قراءات نقدية
سعد الدغمان: الحطاب يجسد نصاً برائحة التوابل وعطر والأنوثة
"من وضع البربين على خبزي"..
الصورة التي جاء بها الحطاب في نصه "من وضع البربين على خبزي" لم تكن كالصور التي ألفناها عنده، فقد اعتدنا على الملحمة كما في "شالوم مسلح"، والسخرية في (الرقص على جثة بينانو)، وغيرها التي حملت توجهات أقرب إلى الثورة على الواقع، والرفض، ونصرة الفقراء، إلا أن النص الحالي جاء خلافاً لما ذكرنا.
فالبنية الأسلوبية للنص تغيرت عما سواها، والمعنى المعتاد للتوصيف جاء مغايراً ايضاً.
فقد عمد جواد الحطاب إلى إبراز الدلالة في نصه بشكل واضح، ما فتح الآفق لإظهار طبيعة مغايرة للدلالة الحسية واللفظية التي أعتاد عليها القراء من توظيف الدلالة في الشعر، فكل النصوص إن لم نقل معظمها تذهب لتوظيف الجسد كمادة للغزل، يتغزل الشعراء بتفاصيله الدقيقة ليظهروا ما يشتمل عليه من مفاتن، وليوظفوا الإيحاء في الوصف للدلالة على جمال المرأة كحالة عامة داخلة في تفاصيل الوصف المتعلق بجسدها، وربما لاتكون تلك المرأة جميلة بقدر ما يحمل جسدها من جمال، وتلك نسبية لا علاقة لنا بها في هذه المساحة.
إلا أن الحطاب جاء على ذكر الجسد في نصه هذا ليوفر فسحة من الاحاطة تتعلق بالأشياء التي احتواها النص، ليجسد من خلالها صورة مكثفة للخطاب الشعري تحمل رمزية دلالية للجسد لا تتداخل فيها مع الغزل، بقدر ما هي دالة معرفية لفضاء النص المفتوح على المتغيرات الحسية.
هذه الفسحة التي اشتغل عليها الحطاب في نصه، قال عنها الناقد عبد الرضا علي " الحطاب، المعروف بمخالفته للسائد وبنزوعه إلى الإدهاش عبر بناء صور غير متوقعة، يشتغل هنا على ما يمكن تسميته «شعرية الاكتشاف»، حيث تتحول الرغبة إلى وسيلة للمعرفة، ويتحول الجسد إلى نصّ يُقرأ لا إلى موضوع يُستهلك (1).
أراد الحطاب عبر توظيفه هذه التقنية (إن جاز لنا تسميتها)، أن يقدم صورة قد تكون مألوفة حين تستشعرها، لكنها في الحقيقة تحمل أكثر من بعد، حيث يمثل النص ومضـة شعريـة دلاليـة تكثف "رحلـة البحث عن الحقيقـة"، استخدم فيها الحطاب الطبيعة كمرآة تعكس صراع الإنسان الداخلي في محاولة تجاوز المظاهر السطحية (الغبار) للوصول إلى الجوهر (اللب، الحياة).
هذه الدلالات والرموز مؤكد لها معاني قصدها الشاعر، فمثلاً "الغبار" أراد الحطاب أن يعبر عن التراكمات التي يخلفها الزمن ( سلبية أو ايجابية)، أو تلك الشكوك التي تغطي الحقائق، في حين أراد أن يوحي بأن هناك "مشاعر حميمية" تحيط بالحدث فجاء ب ( أصابعي، الجذع) ليكشف عن رغبة حقيقية في التقرب أو التفاعل مع الأشياء بجدية، في حين أن (لحاء الشجرة) جاء كتعبير عن ما وراءه من الخفايا والأسرار، فاللحاء يغطي ما يدور من تطورات جينية تحدث للشجرة ولا نراها نحن، وفيها من الأسرار ما لا نعرفه أو ربما لا نفقه حدوثه، وهي إشارة واضحة إلى خلجات النفس البشرية المسكونة بالهواجس والأسرار والتوق للمعرفة ربما، وهي طبيعة راسخة في نفس الإنسان.
لعب الحطاب على تقلبات النفس الإنسانية ليرسم صورة مبدعة في التعبير اللغوي الذي وظفه في نصه، فجاء بالتضاد الذي اخذ النص نحو تقلبات الحركية الدلالية مثل (أزيل)، وهي مفردة واضحة قريبة ومريحة لنفس الإنسان، ولاغموض فيها، وهي أيضا تعبير عن البحث أو الاستكشاف، وهي طبيعة ثابتة في طرق المعرفة التي يسير نحوها الإنسان المعاصر.
