قراءات نقدية

طارق الحلفي: الحمولة الذاتية والصدق الوجداني في المجموعة القصصية" من مذكرات أستاذة"

للأديبة والناقدة سعاد الراعي

تمثل المجموعة القصصية الجديدة "من مذكرات أستاذة" للقاصة سعاد الراعي إضافة نوعية إلى السرد النسوي العربي المعاصر، بما تحمله من جرأة فكرية، وعمق إنساني، ورؤية نقدية تنفذ إلى المسكوت عنه في بنية المجتمع وعلاقاته المتشابكة.

صدرت المجموعة في طبعتها الأولى عام 2026، وتضم تسع قصص قصيرة تتكئ على فضاء أكاديمي وإنساني رحب، تتقاطع فيه أسئلة الدين والحرية، الهوية والانتماء، الحب والخذلان، الشيخوخة والاغتراب.

العتبة النصية ودلالات العنوان

يشي العنوان "من مذكرات أستاذة" منذ الوهلة الأولى بطابع اعترافي وتأملي، إذ يستدعي شكل "المذكرات" بما تحمله من حمولة ذاتية وصدق وجداني، غير أن النصوص لا تقف عند حدود السيرة الفردية، بل تنفتح على الهمّ الجمعي، لتغدو المذكرات مرآة لأسئلة مجتمع كامل. فالأستاذة هنا ليست شخصية معزولة، بل تمثيل رمزي للعقل النقدي الذي يشتبك مع الواقع، ويحاول مساءلته من داخل مؤسساته التربوية والاجتماعية. {وهذا ما يمكن ملاحظته في القصص "ان شاء الله يا استاذه" " عندما يكون الفطر ثالثهم" " في حضرة الاستاذة" "الدرس الأخير"}

البنية السردية والاشتغال الفني

تعتمد الكاتبة أسلوب السرد المشهدي القائم على الحوار المكثف، ولا سيما في القصص التي تدور في فضاء القاعة الدراسية، حيث يتحول الحوار إلى ساحة صراع فكري بين منطقين: منطق النقل الجامد، ومنطق العقل المؤوِّل ويتبدّى ذلك جلياً في القصة التي تناقش إشكالية الاختلاط والحديث النبوي، حيث لا تكتفي الكاتبة بعرض وجهتي النظر، بل تبني تصاعداً درامياً قائماً على تفكيك المسلمات، وإعادة طرح الأسئلة في سياق عقلاني هادئ. " ان شاء الله يا أساتذة".

توظّف الراعي تقنية "السرد الداخلي" بمهارة، فتمزج بين الحدث الخارجي والحركة النفسية للشخصيات، مما يضفي على النصوص بعداً سيكولوجياً واضحاً. وتكاد بعض القصص، مثل قصة الأستاذة ميرا في دار العجزة، تلامس تخوم القصة الطويلة من حيث الامتداد التأملي، وكثافة الوصف، والانشغال بثيمة الذاكرة والزمن والفقد." قصة ذاكرة في ظلال الغياب"

الثيمات المركزية

يمكن الوقوف عند عدد من الثيمات الكبرى التي تنتظم المجموعة:

1. الجدل بين العقل والنص:

تنشغل الكاتبة بإعادة فتح ملف العلاقة بين التدين الشكلي وروح الدين، وتطرح إشكالية التأويل، وحدود الحرية الفكرية داخل المؤسسات التعليمية. غير أن الطرح لا يأتي في صيغة خطابية مباشرة، بل عبر حوار درامي متوازن يمنح الشخصيات حقها في التعبير.

2. المرأة بين الصورة والجوهر:

تحضر المرأة في المجموعة بوصفها ذاتاً مفكرة لا موضوعاً للحكم الأخلاقي. فالكاتبة تقارب قضايا الحجاب، والعقم، والعلاقات المختلة، والشيخوخة، من زاوية إنسانية، متجنبة التبسيط أو الشعاراتية.

