عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

طارق الحلفي: قراءة نقديّة وتحليل بنيوي لقصة "كشك الحكاية" للأديبة سعاد الراعي

تتبدّى قصة "كشك الحكاية" في الفضاء السردي المعاصر بوصفها وثيقة أدبية بالغة العمق والجدية، ونموذجًا متميزًا لـ "الميتا-سرد"1؛ حيث يغدو النص رحلة في كيفية تشكّل الكتابة ذاتها، متجاوزًا الإطار التقليدي للقص الاجتماعي الرصين ليطرح ثيمات وجودية ونفسية معقدة تتمحور حول "المداواة بالسرد"2 وإعادة صياغة الهوية الإنسانية المتشظية بفعل الحروب والترومات الكبرى3...

تتجلى الهوية الأدبية والإبداعية للنص من خلال تتبعنا للبصمات الجمالية والسمات البنيوية التي نسجت كيانه من خلال المرتكزات الجوهرية التالية:

التموضع الفكري وحداثة الموضوع (قلب المفهوم الوظيفي)

تكمن الأهمية الفكرية الكبرى لهذا النص في خلخلته للمفهوم الوظيفي التقليدي للمؤسسة التجارية الصغرى (الكشك). إن "كشك الحكاية" في جوهره ليس حيزًا فيزيائيًا لبيع الورق الميت والأخبار المستهلكة أو الصحف العابرة، بل هو محراب سيكولوجي وأنطولوجي جُعل للاستماع إلى حكايات المنكسرين، ومن ثم إعادة إنتاجها وتدويرها في قوالب سردية ترفد وتثري عملية السرد الإبداعية.

هذا التحول من "البيع" إلى "الاستماع" يمثّل حداثة موضوعية؛ فالكتابة هنا ليست ترفًا جماليًا أو وسيلة تكسب، بل أداة وجودية لترويض "الألم العاوي".. والكاتبة لا تريد للبطل ان يقف عند حدود التوثيق، او متلقٍّ سلبي لفجائع الحرب بل ليصبح "سادنًا للحكايات"، محققًا نبوءة الأب: "ستجد كينونتك فيهم... وحين تكتب عنهم لن تمنحهم حبرًا بل تهبهم قبسًا من نور".

الأبعاد النفسية والاجتماعية (صدمة الحرب والتعويض الرمزي)

من الناحية النفسية، يتكئ النص على تشخيص دقيق لمتلازمة "كرب ما بعد الصدمة" (PTSD)4. فالكاتبة تفلح في تصوير الانشطار النفسي لبطل القصة عبر "الحدث الزلزالي" (انفجار اللغم)، الذي قسّم عمره إلى نصفين. فقدان الساق الفيزيائية والذي يعاد تعويضه رمزيًا بساق صناعية، لكن الأطراف الاصطناعية لا ترمم الأحلام المبتورة. وهنا يبرز "الانتصار الشخصي على الركام" من خلال القناة الأكاديمية (نيل البكالوريوس عبر التعلم عن بُعد)، في دلالة واضحة على عناد الروح وتساميها فوق عوق الجسد.

أما البُعد الاجتماعي، فيتجلى في رصد مأساة "الجيل المرجأ"؛ ذلك الجيل الذي تمددت الحرب في شبابه كـ "ليل سرمدي" مجبرة اياه على "حراسة العدم" وتأجيل الأحلام.

يعالج النص العزلة والوحشة الاجتماعية بوصفهما "حربًا ضروسًا" قائمة بذاتها، لا يكسر حدتها إلا الالتحام العضوي بحيوات البشر وقضاياهم؛ فالانفتاح على حكايا الآخرين غدا الجسر الوحيد للشفاء النفسي والاندماج الاجتماعي مجددًا.

 التأويل الرمزي والامتداد الأنطولوجي (خلود الفكر والأدب)

يفتح النص آفاقًا تأويلية رحبة تتجاوز الواقعية المباشرة إلى مصاف الرمزية الفلسفية؛ فبقاء البطل حيًا وخروجه من أتون الجحيم لا يشير إلى نجاة بيولوجية فحسب، بل هو رمز ممتد لـ "الفكر" ذاته؛ والفكر كائن سرمدي لا تطاله يد الفناء وإن بُترت الأطراف.

ويأتي "الكشك" ليكون المعادل الموضوعي لهذه البنية المقاومة؛ فما بقي راسخًا هو جوهر الأدب. الجسد يتشظى والأب يغيب، ولكن الفكر المتجسد في وعي البطل هو النواة الناجية من مقصلة الوقت، مبرهنةً على أن الأدب هو الحقيقة التي تكتب السطر الأخير دائمًا.

سيميائية التسمية (دلالة اسم "أديب")

في لفتة إبداعية واعية، لم يكن اختيار اسم البطل "أديب" مصادفة سردية، بل هو تسمية تعيينية5 تحمل دلالة قدرية وظيفية. فالاسم هنا يتجاوز كونه هويّة تعريفية ليصبح "مشروعًا حياتيًا" ومصيرًا محتومًا.