فيما تأتي الصورة الأخرى لنص الحطاب والتي تتمثل في بذل الجهد والمثابرة للوصول إلى الحقيقة، فالحركة هي من تقود عملية الكشف والتحري، لا الجمود، وأن فعل الإزالة يقف وراءه فعل المعرفة، فكل إزالة تظهر بعدها حقيقة كانت مغطاة بواقع قد يكون مغاير لتلك الحقيقة. وهذه منهجية عملت عليها "المدرسة الرمزية" في الشعر الحديث كشفت من خلالها عن الحالة الشعورية (العاطفية) لما يستشعره الشاعر بشكل أعمق.
1 ..
«لا تشكّي بأصابعي
أزيل الغبار عن الجذع
لأعرف
ماذا يدور في لحاء الشجرة»
2..
«شفتاي.. كابيتان
ربما
حين يبرق نهدٌ
سأهتدي إلى قبلاتك»
وظف الحطاب في هذا المقطع العدول بأسلوب ذكي في نصه، فجعل النص يشبه الاستشعار بالحواس وليس بالعقل أو الرؤية، وإنما بالشفاه، ليجسد مفهوم جديد في عملية الاستشعار عبر الحواس وليس بغيرها.
فقد ذهب الحطاب لتصوير المشهد بصورة يعتريها الظلام، وحين يكون الظلام لابد من إشارات تهدي الطريق نحو النور، لذلك جاء ب (يبرق) بوصفه علامة اهتداء للطريق، و(نهد) بوصفه منارة في الطريق، لا كونه عضو من أعضاء الجسد، وليس كونه احتفاء بالجمال الجسدي والمشاعر الجياشة.
وهنا لابد من الإشارة التي قد يغفل عنها البعض من الباحثين مفادها ( أن الأنثى ليست غاية الرحلة بل دليلها. إنها العلامة التي تهدي الشاعر إلى المعنى. وتلك صورة عبقرية غاية في المركزية أعتمد فيها على "الاسقاط" وعبر عنها وكأنها عملية إبحار.
ولو نظرنا للمقطع من منظور رمزي نجد أنه يمثل عملية الانتقال من حاسة اللمس التي بنى عليها الحطاب شكلية النص في الفقرة الأولى إلى التوجه نحو القُبلة في الثانية، والمعرفة التي بدأت بالأصابع تبحث الآن عن اكتمالها في التواصل.
القبلة هنا ليست فعلاً حسياً فحسب، بل لحظة وصول بعد رحلة تيه. ولهذا جاءت مفردة «سأهتدي» لا «سأصل». فالاهتداء فعل روحي ومعرفي قبل أن يكون مكانياً.
3..
المتاجرون بتوابل انوثتك
عادوا بثروااااااات من المتعة
:
هذا الخليط من الدانتيل والعطر
؟
هذا العبق الصاعد من زهرتك الإستوائية
!!
الهال على الحلمات
.
الزنجبيل على السرّة
.
وجوار جوزة الطيب
تناثر اللبان الذكري
..
وأنا فقيرك ..
أتلمس فقرات ظهرك
كما يتلمس الأعمى البخيل
ليراته الذهبية
..
يراودني الكلام
..
فماذا لو خُلقتُ فَمَاً
لأشكر جسدك
على هداياه الفسيحة !!
في الفقرة الثالثة من النص عمد الحطاب ليكون هناك آلية قياس مغايرة في التناول الشعري، فنص (من وضع البربين على خبزي) جاء به بصورة قد لاتشبه ما سبقه من نصوص ميزها باستهلاك الدلالة بصورة طغت معها ملامحها ونفذت روائحها لتحتل المتسع المفاهيمي بذوق تنامى وطبيعة العشق الروحي.
والتأمل الحي لروح القصيدة التي مثلها هذا النص تحديداً بدقة وتعقيد طغى على ما سواه، فالصورة التي جسدها جواد الحطاب تنم عن (سوق للتوابل والعطور)، أفرد له الحطاب قائمة من المحتويات المختلفة التفاصيل (الهال، الزنجبيل، جوزة الطيب، اللبان). لكنه لم يتناولها كعنصر اكتمال للموضوع الذي اختاره، بل ليؤسس نهجاً رمزياً متداخل مع الدلالة الشكلية والحسية.
