قِراءةُ فِي دِيوانِ حُسينِ الهّاشمٍيّ (اِحتيَالٌ عَلَى الفُصُولِ)
مِهادُ التَّقديمِ: لا شكَّ أنَّ اللُّغة الشعريَّة الَّتي هي لُغة الإبداع الشِّعري تختلف بطبيعة الحال عن اللُّغة التقليديَّة العادية التي هي لُغة الحياة اليومية؛ كونها تقومُ فنيَّاً على خاصيَّة الانحراف اللُّغوي والميل الانزياح التعبيري عن ما هو مألوف في السياق الُلغوي. فيا تُرى ما المقصود بمفهوم الانزياح؟ وما معنى مُصطلح الشِّعرِيَّةِ؟ وهذا ما نسعى إلى فهمه وتقريبه وتوضيحه في دراستنا النقدية لديوان الشاعر حُسين الهّاشميّ (احتيالٌ على الفصولِ).
إنَّ مفهوم الشِّعريَّة في أقرب تعريفٍ لها أو توضيحٍ دلاليٍ، تعني الاهتمام بالقوانين العامة الداخلية للشعريَّة، أو الالتزام بقواعد الفنِّ وآلياته التي تجعل من النصَّ الشعري أدبيَّاً مَحضاً. ولا تعني دراسة قصيدةٍ ماأو نصِّ شعريٍّ بعينه كما هو مفهوم عند بعض الأدباء إشكالاً أو فهماً خاطئاً.
لذلك أنَّ مفهوم الشِّعريَّة كما يُعرِّفُها تزفيتان تودوروف، هي" العلمُ الذي يَدرسُ الخصائص المجرَّدة للأدب، أي القوانين والبنيات التي تشترك فيها النصوص الأدبية". إذن الشِّعرية تعني علماً وليست الشِّعر نفسه كما يظنُّ بعضُّ الآخرين من الأباء والشعراء. وعلى وفق تعريف تودوروف فإنَّ مصطلح الشعريَّة يهتمُّ بالعموم وليس بالخصوص، وبما هو كليٌّ وليس بما كان جزئيَّاً.
والشِّعريَّةُ الحقيقيَّةُ تُركِّزُ بالدرجة الأولى على أهمية البناء النصِّي للخطاب الشعري، وعلى صلةِ العَلاقات الترابطية بين عناصره الأوليَّة بالدرجة الثانية، وبالتالي النظر إلى الاشتراطات والقواعد والآليات التي تمنحه الصفة الأدبية التي هي أساس الشِّعريَّة وأُسها البنائي المكين عند تودوروف. ومن باب فكِّ الاشتباكِ، فإنَّ الشِّعريَّة لا تنحصر على خاصيَّة الشعر فحسب، وإنَّما تهتمُّ بخطاب السَّرديات الحكائيَّة عامةً والأنواع الأدبية الأخرى، والعلاقات الداخليَّة العامَّة التي تحكمها ترابطيَّاً.
أمَّا المقصود بمفهوم الانزياح، فإنَّ الانزياحَ يعني كسر توقُّع المألوف اللُّغوي التعبيري العام وتحطيم أساس جُدُر سياقاته المعجمية الإطارية الآنيَّة؛ وذلك من خلال خروج النصُّ الشعريُّ وانحرافه عن خطِّ سكَّة نسق سياقاته التعبيريَّة المألوفة، أو ميله عن قواعده المعروفة في لغة الحياة العاديَّة التي هي بالطبع لُغة الاستعمال اليومي؛ بهدف إحداث تعبيرٍ إيحائيٍّ وجماليٍّ جديدٍ ماتعٍ لَذيذٍ.
لكون لغة الشعر تهدف إلى إحداث إدهاشٍ ذهني وإمتاعٍ نفسي وتأثير فنَّي كبير على لُغته المباشرة. وبما أنَّ الانزياح يقوم لُغوياً على انتهاك قواعد اللُّغة العادية، والانحراف عن سكتها النسقيَّة الراكزة؛ فإنَّ شعرية الانزياح اللُّغوي تقوم بنيتها التعبيريَّة والفنيَّة الأُسلوبيَّة على خرق مستويات عدِّةٍ من اللُّغة العامَّة؛ لتكون لُغة أدبٍ، وهذا الخروق الشعري السافر عن اللُّغة التعبيريَّة دفع الناقد والمفكِّر اللِّساني الفرنسي جون كوهين في كتابه (بنيةُ اللُّغة الشِّعريَّة) على إيجاد ثلاثة أنواع من الانزياحات اللُغويَّة في الشعر، وبالشكل التعريفي الأتي الذي يمكن أنْ ندرسه إجرائيَّاً:
النوع الأول-الانزياح الدلالي: الخاصّ بالدال والمدلول، أي إعطاء الكلمات والمفردات اللُّغويَّة معانيَ غيرَ معانيها الأصلية المألوفة للقارئ، وإلباسها ثوباً جديداً من بلاغة التعبير الصوري الشعري.
النوع الثاني- الانزياح التركيبي: وهو الذي يظهر جليَّاً في البناء التركيبي للجُملة ومخالفة نظامها القواعدي النحوي المعتاد في توخِّي النظم. وتبدو تمثُّلاته واضحةً في أُسلوبيَّة التقديم والتأخير وفي تقنية الحذف أو الفراغات أو البياضات المتروكة في بناء الجمل التي تكسر نظام المألوف السياقي المعتاد في الجملة؛ وذلك بخلق جملٍ شعريةٍ أكثر نضوجاً وبلاغةً وتعبيراً بنائياً وجمالياً جديداً.
النوع الثالث- الانزياح الصوتي (الإيقاعي): وهو ما يتعلَّق بنظام البنية الإيقاعية، أو ما يسمَّى بموسيقى الإيقاع الشعري الداخلي، مثل تقنية التَّكرار الصَّوتي أو الجناس البلاغي الذي يمنح اللُّغة الشِّعريَّة شَكلاً جماليَّاً وفنيَّاً ماتعاً ومحبَّباً لنفس القارئ الذي ينجذب إليه في آليات التلقِّي القرائي.
وعلى وفق تقسيمات جون كوهين الثلاثة لأنواعه، فإنَّ الانزياح التعبيري يهبُ النصَّ الأدبيَّ روحَ الشِّعريَّةِ، ويخلِّصُ اللُّغة العادية من الإملال والتقريريَّة والمباشرة الممقوتة والخروج بها إلى لُغة الإمتاع والإدهاش، ويفتح نافذةً تأمليَّةً للتأويل الفكري والتحليل الهرمنيوطيقي الذهني، ويُحرِّضُ المتلقِّي أو القارئ على المشاركة في إنتاج المعنى. بمعنى أنَّ الشعر في تكوُّناته الجديدة لا يُعيد إنتاج الواقعة الشعريَّة والموضوعيَّة، بل يُعيدُ تَشكُّلاتها الشكليةَ الجمالية إمتاعيَّاً وفنيَّاً.
إنَّ الشعريَّة الانزياحية لا يمكن أنْ تحدث أو تتحقَّق نصيَّاً إلَّا عندما تنحرف اللُّغة عن وظيفتها الأصلية العادية والإخباريَّة،، فتتحوَّل إلى لُغةٍ شعريةٍ لها مُوحياتها الفنيَّة والجماليَّة الابتداعيَّة المدهشة. وخلاصةُ القولِ، إنَّ الانزياح اللُّغوي والتركيبي والصوتي يُمكِّنُ الشاعرَ من تشكيل اللُّغة عبر المجازات اللُّغوية والاستعارة والتقديم والتأخير والحذف والتَّكرار الفنِّي، وهذا ما يمنح النصَّ الشعري الجديد طاقةً تعبيريَّةً إيحائيةً جديدةً في الحداثة الشعريَّة عبر آليَّات لُغة التعبير الرمزي.
