيا:

وتلاشت الأصداء والأوهام في الحلم الكبير.

ثم اختفت تلك المواكب في سحاب من أثير.

مضت الشموس الساطعات بنورها الطلق المنير.

وإذا النجوم غوارب تمضي إلى عمق السديم

. وزهور روض الحي أمست ذابلات في وجوم.

والصمت خيم في ظلال كآبة الغاب الحزين.

 . ويعززها برؤية أخرى في قصيدة   قد ماتت الأحلام :

قد ماتت الأحلام بعد نظارة، وتحجرت لحظات عمري الفاني.

فكأنني التمثال فوق منصة من مرمر يرنو إلى الأزمان.

فرغ الزمان ...تسربت أحلامه، كالماء بين أصابع الحيران

  . لينتهي أخيرا عند رثاء نفسه برؤية تراجيدية مأساوية، في قصيدته وداعا أيتها الأرض:

ودعت أرضي غابها وهضابها. ودعت أرضي غيثها وسحابها.

ودعت شمسي والسماء وفجرها، ودعت ظل حقائق وسرابها.

ضاعت حياتي كالضباب وأدبرت في غمضة قد ودعت أحبابها.

نفسي تناثر زهرها بعواصف أوراقها لثمت هناك ترابها.

ذهب الكتاب ومن أحب كتابه ودفاتري تبكي هنا أحبابها.

. وفي لحظة يأس. يصل إلى قناعة بأن الوهم هو حقيقة الأشياء:

وهم يرى الأيام وهما ماثلا    ويريد رسم الوهم في الأشعار.

فإذا الضباب مجسم بقصائد. وإذا الخيال حدائق الأبصار.

فخذ الخيال ووهمه وسرابه، فهو الدواء لبؤس هذي الدار

. واسمع نصيحة ناصح هو ذاهب    لمصيره في نفحة الأسحار،

وألعب مع الأطفال في رأد الضحى، وانسَ الزمان، ولوعة الأكدار

وبشجاعة المؤمن يكتب قصيدته. الأخيرة، وداعا:

 وداعا وداعاً شمس السماء 

وداعا  وداعا لنور القمر

وداعا وداعا نجوم السماء

ودمع السحاب وزخ المطر

***

د. جاسم الفارس

في المثقف اليوم