جسد الأنوثة كثروة، لذلك قال "المتاجرون بتوابل أنوثتك عادوا بثروات من المتعة"، والثروة متناقلة أي (متداولة)، إلا أنه كمصطلح في الترادف لايحمل ذلك الوصف، أن عقد النص تشي بثنائية رائعة تجمع بين امتلاك المال (المتاجرون) و نقيضه الفقر، وهذا الأخير لاشأن له بالتداول، فهل عنى الحطاب أن "المتاجرون" لهم الحق في تداول ما وصف (الأنوثة)، ولا حق للنقيض كونه (فقير)، تلك المداخلة هي مفتاح الفقرة وجوهر المغزى النص.
ركز الحطاب في اسقاطاته على (جسد الأنثى) و ( التوابل) كمزيج من الجمال والروائح العطرة، وما تربط هذا بتلك، لم يقصد منها طبيعتها العشبية ( التوابل)، بل على موروثاتها الدلالية، ربما قصد تاريخها وقدمها، ودلالاتها الثقافية المختلفة، هي مفارقات مدهشة فعلاً أن تعمل على دمج النص وتلك الرموز والدلالات وطرق تجارتها وأنواعها، وتذهب لترسم تصوراً لذلك كله تمثيلاً بجسد امرأة وصيغ التملك والاحتواء.
اسقاطات متنوعة ورائعة خرجت عن مألوف التصور لتجسد بناء نصي بعناصر حقيقية ودلالة ملموسة، لا بل بروائح عطرية أنثوية غطت على الجو العالم للنص، حتى وكأنها تسحب القارئ من يده لتوقفه عن باب "العطار" ليرى كيف تسكب قطرات العطر من قارورة الأعشاب على تفاصيل الجسد الذي يتدفق جمالاً وحيوية.
:
«أتلمس فقرات ظهرك
كما يتلمس الأعمى البخيل
ليراته الذهبية»
ثنائية أخرى جاء بها الحطاب مثلت صورة من صور الإبداع، حين ركز على نقيضين في التوصيف والتشبيه (الأعمى والبخيل)، فالأعمى لا يرى الذهب لكنه يعرف قيمته باللمس. والبخيل لا يستمتع بإنفاق الذهب بل بمجرد التأكد من وجوده. وهكذا يصبح الجسد كنزاً لا تُقاس قيمته بالامتلاك بل باليقين بوجوده. إلا أن الصورة الخافية في نص الحطاب تتمثل في أن الأعمى والبخيل يشتركان في الخوف من الفقدان. لذلك فإن اللمس هنا ليس رغبة حسية فقط، بل محاولة طمأنة وجودية ضد الفقد.
«فماذا لو خُلقتُ فماً
لأشكر جسدك
على هداياه الفسيحة»
لقد سعى الحطاب في نصه هذا لإعادة بناء الانساق الشعرية خارج المألوف، ومنها أعاد انتاج دلالات جديدة من المفردات اليومية والمادية (2)، جسد من خلالها صيغ الشكر المختلفة لتشكل هيئة النص على شكل أمتنان لما ناله من هدايا استحقت ذلك الثناء.
4 ..
«حين توأد قبلة
أشم:
رائحة احتراق مكتبة»
الحطاب في هذه القصيدة لا يعبر عن الجسد بالمعنى الحرفي التقليدي، بل يكتب بما يمكننا أن نصفه ب "ظاهراتية الجسد" بوصفه طريقاً إلى المعرفة والدهشة والشكر..
بدأ قصيدته بالبحث عما تحت اللحاء، ثم الاهتداء عبر إشارات الجسد، ثم باكتشاف ثروته الرمزية، وتنتهي بالمأساة الكبرى: احتراق المعرفة حين تُوأد القبلة.
وبهذا فأن عمق البنية في النص ليست ببنية غزلية، وإنما معرفية، بداها بالاكتشاف وأنهاها بالخسارة.
ولذا نقول أن النص يعتبر من النصوص التي تتجاوز السطحية إلى فضاء فلسفي وإنساني رحب. وهو ما ينسجم مع خطاب جواد الحطاب الشعري القائم على الدهشة وتجاوز المألوف، وربما يذهب أبعد من ذلك حين يعمل على إعادة تعريف العلاقة بين اللغة والجسد، وتفاصيل المعنى.
***
سعد الدغمان
.........................
هوامش
1- عبدالرضا علي، مخالفة السائدِ في شعر جواد الحطّاب، صحيفة قريش، 2018.
2- سعد الدغمان، الرمز والتشكيل الصوري-قراءة نقدية في شعر جواد الحطاب، جريدة الزمان، لندن، 14-02-2024.
3- نور اسماعيل محمود، المرجعيات الثقافية جواد الحطاب "أنموذجاً"، مجلة المستنصرية للعلوم الإنسانية، 25-07-2025.