والانزياح الشعري على الرغم من كون جذوره الأولى تعدُّ قديمةً وضاربةً بعيداً في أقبيةِ التراث العربي بشكلٍ من الأشكال ولم يكن مفهوماً بهذه الشاكلة الحداثوية كمصطلحٍ نقديٍ، بيدَ أنَّ أصولَهُ تنحدر من النقد الغربي وأدبه بمفهوم الانحراف أو التغريب كما هو عند أدب الشَّكلانيين الروس.
عَتبةُ العُنوانِ الشِّعريَّةُ (المَوضوعُ) = عَتبةُ الدِّراسةِ الّنقديَّةِ (المَنهجُ):
(اِحتيالُ عَلى الفُصُولِ)، هي عتبةُ عنوان المُدوَّنة الشعرية الرئيسة، والتي هي بالطبع تعدُّ من أهُمِّ وأبرزِ عتبات النصِّ الشعري الموازي (الخِطابُ الشِّعريُّ)، وأكثرها حضوراً إبلاغيَّاً ووظيفياً. وهي بوابة الدخول الرئيسة إلى مدينة الشعر الفاضلة والنفاذ إلى عوالمها الداخليَّة ورؤاها السحريَّة.
أمَّا القسم الثاني من الدراسة النقدية الموسوم بـ (اِحتيالٌ في شعريَّةِ الانزياحِ)، فهوعنوان الدراسة النقديَّة الموازي لعتبة المدوَّنة الشعرية التي نشتغل عليها منهجيَّاً. وأنَّ تكرار لفظة (اِحتيالٌ) مرتين في عتبة الدراسة النقدية، ما هي إلّاَ رابط لتأكيد المعنى بين عنواني العمل الأدبي (احتيالٌ على الفصول)، والمشتغل النقدي للدراسة (احتيالٌ في شِعريَّة الانزياح)، أي قراءة في شعر حسين الهاشمي. والمعادل الموضوعي للمقاربة العنوانية الموضوعية بين عتبة عنوان العمل الأدبي، وعتبة الدراسة هو كلمة (احتيالٌ) بين الشعر والنقد، والموضوع والمنج النقدي الاشتغالي. ولعلَّ هذه المقاربة الإنتاجية التي هي إبداع شعري على إبداع نقديٍّ تحتاج لتفصيلٍ وتوضيحٍ وتقريبٍ للمعنى.
الشاعر في منتجة الإبداعي (احتيالٌ على الفُصولِ) يُخبِرُ القارئ في (ثُريَّا عنوانه) الإبداعي الكُلِّي الرئيس بأنَّه يحتالُ شعرياً وفكرياً وبلاغياً على الفصول. أي أنَّه يستعمل الانزياح اللُّغوي الدلالي كأداة (اِحتيالٍ) مُهمَّةٍ على المألوف التقليدي الرتيب، والذي هو احتيالٌ ماتعٌ ولذيذٌ على دورة الزمن الفلكية، أو ما يمكن أن نسميه بعملية تمرِّدٍ ذاتي على إيقاع الفصول الأـربعة وتقلُّباتها الزمكانية.
وبالنتيجة هي انحرافٌ أو ميلٌ في شِعريَّة الانزياح التي تعدُّ تغريباً في أُسلوبية التعبير البلاغي الفني الجديد. وعلى وفق ذلك التفكيك والتحليل اللُّغوي والدلالي للعنوان، فإنَّ هناك تَراسُلاً لفظيَّاً قويَّاً يكمن في تأكيد وتثبيت معنى دلالة (الاحتيالُ) كموازنةٍ اشتغاليَّةٍ بين العنوان الشعري والعنوان النقدي للدراسة. وهذا التراسل اللَّفظي الدلالي بين كلا الاثنين يُفسِّر العَلاقة الحميمية الوثيقة بينهما ويطرح السؤال الفكري التالي طالباً الإجابة عنه: كيف يكون الانزياحُ اللُّغوي احتيالاً شعرياً ونقدياً؟
-يكون الانزياح احتيالاً نقدياً تفكيكيَّاً عندما يكون الشعر احتيالاً إبداعيَّاً مُدهشاً وغَرائبياً؛ لأنَّ الكلام سيكون على تقنية مفهوم الانزياح نفسه، وليس على البنية الشِّعريَّة أو السرديَّة أو البنية الموسيقيَّة (الإيقاعية)؛ لذلك فإنَّ فكَّ الاشتباك بين الاشتغالين الإبداعيينِ (الشعر والنقد) يُلقي بالسؤال الإشكالي الآتي: هل الانزياح يُعدُّ خدعةً جمالية وفنيةً أم كشفاً حقيقياً وجوديَّاً؟
-بالتأكيد أنَّ الانزياح يعدُّ خُدعةٌ حداثيةٌ بلاغية لذيذةٌ ماتعةٌ للكشف عن الذات الشاعريَّة المُحتالة بالشعر على الواقع والمتمرِّدة فكريَّاً على الزمكانية والذاكرة والماضي، وعلى كلّ ما هو مَعطوبٍ تالفٍ لا يَنسجم مع روح العصر وتطلُّعاته المستقبليَّة التي تستمدُّ نسغَها الرُّوحي من أُسِ الاحتيال.
تَأثيثُ المُدوَّنةِ الشِّعريَّةِ (اِحتيالٌ عَلى الفُصُولِ):
إنَّ مُدوَّنة (احتيالٌ على الفُصُولِ)، للشاعر العراقي المَيسَّاني المثابر حسين الهاشميّ، والذي ينتمي إلى جيل التسعينيَّات أو أسبق من ذك التاريخ بكثير، والصادرة بطبعتها الأولى عام (2025م) عن دار الجسد للطباعة والنشر والتوزيع هي المجموعة الشعريَّة السابعة في ترتيب نتاجات الهاشمي وأعماله الأدبية الإبداعية المتعدِّدة. وتعدُّ هذه المجموعة آخر ما كتب الشاعر الهاشميّ في السنوات الثلاث الأخيرة من الأعوام (2018- 2020م). لكنْ الحقيقة أنَّ عُمرَ المدوَّنة ثلاثون عاماً.
وهذا يشي بأنَّ جذور هذه المُدوَّنة التأصيليَّة تَمتدُّ إلى أكثر من ثلاثة عقود من الزمن؛ كونها قصائد مختارة من الأعوام (1990- 2020م)، أي من أصل ستة مجاميع شعرية أخرى سبقتها مع قصائد جديد لم تكن منشورةً. والتي تمثِّل باكورة نتاجات الشاعر وبواكير أعماله الشعريَّة السابقة من قصائد النثر التي هي آخر ما أنتجته قصائد الحداثة الشعرية العربيَّة، و(احتيالٌ على الفُصُول)، هي بالطبع تمثلُ بانوراما شعرية مختارة من أعمال الشاعر حسين الهاشميّ ونتاجاته الشعرية الإبداعية الكاملة.
حرص الشاعر الهاشميُّ كُلَّ الحرصِ أنْ يكون اختياره الدقيق لمُدوَّنته الشعرية (احتيالٌ على الفُصُول) اختياراً فنيَّاً لعتبته العنوانيَّة فيه من جماليَّات اللُّغة البلاغية الجديدة التي تجعل منه عنواناً انزياحيَّاً مُبهراً شَكلاً ومَضموناً يتضمَّن الكثير من السِّمات الفنيَّة الشعريَّة غير التقليدية العاديَّة.