لقد وُلد "أديب" ليكون تجسيدًا لاسمه؛ فمنذ "مغامرات أديب" في الطفولة وصولًا إلى "كشك الحكاية"، ظل الاسم هو البوصلة التي وجهت روحه نحو الأدب كفعل خلاص. هذه المزاوجة بين الاسم والمسار تعمق المحتوى؛ فالبطل ليس مجرد شخص يمارس الأدب، بل هو "الأدبُ متجسدًا" في هيئة إنسان، مما يجعل من نضاله لاستعادة الكشك نضالًا لترسيخ الذات ومعناها الحقيقي في الوجود.

المرتكزات الإبداعية والجمالية (الرؤيا واللغة الشاعرة)

تتبدّى البراعة الجمالية في النص عبر توظيف تقنيات سردية متقدمة، أبرزها:

بنية الرؤيا الإشراقية: إن زيارة الأب في المنام لم تكن استدعاءً نوستالجيًا6 باهتًا، بل تجلت بوصفها "عتبة تحول"7 التي نقلت البطل من حالة الركود والعزلة إلى الفاعلية والحركة. الأب هنا يمثل "المرشد الروحي"8 في البنية الأسطورية للقص.

ثنائية الرائحة والذاكرة: حاسة الشم وظفت بذكاء (رائحة الحبر، الورق العتيق، الخشب المعتق برائحة القهوة) كمنبهات شعورية لإعادة بعث النبض في الزمان والمكان وإعادة.

اللغة المتسامية: تميز الأسلوب بمتانة السبك وفخامة العبارة، مستخدمًا استعارات ومجازات منتقاة بعناية فائقة (مثل: "الأفكار كائنات سماوية شفافة"، "ترويض الألم العاوي"، "حراسة العدم")، مما أضفى على النص مسحة شعورية تجمع بين شجن الواقع وحلقات التخييل الرحب.

قصة "كشك الحكاية" نص بليغ، ناضج البناء، يمتلك شرعية أدبية كاملة لكونه يناقش قضية إنسانية عامة بخصوصية محلية شديدة العذوبة. لقد استطاعت الكاتبة أن تقدّم درسًا نقديًا عمليًا في كيفية تحويل التروما الشخصية والجمعية إلى طاقة إبداعية خلاقة، معيدة للاستماع الواعي لقصص الاخرين اعتباره بوصفه أساسًا وجذرًا أول لكل سرد روائي ناجح، مبرهنة على أن الإنسان يفنى والفكر يخلد، والأدب هو الذي يكتب السطر الأخير دائمًا.

***

طارق الحلفي

.....................

1. الميتا سرد(Metafiction) : شكل من أشكال الكتابة الأدبية التي تلفت الانتباه بشكل متعمد إلى طبيعتها كعمل فني مصنوع، وليس كتمثيل شفاف للواقع. إن المصطلح مشتق من البادئة اليونانية “ميتا” التي تعني “ما وراء” أو “حول”، وبالتالي فإن الميتا سرد هو سرد حول السرد نفسه، أو رواية تروي عملية روايتها.

2. العلاج بالسرد (Narrative Therapy): شكل من أشكال العلاج النفسي الذي يسعى لمساعدة الناس على تحديد القيم والمهارات والمعارف التي يجب أن يحيوا من خلالها، حتى يتمكنوا من التصدي بفاعلية للمشاكل التي يواجهونها مهما كانت، وفي العلاج بالرواية يسعى المعالج لمساعدة الشخص في عن طريق مشاركته في تأليف رواية جديدة عن نفسه من خلال التحقيق في تاريخ تلك الصفات.

3.  التروما (trauma): والتي تعني الإصابة بصدمة نفسية نتيجة مرور الشخص بتجربة سلبية مؤلمة.

4. اضطراب الكرب التالي للصدمة (PTSD) حالة صحية عقلية تنجم عن حدث مثير للتوتر أو مرعب للغاية يحدث لك أو تشهده. وقد تشمل أعراضه استرجاع الأحداث والكوابيس والقلق الشديد إلى جانب الأفكار التي لا يمكن السيطرة حول ذلك الحدث.

5.  التسمية/ التعيينية (aptronym): وتعني الاسم الذي يلائم صاحب الاسم في مهنته وتصرفاته، ويسمى في العربية (اسم على مسمى).

6. النوستالجيا / الحنين إلى الماضي (Nostalgia): حالة الشعور بالحنين والشوق إلى جوانب من الماضي الشخصي للفرد، وغالبًا ما تكون مرتبطة بفترة زمنية أو مكان معيّن يحملان ذكريات وأحداثًا إيجابية.

7. عتبة تحول (Turning Point): حادث تاريخي عارض أو جوهري يؤدى إلى حدوث تغير أو انقلاب في الأحداث اللاحقة.

8. المرشد الروحي (The Mentor): ويُسمّى أيضاً 'الموجّه'، هو شخص يقدم المعرفة والحكمة والنصائح، لشخص آخر أقل خبرة منه، من أجل دعمه وإرشاده.

رابط القصة في المثقف:

https://www.almothaqaf.com/nesos/987884