قراءات نقدية
كاظم أبو جويدة: جدلُ الذاتِ ومِرآتها
تفكيكُ البنية الدراماتورجيّة في مونودراما "رئيسة التحرير" للدكتور عزيز جبر الساعدي
يبلغُ النصُّ المونودراميُّ نضجَهُ الأجناسيَّ حين يتحوّلُ من حكايةٍ فرديّةٍ إلى حقلِ توتّرٍ أنطولوجيٍّ يتقاطعُ فيه الصوتُ بالصمت، والجسدُ بالفراغ. في مونودراما "رئيسةُ التحرير"، قَدَّم الدكتور المثمر وجوداً أنيقاً عزيز جبر الساعدي نصاً يُراوغُ التصنيفَ الجاهز؛ فهو "مونودراما شعريّة بصوتين". يُشكِّلُ هذا التوصيفُ مفارقةً بنيويّة - أي تناقضاً داخلياً يُنتجُه التركيبُ العضويُّ للنصّ - تستدعي التأمّل. تتأسسُ المونودراما كلاسيكياً على خطابِ ذاتٍ واحدةٍ منفردة، غير أنّ الساعدي يشقُّ هذه الذاتَ شقاً مسرحياً واعياً عبر صوتين رئيسين: الصوتُ الأوّلُ هو الممثّلُ الذي يحتلُّ الخشبةَ ويتناوبُ أداؤه بين قناعَيْن (هي / هو)، والصوتُ الثاني هو الراوي المتسلّلُ من خلف الكواليس بوصفه ضميراً ميتامسرحياً - أي وعياً داخلَ العرضِ يكشفُ للمتفرّجِ الطبيعةَ اللعبيّةَ للمسرحِ - يُعلِّقُ على الحدثِ من مسافةٍ جماليّةٍ محسوبة.
تأسّست بنيةُ الشخصيّة المزدوجةِ هنا على ما يمكن تسميتُه "انشطارَ الأنا الدراميّة"، أي انقسامَ الذاتِ الواحدةِ إلى قوّتين متصارعتين داخلَ جسدٍ واحدٍ على الخشبة. يغدو الممثّلُ فضاءً جسدياً تتصارعُ داخلَهُ سلطتان: سلطةُ الكتابةِ المتمثّلةُ في "هو" (الكاتبُ المتمسّكُ بحريةِ الكلمة)، وسلطةُ المؤسّسةِ المتمثّلةُ في "هي" (رئيسةُ التحريرِ التي تختصرُ العالمَ في أوامر). يجري التحوُّلُ الجسديُّ بين القناعين عبر تبدُّلٍ في الإيقاعِ الصوتيِّ والنبرةِ والإيماءة، مبتعداً عن الاستعانةِ بالإكسسواراتِ الخارجيّة. يُحيلُ هذا الأداءُ مباشرةً إلى تقنية "الجسد بوصفه نصاً" - أي تحوّلَ جسدِ الممثّلِ نفسِهِ إلى حاملٍ للدلالةِ ومُنتجٍ لها - وهي التقنيةُ التي كرّسها غروتوفسكي في مسرحِه الفقير. تقفُ الخشبةُ عاريةً مكتفيةً بطاولةٍ وكرسيٍّ وكومةِ أوراقٍ وقلم؛ أدواتٌ تتحوّلُ من وجودٍ مادّيٍّ صِرفٍ إلى حواملَ لاستعاراتٍ وجوديّةٍ عميقة.
وظَّفَ الساعدي السينوغرافيا الضوئيّة - أي هندسةَ الفضاءِ البصريِّ على الخشبةِ عبر الإضاءةِ وحدَها كبديلٍ عن العمارةِ والديكور - لبناءِ العرض. فالإضاءةُ هي التي "تصنعُ الأمكنة… والذاكرة" وفقاً للإرشادِ المسرحيِّ - تلك التعليماتُ التي يُدوِّنُها المؤلّفُ بين قوسين لتوجيهِ المخرجِ والممثّلِ - في الاستهلال. يُمثّلُ هذا التصريحُ بياناً جمالياً يكشفُ ذهنيّةَ فضاءِ العرض؛ فخيطُ الضوءِ في المشهدِ الأوّلِ يُنجبُ الشخصيّة، والإضاءةُ الحادّةُ في المشهدِ الثالثِ تُعلنُ ولادةَ السلطة، بينما يختزلُ الضوءُ الضيّقُ في المشهدِ الأخيرِ العالمَ في بؤرةِ وداعٍ بين كاتبٍ وقلمِه. تتوازى هذه الدلالةُ البصريّةُ مع مفهومِ "العلامة المسرحيّة المركّبة" عند بافيس - أي المعنى الناتجِ عن تشابُكِ الضوءِ والصمتِ والحركةِ والصوتِ معاً في لحظةٍ أدائيّةٍ واحدة.
احتلَّ الراوي موقعاً إشكالياً في البنية؛ فقد كان أقرب إلى "ضميرِ النصّ" المتكلّمِ من منطقةِ ما-بعد-الحدث، متجاوزاً وظيفةَ الكورسِ الإغريقيِّ أو الساردِ التقليديّ البريختي. حين يقولُ الراوي: "كانت تخجلُ من الضوء…"، فإنّه يُمارسُ "الاستباقَ التأويليّ" - أي تلميحَ السردِ إلى مآلِ الشخصيّةِ استباقياً، مانحاً المتلقّي بوصلةَ قراءةٍ مبكّرة. يُحدثُ هذا الفعلُ شرخاً في التوقّع الدراميّ، كابحاً الاندماجَ العاطفيَّ الكامل، ومُبقياً المتفرّجَ في حالةِ يقظةٍ تأويليّةٍ دائمة. تُقاربُ هذه الآليّةُ التغريبَ البريختيَّ - أي جعلَ المألوفِ غريباً لاستفزازِ العقلِ - معتمدةً على أدواتٍ شعريّةٍ خالصة.