أما العنوانات الأخرى لمجاميعه الشعرية السابقة التي اختار منها قصائد مدونته الشعرية (احتيالٌ على الفُصُولِ)، فهي الأخرى لا تخلو من خياراتٍ مدروسةٍ في توسيمها العنواني الرئيس الذي يجمع بين لُغة الانزياحيَّة الفنيَّة وشِعريَّة الموضوعيَّة التقريريَّة. وقد ارتأى أنْ تكون خياراتُ هذه القصائد من الأحدث كتابةً إلى الأسبق إنتاجاً شعريَّاً، وهي بالشكل الآتي كما وردت في الديوان:
الأولى: مجموعة (صَديقُنا خَطُّ الأُفقِ، 2018م). والثانية: مجموعة (الحَالمُ بِثيابِ المِهنةِ، 2012م). والثالثة: مجموعة (وَثيقةٌ في الهَواءِ، 2009م). والرابعة: مجموعة (مِنْ دُون احتراسٍ، 2005م). والخامسة: مجموعة (غَيمةٌ فِي عُكَّازٍ، 202م). والسادسة: مجموعة (حَارسُ المَناديلِ، 1990م).
وتمثِّل المجاميع الستة المُختارة للمدوَّنة الشِّعريَّة (احتيالٌ على الفُصُولِ) قمةَ الهرم اللُّغوي في أسلوبية الشاعر حُسين الهاشميّ الانزياحيَّة الشعريَّة، وعلامةً جماليَّةً فارقةً على دقةِ خياراته الفنيَّة وحرصه الشعوري. أمَّا العنوانات الداخليَّة الفرعيَّة للقصائد الشعرية، فهي الأُخرى تحمل نفس الروح الانزياحيَّة الوثَّابة، ولا تخلو من شطآن الروعة الفنيَّة والجماليَّة والفكريَّة التأمُّليَّة الجَمَّة.
شِعريَّةُ الاِنزياحِ فِي مَجموعَة (اِحتيالٌ عَلَى الفُصُولِ):
إنَّ أولى بواكير شعرية الانزياح تَمثَّلَ ظهورها العَلني في عتبة التصدير التي سبقتْ عتبةَ الإهداء في هذه المُدوَّنة؛ لذلك فإنَّ عتبة التصدير الشعرية التي عمدَ فيها الهاشمي إلى أنْ تكون مقطوعةً شعريةً قصيرةً من قصيدةً نثريةٍ مُكثَّفةٍ تُمثِّل مفاتيحَ رمزيةً ودلاليةً إيحائيةً مشحونة بطاقة لخطابه الشِّعري في نصوصه الموازية الموجَّهة إلى أنظار القارئ اللَّبيب والمتلقِّي الواعي؛ ليفكِّكَ شفراتها اللُّغوية والدلاليَّة، ويَعمل بعين ثاقبةٍ على استقرائَها فنيَّاً وجَماليَّاً.
فهيَ مقطوعةٌ شعرية إشراقيةٌ تختزل عتباتِ الزمان والمكان لثلاثة عقودٍ مُتواليةٍ من السنين والفصول والذاكرة ودورة الحياة. إنَّها احتيال هجس الذات الشاعريَّة على هيبة الشعر واختراقه، إنَّها خدعة الشعر وبلاغته الثقافية الجديدة على دورات الزمن والفصول ومكانية الذاكرة الجمعية:
أَحيانَاً يَخلعُ السَّنوَاتِ
مَرضَاةً لِفصولِ مَا يَرتَدِي
وَفِي حَصَى أيامِهَا يَخلعُ الذَّاكرَةَ
مَرضَاةً لِفُصُولِ مَا يَنكسِرُ!...
(اِحتيالٌ عَلى الفُصُولِ، ص 6)
ومما يدلُّ على وقع سمادير الكدر وغشاوة ألم التَّوجّع والضيق والحَيرة والمعاناة استخدام الشاعر حُسين الهاشمي الدقيق النابه للفظة (السنواتُ) الدالة على دلالة الضيق، ولم يقل لفظةَ (الأعوامُ) الدالة على رخاء العيش الرغيد وبحبوحة السِّعةِ. فالهاشمي حُسين يخلع سترة السنين وينتزعها انتزاعاً من حياته الشخصية إرضاءً لحركة دورات الفصول الأربعة المتعاقبة، وامتثالاً لواعية الزمن. تلك التي يرتدي فيها الشاعر لباساً شعرياً مناسباً لثوب كل فصل من فصول الألم والمعاناة والوجع والتِّيهِ والتَّشظي الذي يعتصر النفوس ويدمِي القلوب المستهامة الحَرَّى.
ومثلما كان الانزياح الأسلوبيُّ قائماً في خلع سترة (السنوات)، فإنَّه جاري الفعل ذاته في خلع سترة (الذاكرة) وانتزاعها من حياته ارتضاءً ومرضاةً لتلك الفصول التي أصابها العَطب والتَّلف والاستهلاك، ولم يعد لأنساقها الثقافية المحطَّمًة وجودٌ كوني في مشاهد الحياتية. فهذا المقطع الشعري التصديري يمثِّل بوابة الدخول المهمَّة لعالمه الشعري، ومثابةً أُسلوبيةً زمكانيةً مهمَّةً لقراءة معجمه الشعري الانزياحي وفهمه في مثابات مدينته الشعرية الفاضلة، مدينة الاحتيال على الزمن وخداعه بالشعر المبالغ فيه جماليَّاً وفنيَّاً.
إنَّها أشبه بمقاربة تصديرية بين يوتوبيا حُريَّة الرخاء والسعة، وديستوبيا القَيد وفُوضَى الضيق والألم وشدَّة المعاناة التي مرَّت بها ذاكرته الجمعيَّة حيالَ قَساوة يَدِ الزمن المتطاولة على الإنسان. وقد دفعه هذا الشعور الجمعي الإنساني المشترك إلى المزاوجة بين الذاتية الضيَّقة والذاتية الجمعية الواسعة، ومن ثمَّ الانفتاح نحو هُوِيَّة الآخر.فكانت عتبةُ الإهداءِ مَوسومةً بفعل الزمن وتوجُّعاته له؛ لذلك تصدَّرت كلمات الفَقدِ والرِّثاء الصَّادق صفحة الإهداء إلى روح أبيه ووأُمِّه وأخيه بهذا الحجم.
فلنقرأ كيف وظف الهاشميُّ حُسين الظروف الزمانية المبنية والمُعْرَبَةَ (حينَ، منذُ، لحظةٍ) في تأثيث لوحته الانزياحية التصورية في المقاطع الثلاثة الآتية التي جعلها عتبات إهداء لأبيه ووأُمّه وأخيه، فقد جاء في المقطع الأول الرثاء التذكُّري الصادق لأبيه فقال هاجساً بحرارة الفَقدِ الأليم:
إِلَى رُوحَ أبَي:
حِينَ دَفعتنِي الرِيحُ إلَى الخَلفِ
تَذكرتُكَ وَتذكَرتُ بِأنِّي وَحيدٌ
وَحيدٌ.. دَفعتهُ الرِّيحُ إلَى الخَلفِ...
(احتيالٌ علَى الفُصُولِ، ص 7)
فريح الزمن العاتية كالنت سبباً مُباشراً في دفعه إلى الوراء، وكانت ناقوس خطر يَدقُّ لتُذكِّرَهُ به وتعمل على عزله ووحدته جانباً. وتجسَّدت حركة هذا الدفع انزياحاً دلاليَّاً لذاته الشعرية، وقد تأكَّدت حركة الريح في رجوعه إلى الخلف بتكرار هذه الجملة التي يدلُّ تكرارها على إيقاع نسقي صوتي داخلي انزاحَ فيه الشاعر. وضمَّنه بتقنية الحذف والإضمار الذي ترك فيه الهاشمي فراغاً تركيبياً يدلُّ على انزياحٍ جُملي تركيبي نحوي مُنظَّم اخترق فيه الشاعر قواعد الجملة الشعرية لغايات جماليَّة وبلاغيَّة بعيدة. ويأتي المقطع الثاني من عتبة الإهداء فيقول مهدياً:
إلَى أُمِّي:
مُنذُ بُزوغِ الكَونِ
كُلَّمَا تُبَعثِرُ الأشيَاءُ مَباهِجِي
لَا أَرغبُ فِي تَسلُّقِ شَيءٍ، لَا
سِوَى مُرتفعاتِ دُعاءٍ كَالهدِيلِ
فِي كَونِي المُبَعثَرِ.