3. الشيخوخة واغتراب الكرامة:

تُعد قصة ميرا من أبرز نصوص المجموعة، حيث تطرح قضية إهمال كبار السن، وتحوّلهم إلى أرقام في مؤسسات الرعاية. هنا تبلغ اللغة ذروتها الشعرية، ويتحول السرد إلى مرثية هادئة لذاكرة تتآكل، ولحياة علمية وإنسانية تُختزل في غرفة باردة.

4. الرجولة المكسورة والصورة الاجتماعية:

في قصة العقم، تتناول الكاتبة إشكالية الذكورة الجريحة، وضغط المجتمع على الرجل والمرأة معاً، في طرح متوازن يكشف هشاشة الصورة النمطية للطرفين." قصة حلم لم يولد"

اللغة والأسلوب

تمتاز لغة المجموعة بما يمكن تسميته "النثر المتأنق"{كما ورد في المقدمة}، حيث تتجاور الجملة السردية الرصينة مع نفحات شعرية شفيفة دون أن تسقط في الغموض أو الزخرف المجاني. الجمل طويلة نسبياً، لكنها مشدودة الإيقاع، وتخدم الحالة النفسية للشخصيات. كما تتسم الحوارات بواقعية مقنعة، تعكس وعي الكاتبة بطبيعة الخطاب الديني والاجتماعي السائد.

وفي غير موضع، تستثمر الكاتبة التناص القرآني والحديث النبوي، "في ان شاء الله يا أستاذة"، لا بوصفه زينة لغوية، بل كجزء من بنية الحجاج السردي، مما يمنح النص بعدًا ثقافيًا ويعمّق جدليته.

الرؤية الفكرية والجمالية

لا يمكن قراءة «من مذكرات أستاذة» بمعزل عن سياقها الثقافي؛ فهي تنتمي إلى سرد يطمح إلى مساءلة البنى التقليدية، دون قطيعة كاملة مع المرجعية الدينية أو الاجتماعية. إنها كتابة إصلاحية في جوهرها، تسعى إلى إعادة الاعتبار للعقل والحوار، وتنتصر لكرامة الإنسان ـ امرأة كان أم رجلاً ـ في مواجهة الوصاية والاختزال.

وعلى المستوى الجمالي، تنجح الكاتبة في تحقيق توازن بين الفكرة والفن، فلا تطغى الأطروحة على البناء السردي، ولا يتحول النص إلى مقالة فكرية مموّهة. بل تظل الشخصيات نابضة، مترددة، متألمة، مما يحفظ للنص طابعه الإبداعي.

تأتي «من مذكرات أستاذة» بوصفها عملاً سردياً ناضجاً، يكشف عن تجربة حياتية وثقافية ثرية، ويؤكد حضور سعاد الراعي كصوت قصصي واعٍ بأسئلة عصره. إنها مجموعة تصلح للقراءة النقدية المتأنية، كما تلامس القارئ العام بما تحمله من صدق إنساني وقضايا تمسّ الواقع المعاش.

بهذا الإصدار، تضع الكاتبة قدمها بثبات في فضاء القصة القصيرة العربية المعاصرة، مقدّمة نصوصاً تحاور العقل، وتستفز الوجدان، وتفتح الباب أمام أسئلة لا تزال تبحث عن إجابات في مجتمعاتنا.

* تقع المجموعة في 128 صفحة من القطع المتوسط؛

* تحتوي على تسع قصص، مع ملاحظات وتعليقات بعض الزملاء من الكتاب والنقاد؛

* قدم لها الشاعر الدكتور عادل الحنظل؛

* صمم الغلاف ونسقه واخرجه طارق الحلفي؛

* الطبعة الأولى 2026/ تمت طباعتها في مطبعة نحن نطبع " باكنانغ "/ المانيا.

***

طارق الحلفي

 

في المثقف اليوم