على المستوى الثيماتيّ، شيَّد النصُّ جدليّةً ثلاثيّة: الكلمةُ في مواجهةِ السلطة، والذاتُ في مواجهةِ الدور، والصمتُ في مواجهةِ الكلام. يُمثّلُ "هو" الكتابةَ بوصفها فعلَ حرّيةٍ وجوديّة، فيما تُمثّلُ "هي" المؤسّسةَ الساعيةَ لتحويلِ الإبداعِ إلى وظيفة. تكمنُ المفارقةُ العميقةُ في سكنى كليهما داخلَ الجسدِ ذاتِه، جاعلاً الصراعَ صراعاً باطنياً للذاتِ مع أقنعتِها؛ وهو جوهرُ المونودراما في أرقى تجلّياتها. عبارةُ "كنتُ أنا الإيقاع" تُعلنُ انهيارَ العقدِ الرمزيِّ بين المبدعِ والمؤسّسة؛ مؤكّدةً أسبقيّةَ النبضِ الإبداعيِّ على القوالبِ الجاهزة.
بلغَ المشهدُ الأخير - "موتُ الحبر" - ذروةً مضادّة - أي لحظةَ الانفراجِ الهادئةِ المعاكسةِ للانفجارِ الدراميِّ المتوقّعِ - حاملةً ثقلاً استثنائياً. ينتهي الحوارُ الحميمُ بين الكاتبِ وقلمِه بدفعِ القلمِ بعيداً ببطء. يحملُ هذا الفعلُ الجسديُّ البسيطُ ثقلاً سيميائياً - أي دلالياً يتجاوزُ ظاهرَ الحركةِ إلى شبكةِ المعاني الرمزيّة - هائلاً. تُجسّدُ هذه اللحظةُ "الموتَ المسرحيَّ"؛ موتَ الوظيفةِ الرمزيّةِ للكتابةِ والفعلِ المانحِ للشخصيّةِ مبرّرَ وجودِها على الخشبة. تُنجزُ العبارةُ الختاميّةُ مفارقةً وجوديّة - تناقضاً ظاهرياً مُبطّناً بحقيقةٍ أعمق - مُعيدةً تعريفَ الصمتِ بوصفه أعلى أشكالِ البلاغة. يُعلنُ الكاتبُ نهايتَه صوناً لخلودِه، متوقّفاً إدراكاً منه لانعدامِ جدوى المحاولةِ في عالمٍ مستهلك، ومستدعياً موقفاً عبثياً يؤكّدُ أزمةَ التعبيرِ بصمتٍ بليغ.
تشتغلُ لغةُ الساعدي في هذا النصِّ بمنطقِ الشعرِ مبتعدةً عن الحوارِ الدراميِّ التقليديّ؛ الجملُ قصيرةٌ مبتورة، وما بعدها من مسافات تتكاثرُ كعلاماتِ تنفُّسٍ مسرحيٍّ - فراغاتٌ زمنيّةٌ مقصودةٌ تمنحُ الممثّلَ مساحةً لملءِ الصمتِ بالجسدِ والنظرةِ عوضاً عن الكلام. تمظهرت هذه الصياغةُ البليغة في كتابةً واعيةً بالركح - أي بفضاءِ الأداءِ الحيِّ وشروطِه وإيقاعاته - مُميّزةً الدراماتورجيَّ - المُفكِّرَ بالنصِّ والعرضِ معاً - عن الأديبِ المكتفي بجماليّاتِ الورقة. يُعيدُ هذا النصُّ التفاوضَ مع حدودِ الجنسِ المسرحيِّ متسلّحاً بالشعريّةِ وقابليّةِ التجسيدِ الركحيّ، شاطراً الممثّلَ الواحدَ إلى ذواتٍ متصارعةٍ ضمن وحدةِ الرؤية، ومُحوّلاً الخشبةَ العاريةَ إلى فضاءٍ مُشبعٍ بالدلالاتِ عبر اقتصادٍ صارمٍ في العلاماتِ المسرحيّة. تغدو المونودراما هنا، بفضلِ الوعيِ التأليفيِّ المزدوجِ، شكلاً مسرحياً شديدَ الفاعليّةِ في تعريةِ الإنسانِ أمامَ ذاتِه، تحديداً في تلك اللحظةِ الفاصلةِ بين فعلِ الكتابةِ وفعلِ الصمت.
جمالياً، وظّف النص السينوغرافيا الضوئيّة - أي هندسةَ الفضاءِ البصريّ بالضوءِ وحدَهُ - كأداةِ كشفٍ داخليّ، مانحةً العلامةَ الواحدةَ كثافةً دلاليّةً عالية. يُعيدُ نص "رئيسة التحرير" تفكيكَ علاقةِ الإنسانِ بالسلطةِ واللغةِ عبرَ تحوّلاتٍ صوتيّةٍ وجسديّةٍ دقيقة، مُبقياً بابَ التأويلِ مُشرَعاً على أسئلةٍ أخلاقيّةٍ تخصُّ ثمنَ الصعودِ ومصيرَ صانعيه.
***
بقلم: كاظم أبو جويدة