(احتيالٌ علَى الفُصُول، ص7)
مرَّةً أخرى يوظّف الهاشمي افتعالات الزمن معه من خلال الأداة الظرفية الزمانية (مُنذُ) التي افتتح بها المقطع الثاني، وأكَّد فيها بانزياحه الدلالي والإيقاعي الصوتي رغبته بعدم تسلُّق المرتفعات والأشياء التي لا تحقِّق رغبته الوجودية في هذا الكون المُبعثر، وكان يسعى إلى أنْ يكون تسلُّقه نغمةَ هديلٍ أو صوتَ حمَامٍ يغرِّد بشجنه في عالمه الغريب المُشتت. هكذا يخترق الهاشمي زمانه ويحتال عليه بهذه اللغة الشعرية الشفيفة الواعدة بشحنات الحزن والألم الممزوج بخيوطٍ من الأمل. المقطع الثالث من الإهداء فكان أهداؤه لروح أخيه الأحبِّ الأوفى سميرٍ:
إلَى رُوحِ شَقيقِي سَميرٍ..
عَلَى طَرَفِ لَحظةٍ تَلهُو بِنَا
كَالأطفَالِ يُدَحرجُونَ غَيمتَهُم وَلَا يُبَالونَ..
كَيف َغَافلتَ المَسَاءَ وَالسَّمَاءَ
وَقَفَزتَ مِنْ حِكَايَا بَيتِنَا الصَغيرِ
إلَى حِضنِ قَمَرٍ جَائِرٍ وَحَزينٍ..
لَا يُغادِرُ سًقفً العُمرٍ أبدَاً...؟
(اِحتيالٌ عَلَى الفُصُولِ، ص 8)
يستهل الشاعر مقطعه الثالث الذي خصَّ به شقيقه الفقيد سمير بالوقوف على شَفَا (لحظةٍ) من الزمن هي أقرب إلى هاوية السقوط. وقد سعى الهاشميُّ إلى أنْ تكون ذاته الشاعريَّةُ جمعيَّةً حتَّى انزاح شعرياً بكونه كالأطفال الذين يُدحرجون غيمتهم المُلَبَّدة ويَلقَون بها دونَ مُبالاةٍ أو كلعبةٍ تُدار بأيديهم. وهنا يفعل الانزياح الدلالي فعلته من خلال (طرفِ لحظةٍ)، و(يُدحرجُونَ) في حينَ الجناس الصوتي المختلف بن دالتي (المَساءِ والسَّمَاءِ) يؤكِّد بكلِّ وضوحٍ جماليات شِعريَّة الإيقاع الداخلي الصوتي لهذا المقطع الرثائي الصادق حينا أنسن القمرَ فجعل صورته الجميلة إنساناً حزيناً وجائراً.
والمقاطع الثلاثة تُدلِّل كُلَّ التدليل على شعرية الانزياح الانتهاكي للزمن والذاكرة المكانية والوجود الذي لم يعد وجوداً آمناً، بل صار مهدَّداً بالتطاول عليه والسقوط في شآبيب غيمته الماطرة. وهذه المقاطع على الرغم من صدق تكثيفها اللُّغوي وإشراقها المعنوي احتشدت بلغة الانزياحات الشِّعريَّة الثلاثة: ( الدلاليةُ والتركيبيةُ والصوتيةُ الداخليةُ)، فكانت مشحونةً بكمية الأسى والألم والضياع.
ومثل ما كتب الهاشميُّ رثاءً ذاتياً لأرحامه المقرَّبين، كتبَ قصائدَ وفاءٍ ومحبَّةٍ وتقديرٍ وتَبجيلٍ لكثير من الأصدقاء والشخصيَّات والرموز العالمية والمحلية القريبة منه والبعيدة عنه فكتب بصدقِ لـ (غارسيا ماركيز، ولسيزيفَ، ولغودوَ، ولحمزاتوفَ، ولرعد عبد القادر، ولدكتور لؤي حمزة عبَّاس، ولعيسى حسن الياسري، ولمُظفّر النَّواب، ولعلاء بشير، ولخالد الجيزاني، ولعلي عيدان عبد الله، ولجلال حسن)، و(للمكَاريد) من المُهمَّشين كما يحلو أن يُسميهم صديقه خالد الجيزاني.
وعلى الرُّغم من أنَّ (احتيالٌ على الفُصُولِ)، هي جملةٌ شعريَّةٌ إشكاليَّةُ تناقضيةٌ فيها الكثير من بلاغة المكر وجمال الخداع للحصول على شيءٍ من تلك الفصول بغير وجه حقٍّ، بيدَّ أنَّها في الوقت ذاته- تعدُّ تعبيراً لُغويَّاً مجازيَّاً محبَّباً لعنوانٍ شعريٍ رصينٍ يشدُّ وعي المتلقِّي، ويلفتُ نظر القارئ بموحياته النسقية المؤثَّرة؛ لِما فيه من تناقض لفظي صارخ واستعارةٍ بلاغيَّةٍ قويَّةٍ مؤثَّرةٍ الفعل.
وأنَّ هذه الموحيات اللُّغويَّة والجماليَّة تجعل من العنوان محاولةً لغويةً أُسلوبية إجرائيةً انزياحيةً لخداع الزمن نفسه واختراق قوانينه من أوسع أبوابه، أو للهروب من دورته الفلكية المعتادة في الطبيعة الحياتية الرتيبة. فالشاعر حُسين الهاشميُّ في جملته الاستعارية التشخيصية المكنيَّة (احتيالٌ على الفصولِ) يؤنسنُ الفصول المعنويَّة ويُحيلُها لإنسان هادئ يحتال عليه من خلال هذا الانتهاك.
إنَّ الهاشميَّ يحاول بجماليَّات لُغته جاهداً إيقاف دورة الزمن وعرقلته، أو تغيير عجلة مَجراه، وكأنَّ لسانَ حالهِ الآني ينطق قائلاً: (أنا الشاعر الأوحد أعيشُ خارجَ قوانين الطبيعة الكونيِّةِ) ونواميسها الفلكيَّة؛ من أجل إثبات وجوده الذاتي بآليَّات هذا الانزياح اللُّغوي التعبيري الأخَّاذ.
والانزياح الشعري على الرغم من أنَّ أصوله أتتْ إلينا من الأدب الغربي الحديث ونقده، فإنَّ فكرته في التراث العربي تعدُّ قديمةً، وإنْ لم تكن بهذا المسمَّى المتعارف عليه حالياً وحداثياً؛ لذلك فإنَّ الشاعر الهاشميَّ احتياله العذب الجميل على خصوصية الفصول الكونية واختراقه الجريء لدورة الزمن واستحضاره للمكان والذاكرة الجمعية تُحيلنا تداعياته الحدثية نقديَّاً إلى فكرة (سرقةِ الزمنِ) نفسها، وإلى محاولة فكرة (خُداعِ المُوتِ) اللَّتينِ وردتا في أشعار ومدوَّنات كثير من شعراء العرب القدامى، وخاصَّة الجاهليين من شعراء المعلَّقات السبع كاِمرِئ القيس بن حجر الكندي وغيره من شعراء الجاهلية وشعراءالإسلام الذين تطرقوا لهذه الفكرة الكونية في شعرهم القريض.
ولعلَّ هذا الغموض الفنِّي الذي يُغلِّف عتبة العنوان فيه من المُوحيات الدلاليَّة التي تُلمِّح بتمرُّد الشاعر وثورانه على الواقع الحياتي المعيش وتكسيره لعقابيل رهاناته التداولية، وبالتالي الخروج منه، ومن مُجاوراته الحقلية الدلاليَّة المُتمثِّلة بالهروب من حُمولات دورات ثنائية (الحزن والفرح) المتضادة التي تمثِّلُها عجلة الفصول الكونية الأربعة، والتي هي قمة الصراع الدائر بين الإنسان ابن العصر ودورات زمانه التي لا تعرف الوقوف؛ لذلك كان الهاشميُّ يَحتال على فصول زمانه بالتمرُّد الزمكاني تارةً، وبالاحتيال على الذاكرة تارةً أخرى، وعلى ربيعه وخريفه وصيفه وشتائه.
تَمثُّلاتُ الانزياحِ الشِّعريِّ:
للانزياح الشِّعري في ديوان حُسين الهاشمي (احتيالٌ على الفصولِ) ثلاثة أنواع من التمثُّلات الانزياحية: الأول الانزياح الدلالي، والثاني الانزياح التركيبي النحوي، والثالث الانزياح الصوتي.
1-الاِنزياحُ الدَّلاليُ:
تتجلَّى مظاهر الانزياح الشِّعري في شِعريَّة حُسين الهاشميّ وأكثرها حضورا وتأثيرا واسعاً بديوانه (احتيالٌ على الفُصُول) في انزياحاته الدلاليَّة التي تُعطي الكلمة معنىً دلاليَّاً غير مألوفٍ أو متوقَّعٍ في النفس للجمع بين الدال اللّفظي والمَدلول المعنوي بشكلٍ عجيبٍ وغير متوقَّعٍ، يَخلقُ فيها الشاعر صوراً جديدةً مبتكرةً في أُسلوبية التعبير المعجمية بلغةٍ شعريَةٍ ماتعةٍ ومُدهشةٍ على خلاف رِتْمِ اللُّغة العادية اليومية التي تستهلك الألفاظ والكلمات ولا تعطيها الجاني النسقي المُضمر فيها.
باعتبار أنَّ الشعر يأخذ الألفاظ نفسها وينزاح بها عن مكانها الحقيقي الأصلي، فيحتالُ الشاعر بالانزياح على قَيد لُغة الحياة المألوفة؛ لِيكسرَ الأُلفة بهذا التَّوقُّع الجريء المُفاجئ، ويُولِّدَ معاني أخرى جديدةً من خلال هذا الجمع الغريب بين ثنائيَّة الدال والمدلول؛ لِيَخلُقَ دلالةً جديدةً تختلف عما كانت عليه في الأصل، ويُحقِّقَ في الوقت ذاته المتعةَ الجمالية عند القارئ الذي يُذهلُ بها عقليَّاً وذهنيَّاً وفكريَّاً من خلال جُمل الشاعر التشخيصية الانزياحيَّة التي يبوح فيها متدفقاً شعوريَّاً.
ومثل هذا التوجُه العملي هو ما كان مركز اشتغالات الشَّاعر الهاشميّ في مجموعته (احتيالٌ على الفُصُولِ)؛ لذلك نقرِّبُ المسافة البنية في إشكالية الدراسة، فنسمِّي (الانزياحَ الشعريَّ) احتيالاً الذي حاول من خلاله حُسين الهاشميُّ خُداعَ إيقاع الزمنِ وتطويعه لفكرته شعريَّاً. واستمرأَ المألوف منه والذاكرة المكانيَّة بلغته الشعريَّة البلاغيَّة الجديدة التي انتهكت خطَّ المحيط الخارجي واحتالت عليه بالمفارقة الزمنية والنفسيَّة التي ترتبط بالانزياح في الشعر العربي الحديث، وخاصَّةً قصيدةَ النثرِ.
ولعلَّ قصيدة (خياناتُ قاربٍ لا يصدقُها البَحرُ) الدالة عتبتها العنوانية الرئيسة على وقعِ معانيها الانزياحية مليئةٌ بالانزياحات الدلالية اللَّفظية التي حرَّك فيها الهاشميُّ الساكنَ الجامدَ، وسكَّن فيها المُتحركَ المَائلَ بلغته الشعرية الواثبة التي ثُير فينا كوامن الشجن وتبعث همَّ النفوسِ على التأمُّل:
مِثلَ أُغنيةٍ تَئِنُّ فِيهَا الرِّيحُ عَلَى اِنفرَادٍ
وَنَحتشِدُ كَالمَدَى شَجرَةً عَارِيَةً..
(احتيالٌ على الفُصُولِ، ص 11)
لفظة (تئنُ) هي موضع الشاهد الدلالي على شعرية الانزياح اللُّغوي الذي صيَّرَ فيه الهاشميُّ الريح كإنسان موجع يئِن ويبكي من شدَّة الألم. وقد زاد على هذا الانزياح جمالاً حين جعل بُكاءَهُ وأنينهُ انفرادياً مَعزولاً عن أعين الآخرين ونظراتهم الاستعطافية القاتلة التي يمكن تفسيرها بِتجلٍّ.
ويأتي المقطع الأخير من قصيدة (سردٌ) مشحوناً بعلامات الرفض والاحتجاج والنفي وعدم اللِّقاء والتَّوحدُن بفصيلة واحدة مع (الطمأنينة) التي هي إحدى مُوحيات السلام والأمان. وأنَّ تكرار الفعل الماضي الناقص (ليس) الدال معناه على النفي والرفض مرتين أدَّى دوراً مهمَّاً في انزياح الشاعر الذي صيَّر فيه الدماء السائلة كشخصٍ ما يكتب بها سرداً عريضاً لأسمائه الأثيرة والمغيَّبة:
أيَتُهَا الطَّمأنينَةُ لَسنَا مَعَاً
لَسنَا مِنْ فَصيلَةٍ وَاحدةٍ
لَكِنَّ دِمَاءَكِ المُبَاحَةَ
تَكتُبُ بِالسَّردِ العَريضِ
أسماءَنَا المُغَيَّبَةَ... مَعَاً
(اِحتيالٌ عَلَى الفُصُولِ، ص 22، 23)
إن الدماء المستباحة حينَ تكتبُ سرداً عريضاً واسعاً غير محدَّدٍ بزمن تعدُّ فعلاً حركياً دلاليَّاً غير مألوفِ التوقُّعِ؛ لذلك أن الشاعر الهاشميَّ قد كسرَ إيقاعَ الحدث وحطَّم صيانة الزمنِ حينَ منحَ الدماءَ صفةً فعليةً وهي الكتابة ولأسماء خصّها بصفة الغياب، وهذا أسلوب ماتع وجميل الإدهاش.
والعجيب في شعرية حسين الهاشميّ الانزياحيَّة أنَّه لا يكتفي فيها الشَّاعر بتمرُّده على الواقع الرتائبي وكسر أسوار رهاناته وعقابيله اليومية المألوفة فحسب، وإنَّما راح يتمرَّد بقوةٍ على حياته الشخصيَّة ويجلد ذاته الشعرية الإنسانية الراكسة ويجرِّدُها من واقع صفاتها الانطباعية المعروفة. وقد أشار الهاشميُّ إلى مُتواليات ذلك الجلد الذاتي في خواتيم قصيدته التساؤليَّة (أَثرٌ) مُصرِّحاً القول:
تِلكَ حَياتِي السَّائحَةُ تَتَسَكَّعُ مِنْ دُونِي
نَسيَتْ أقدامَهَا كَمَا يَبدُو
وَاحتَفَظتْ بِالأثَرِ...
(احتيالٌ على الفُصُولِ، ص 33)
فعل الذاكرة (تتسكَّعُ)، والفعل الماضي (نسيتْ). وقد أخذ الأثر النفسي بعيداً منه حين وهب حياته حُريَّة الحركة والسير، فجعلها إنساناً سائحاً يتسكَّع ويقضي وقت فراغه الممل بالنزهة. وفي الوقت ذاته منحها أقداماً حركيَّةً وعقلاً تنسى وتتذكَّر به ما يحدث في الأثر. ومثل هذا التصوير الشعري المُنزاح الذي باحَ به الهاشميُّ لم يكن مألوفاً صورياً في واقع الحياة التداوليَّة وفضائها الجمعي.
فأنسنة الأشياء وتشيؤها لم يكن أمراً ذهنياً متوقَّعاً، وقد أضاف الهاشميُّ لذلك الجمال الانزياحي جمالاً سِحريَّاً آخر حينَ جعل هذه الحياة المعنويَّة -التي تحيا من دونه- ذاكرةً إنسانية تحفظ الأثر. إنَّها فعل الذاكرة الفردية والجمعيَّة حينَ يُسافر بها الشاعر بعيداً عن سرب المألوف اليومي المعتاد. وأضاف إلى الانزياح الدلالي انزياحاً تركيبياً آخرَ تجسَّدَ بنقاط الحذف أو الإضمار الاستتارية التي اجتمعت بمقاطع القصيدة الأخرى، وشكَّلت معماريةَ وحدةِ القصيدة الموضوعيَّة والعضويَّة الكليَّة.
ونذهب في سياق انزياحاته الشعرية الدلالية إلى مرابط قصيدته (القَريةُ) الدالة على مثابتها المكانية المعروفة، والتي أهداها إلى شاعر الجنوب المغترب في منفاه الكندي عيسى حسن الياسري، والّتي نقف فيها على المقطع الأول منها الذي أسبغ عليه الهاشميُّ شيئاً من روح الياسري ومن شعريته الجنوبية العذبة حين جعله إنساناً بِأُمَّةٍ قبل أن يكون شاعراً مُبدعاً في مشهد الشعريَّة العراقية:
لِأنَّه؛ يَعودُ بِأكتافِ المَدينةِ
تَرمِي الطُّرقاتُ أنفاسَهَا مَعاطفَ لِلحنِينِ
وَلكِنْ يَخلعُ فَأسَ مَتَاعبِهِ
يَتزلَجُ الأبُ عَلَى غَيمةِ الذَاكرةِ
وَيَجلبُ القَريَةَ لِلبَيتِ...
(اِحتيالٌ عَلَى الفُصُولِ، ص 100)
تحليلياً أنَّ مفتتح هذا النصّ الشعري الذاتي كان تعليلياً أو سببياً مفسَّراً بما قبله وبعده من حمولاتٍ فكريَّةٍ تحتفي بجلال شاعره الياسري المنشود بالوصف، وعلى وفق ذلك أو تلك السببية المفسَّرة فإنَّ جملاً شعريَّةً فاعلةً مثل (يَعودُ بأكتافِ المَدينةِ)، و(تَرمِي الطُّرقاتُ أنفاسَهَا مَعاطفَ للحنينِ)، و(يَخلعُ فَأسَ مَتاعبهِ)، و(يَتزلَّجُ الأبُ علًى غًيمةٍ الذَّاكرةِ) لم تكن أصداؤها الصوتية مسموعةُ لغوياً في الأُذن أو متداولة تقليدياً في قاموس الحياة العادي، ولم تكنْ متوقِّعةً في أذهان مشاهد التداولية؛ كونها مَشحونةً عاطفياً وإنسانياً بالصور الانزياحية الدلالية غير المعقولة سمعيَّاً.
بدليل أنَّ المدينة الكائن الوجودي والمعنوي الثابت الجمود لم تكن شكلَ أو هيأة شخصٍ له أكتاف بشرٍ أو حيوانٍ تتخيَّله حركيَّاً، وأن الطرقاتِ المُمتدَّة ليس لها أنفاس تعيش بها كإنسان على الهواء وتمضي باستمرارية الحياة، ولا يمكن أن ترمي معاطفها الأنثوية للحنين كما يرمي الشخص معطفه الذاتي ويخلعه عن نفسه، وليس للإنسان فأس متاعبٍ قاطعة حتَّى ينزعها من نفسه انتزاعاً، ولا يمكن أنْ يتزلَّج الإنسان العادي على فضاء غيمةٍ عاليةٍ ليس له وجودٌ مكانيٌّ فيها. والأروع أنَّ هذه الغيمة أو الغَمامة هي التي خُصَّت تعريفياً بغيمة (الذاكرةِ) الزمكانية للوجود المكاني الماضي.
فضلاً عن هذه الإشراقات الانزياحية الأُسلوبية التي باحَ بها الهاشميُّ أنَّه تمكَّن من جِلب الشاعر لقريته التي تمثِّل مثابته المكانية الأولى إلى بيته الأخير أو منفاه الاغترابي الخارجي البعيد عن وطنه الداخلي الأول. هكذا يخلق الشاعر الهاشميَّ معنىً شعرياً جديداً يحثُّ مجسَّات إحساسنا بالفعل والزمن ويستدعي عراقة الماضي بانزياحاته الصورية واسترجاعاته اللُّغويَّة الاحتيالية الماتعة كَحُلْمٍ بلغ المنال.
فالأفعال الخمسة المستقبلية الآتية: (يَعُودُ، وتَرمِي، ويَخلعُ، ويَتزلَّجُ، ويَجلبُ) أسهمت جميعها إسهاماً لغوياً وجمالياً كبيراً في تنوُّع انزياحات الهاشميِّ الشعريَّة، وأضفت عليها بعدًا جمالياً جديداً مُدهشاً لم يكن وقعه الحدثي مألوفاً في ذاكرة اللغة العادية المُكرَّرة الإسماع والترداد الصوتي.
لم تكن فُتوحاتُ الهاشميّ الشِّعريَّة وإشراقاته الانزياحيَّة الدلاليَّة مَقصورةً صورها البلاغية الجديدة على قصائد الديوان (احتيالٌ عَلَى الفُصُولِ) الداخلية فحسب، وإنَّما قد تتجاوز خطوطها الطولية والعرضية العامة والخاصة ذلك الفضاء الشعري الضيق إلى عنوانات المجاميع الشعرية الأخرى التي اختار منها قصائد الديوان الاحتيالية بعناية وفعل إدراكي خاصٍّ.
فعنوانات مجاميعه الأخرى مثل، (صديقُنا خطُّ الأفق)، و(الحَالمُ بثيابِ المِهنةِ، و(وثيقةٌ في الهَواء)، و(غَيمةٌ فِي عُكَّاٍز)، عتباتٌ عنوانيةٌ مَلأى بصورها المجازيَّة الانزياحيَّة دلاليَّاً، وقد كسرَ بها الشاعر الهاشميُّ خُططَّ توقُّع المألوف الأفقي النسقي الرتيب. ودلَّلتْ على رؤياً حُلُميةٍ وتجربةٍ فلسفيةٍ شعريةً نافذةٍ في ظلال الحداثة الشعريَّة من خلال قصيدة النثر التي كانت إحدى أجناس الشعرية التي كُتبت بها هذه المجاميع الشعرية المعبِّرة عن فعل معجميَّة الهَاشميّ وقاموسه الكتابي.
وليس كلُّ هذا ما تجود به شعريَّة الهاشميُّ التعبيريَّة وبلاغته اللُّغوية الاحتيالية من انزياحاتٍ دلاليَّة، بل تعدَّت إلى مواطن أُخرى من قصائد الديوان الداخلية التي وشمها بهذا البوح الجمالي الذي انزاح فيه ليعبِّرَ عن صدق تجربته الشعرية وآيدلوجيته الفكريَّة بمجموعةٍ كبيرةٍ من قصائد الداخلية الفرعية التي جاء مقارباتها الدلاليَّة بحمولاتٍ فكريةٍ جديدةٍ غير مألوفةٍ مثل، (خياناتُ قاربٌ لا يصدقها البحرً، ونَشيجٌ عتيقٌ، وصَفيرٌ في الوَجهِ، وصديقُنا خَطُّ الأفقِ، وسوءُ فَهمٍ بِطعمِ البِلادِ، والمَكَاريدُ، وحقائبُ لِعبورِ الطَّائرِ، وَتَحتَ خَريفِ المَظلَّات، وَغَيمةٌ فِي عُكَّازٍ، وتَأجيلُ الجَحيمِ، والهُبوطُ عَلى مَدرجِ السُّؤالِ قَليلاً)، وغيرها من القصائد الموضوعيَّة الأخرى التي زَيَّنت الدِّيوان.
وقد حاول الشاعر حُسينُ الهاشميُّ أنْ يجمع في انزياحاته الشعرية بهذه العتبات العنوانية المُذهلة بين ثنائيَّات ضِديَّةٍ عَديدةٍ مثل (الماَدي والمَعنوي)، و(الثقيلُ والخَفيفٌ)، و(المَعقولٌ واللَّامعقولُ)، و(والمُمكنُ وغيرُ المُمكنِ)، وبين (المُتحركِ والساكنِ)، و(الذَّاتي والجَمعِي) للخروج من أثر الذاتية الفردية الضيِّقة والانفتاح نحو هُوِيَّة الآخر الجَمعي بلغةٍ شِعريةٍ مُعجميَّةٍ جَديدةٍ، وبأُسلوبيَّة تَعبيريَّةٍ تُشخِّصُ دورة الزمن وحركته الدائرية الفاعلة، وتجعله قابلاً للمكر والخديعة والتحوُّل؛ كون الانزياحُ يُعدُّ وسيلته اللُّغويةُ الناجعةُ في الاحتيال على تجلِّيات الذاكرة الزمكانية للماضي وأداته التَّعبيرية للوصول إلى الأهداف والغايات الإنسانية المنشودة عبر تجليَّات هذه الشعرية النثريَّة.
2-الاِنزيَاحُ التَّركيبيُّ (النَّحويُّ):
هو النسق الانزياحي الجديد والثاني في هذه المدوَّنة الشعرية الذي كسرَ فيه الشاعرُ حُسين الهاشميُّ آلياتَ التلقي المَعرفي وآفاقَ القراءة العادية شعرياً واحتال في التوقُّع الجُملي الشعري غير المألوف لخلقِ جوٍّ عاطفيٍّ مشحونٍ وتوترٍ فِعليٍ ودلاليِ مُؤثِّرٍ يَمنحُ الجملة الشعرية التركبية تقديماً وتأخيراً؛ وفقاً لضرورات البلاغة الشعرية الجديدة وانسجاماً مع مقتضيات تيار الحداثة الشِّعريَّة.
ويحاول الشاعر في الوقت ذاته المناورة في تأثيث نصوصه الشعرية بتقنية (القطع والوصل) النحوي اللجُمل من خلال استخدامه لخاصية (الحذف الإضمار) أوالاستتار، وترك الفراغات النُقطيَّة والبياضات السطورية كجزء مفتعل من عملية الاحتيال الانزياحي التركيبي الذي يُنْشِئُ به بناء هندسة عمارته الشعرية ويُحكمُ به أساساته الجُمليَّة المَتينةَّ وفق نظام شعري إبداعي تراتبيٍ جميلٍ.
وبهذه الاشتغالات الشِّعريَّة الواعية التي أحكم الهاشميُّ بها مركزية تأثيثها وصيانتها وتوخي نظمها القواعدي التركيبي الشعري تتحقَّق شعرية الاحتيال بثنائية (النجاح والانكشاف). والسؤال الذي يفرض نفسه علينا كقرَّاءٍ ومُتلقِّين ويَستدعي الإجابة عنه في هذا المَقام الكشفي من الدراسة، كيفَ نستشعر إمارات النجاحِ الشِّعري ونتلمَّس خيبات الانكشاف الشاعري في الخطاب الشعري؟
متى ما يَستشعرُ القارئ الواعي أنَّ الصورة الشعرية الانزياحيَّة قد خدعته تعبيرياً وامتعته جماليَّاً بنفس الوقت، يكون قد تَذوَّق لحظات نجاح الاحتيال الانزياحي في الشعرية. ومتى ما أباح الشاعر بفشل المحاولة وتعثُّرها إجرائيَّاً، تكون قد بانت لحظات انكشاف الاحتيال الشعري وظهر رمادها الناري المُنطفئ للقارئ والشاعر معاً، فنكون قد جنينا ثمار حصاده من النجاح وصدق الانكشاف.
والقارئ النابه الذي يتتبع بتؤدة قصائد ديوان (احتيالٌ على الفُصُول) التي بلغت نحو (64) قصيدةً، سيلحظ بنفسه أنَّ ثلاثة نصوص شعرية منها قد وردت دون أنْ تُذْكَر عتباتاها العنوانية، ولم يسمِّها الشاعر بأيِّ اسمٍ عنواني، بل تركها عمداً لتقدير القارئ الواعي ونباهته، وكانت التفاتةً إلماعية ذكيةً من الشاعر حُسين الهاشميّ أنْ يجعل من متلقيه النابه يُشاركه فعل الكتابة معاً وليس فعل القراءة والامتاع بها فقط، وهذا هو النسق المضمر الذي يرمي إليه في انزياحاته واحتياله الشِّعري.
هذه الممارسة الإجرائيَّة الفعليَّة التي قلَّما نجد شعراءَ الحداثة المبدعين قد وظَّفوها في مدوَّناتهم الشعرية الجريئة تُعدُّ أُولى مَحطَّات الشاعر الهاشميّ التطبيقية في اشتغالاته التركيبية الانزياحية. وقد فضَّلَ الشاعر أنْ تكون هذه النصوص خاليةً من ذكر العنونة ليس نسياناً أو إهمالاً، بل كانت ممارسةً اشتغاليةً قصديةً يستفزُّ بها وعي القارئ العادي والناقد، ويُحرِّض بها حركة تفكيره الراكد.
وبدلاً من أنْ يضع أسماء لهذه القصائد الثلاث وضع قوسين هلالينِ فقط هكذا ( )، وسطهما بياض فارغ وخالٌ من أيِّ تسميةٍ عنوانية. وكانت القصيدة الأولى منها وردت في الصفحة (14) من الديوان على التوالي، والثانية وردت في الصفحة (21)، والثالثة وردت في الصفحة (47).
وبوصفي قارئاً ناقداً أُشاركُ الهاشميَّ فعله التعبيري المِقدام وأسلوبه المنزاح في تركيب الجملة العنوانية الأولى للقصيدة، فَاختارُ لها العنوان الآتي: (لُعبةُ الزَّمنِ القَمِيءِ)، واختار للقصيدة الثانية العنوان (رائحةُ المَكانِ المُحتَضَرِ)، أمَّا القصيدة الثالثة فأختارُ لها هذا العنوان، (احتفاءٌ بغيابِ الذاتِ).
وأنَّ اللَّافت للنظر أنَّ القصائد الثلاث على الرُّغم من كونِ فواتحها أو مقدماتها الاستهلالية قد جاءت جميعُها خَبريَّةً تًعبيريَّةً عن الذات الشاعرية في تماهيها وتقاربها مع هُويَّة الآخر الذات الجمعيَّة، فإنَّ بعضاً من جملها الشعرية قد جاءت تراكيبها النحوية بفراغاتٍ نقطيَّةٍ هكذا (...) تنمُّ عن حذفٍ وإضمارٍ في استتاراتها الخفيَّة، وهذا يعدُّ فعلاً إجرائياً من متطلبات الحداثة وما بعدها.
وَتُركتْ تتماتها لتقدير القارئ الواعي وفهمه لتجلِّيات الوحدة الموضوعيَّة التي تجسِّدها الواقعة الشعرية الحدثية لكلِّ نصٍ شعريٍ من هذه النصوص الشعرية الثلاثة التي احتال فيها الشاعر حسين الهاشميُّ على واقعة الزمان والمكان وعلى الماضي والاستلاب الذاتي. وكان موقف الهاشمي من هذا الاحتيال النحوي التركيبي موقفاً وجوديَّاً وليس بَطِرَاً أو ترفاً زُخرُفيَّاً أو جمالياً شكليَّاً. ونماذج التطبيق الشعري لهذه النصوص تشهدُ وتدلِّلُ على موقفه الجمالي الفنِّي في جُلِّ اختياراته الشعرية:
يَا لِهذَا الجَدارِ...!
مُنذُ مَتَى يُلقِنُ بَحرَ غَرائبِهِ..؟
فِي نُومِةِ هَديرُ البَاعةِ
وَعِندَ مُوسيقَى ضِفافِهِ أنَامُ..
(احتيالٌ عَلَى الفُصُولِ، ص 68)
لم يصف الهاشمي نوع هذا الجدار وقوته، بل كانت مناداته له استغاثةً تَعجبيَّةً منه، ولم يَقُلْ لنا أسباب نومه عند ضفافه التي فضَّلَ أنْ تكون تتماتُها لرأي المتلفِّي الذي يختار جواباً مناسباً لها.
ويتعالى صوت الشَّاعر الانزياحي وأُسلوبه التركيبي الماتع في نصِّه الشِّعري (مُمرَّاتٌ) الذي أهداه لصديقه الراحل الشاعر الميساني القدير علي عيدان عبدا الله وفاءً لذكراه الأليمة، وقد قسَّمه على أربعة مقاطع شعرية، كلُّ مقطع له واقعته الحدثية وصداه الرُّوحي والموضوعي في النفوس الِّتي تَستشعر رائحة الفقد وغياب الشِّعريَّة الحقيقية حزناً وأسىً عليه، حيث يقول واصفاً أثر خُطاه:
كُلَّمَا أمسَكَ بِالخُطَى
سَبقتهُ المُمَرَّاتُ إلَى النَّهرِ
وِإلَى نَجمٍ يَسقطُ مَا بَينَ يَديهِ
"هناك وأبعد"
(احتيالٌ عًلى الفُصُولِ، ص 71)
هذا هو المقطع الأول من قصيته (ممراتٌ)، والذي افتتحه الهاشميُّ بـ (كُلَّمَا) الشرطية غير الجازمة، والتي يُشترط في اسمها وجوابها أنْ يكونا فعلينِ ماضيينِ، الأول (أمسكَ)، والثاني (سَبقَ)، والانزياح التركيبي النحوي الذي احتال علينا فيه الشاعر يكمن موضعه الشاهد في الفعل الثاني (سبقته الممراتُ)، وكأنَّ المَمرَّاتِ رجلُّ له أقدام يخطو بها، وبدلاً من أنْ يبوح الشاعر مصرِّحاً فيقول إنَّ الممرات كالإنسانٍ لها أقدام سريعة أسرع من خطوات أرجل علي عيدان قال مُنزاحاً في تركيبه الجُملي الشعري (سبقتهُ المُمراتُ إلى النهرِ).يا لهُ من تَعبيرِ اختزل فيه الشاعر عجلة الزمن!
ومما زاد من حلاوة المقطع التركيببي وجماله سقوط النجم بين يديه، ولكنْ كيف كان السقوطُ؟ في مسافة مكانية كديوانِ الشاعر علي عيدان تتراوح بين البعيد والمُتوسِّط البُعد، وهذا ما أشار إليه الهاشميُّ باستخدامه للظرف (هُناكَ) الدال معناه على المكان المتوسِّط، والمسافة البعيدة بـ (أبعدُ).
أمَّا المقطع الثالث من القصيدة ذاتها كان موجِّهاً فيه التعبير إلى (الزَّمنِ) الذي منحه إنسانية مثل (الإرثُ المُتخفِّي)، فالإرث لا يتخفَّى، بل يُحفظُ ويُصانُ ويُوزَّع بعدالة الشرع والعرف الاجتماعي:
لِلزمنِ إرثٌ يَتَخَفَّى..
كًثيراً مَا يُواجهُكَ
فِي المَمرَّاتِ الفَصليَّةِ..
في المَمرَّاتِ إلَى الإفلَاسِ..
فِي المَمرَّاتِ الحَفيدِ..
بِعُيونٍ وَاسعةٍ لِلغُربَةِ..
(احتيالُ عَلى الفُصُولِ، ص 72)
لم يكتفِ الشَّاعر الهاشميُّ بالانزياح الفعلي (يَتخفَّى) الذي وصف به الإرثَ المَتروكَ، بل ذهبَ إلى تكرار ثلاث جُملٍ تجدُّدية): فِي المُمرات الفصليَّةِ..)، و(فِي المُمرِّ إلى الإفلاسِ..)، و(فِي المُمرِّ إلى الحِفيدِ..) وزاد على هذه الجمل جملةً تَجدُّديَّة رابعةً؛ لتأكيد بلاغة المعنى المقصود بهِ (الفضيلةُ، والإفلاسُ والحَفيدُ)، ونَزعِ الشَّكِّ عنها عند المتلقّي.
وعلى الرُّغم من أنَّ هذه الجمل الأربعة انتهت بنهاياتِ حَذفٍ نُقطيَّةٍ أو فراغيَّةٍ، فإنَّ الشاعر أهملها عمداً لتكون من شأنِ القارئ. وهذا الإجراء الانزياحي التعبيري للمقطع الشعري يُدلِّلُ كلَّ التدليلِ على أنه انزياح دلالي وتركيبي وصوتي (إيقاعي) احتال فيه الشاعر مجازيَّاً على متلقِّيه ليصل إلى مظاهر الجمال والإمتاع الذي يحبه القارئ في مثل هكذا انثيالاتٍ شعريَّةٍ مشاكسة للُّغة.
في قصيدته (غَرائبٌ يَوميةٌ) ينحرف الهاشميُّ في شِعريته الانزياحيَّة ويميل في احتياله الشعري علينا إلى تقنية (التقديم والتأخير) النحوي للجُملة الشعرية التي بنى عليها مقطعه الشعري. فلنقرأ المقطع الأوَّل من هذه القصيدة، والذي هو مُستهلها الأول؛ لكي نرى كيفَ وظَّفَ هذه الخاصيَّة التعبيرية لكشف الحقيقة الموضوعيَّة التي ألقتْ بظلالها على النصِّ الشّعري لُغةً ودلالةً وتركيباً:
فِي المَتاحِفِ لَيسَ هُنَاكَ دَينَاصُوراتٌ..
لَا هَياكِلَ لِلأُنسِ أيضَاً
وَلَا عَرباتٍ تَنقلُ الجِنَّ إلَى الأرضِ..
رَأيتُ هُناَكَ أَقنعةً خَلفَ المَرَايَا وَسَتائِرَ
تَكشفُ عَنْ زَيفِ المُهرجِينَ..
(احتيالٌ عَلَى الفُصُول، ص 88)
لو أمعنا النظر تأمُّليَّاً في تفكيك شفرات هذا المقطع الشعري الضارب في المكانية الشعريَّة لرأينا أنَّ الهاشميَّ ارتأى عامداً إلى أنْ يكون مُفتتح القصيدة أو بدايتها شبهَ جُملةٍ خبريَّةٍ (جاراً ومجروراً)، وبالتحديد عبارة (في المَتاحفِ). إجرائيَّاً خالف الشاعر النظام التقليدي النحوي المُعتاد عليه الرتيب في التركيب القواعدي، وبدلاً من أنْ يقول: (ليسَ هناكَ دَيناصوراتٌ فِي المَتاحفِ)، ذهب في تعبيره الشعري إلى تقديم شبه جملة الجار والمجرور (فِي المَتاحفِ)، فقال: (فِي المَتاحفِ لَيسَ هُناكَ دَيناصوراتٌ..)، ولم يكمل بقية ذيلِ الجملة وما يعنيه أويضمره عن تلك الديناصورات.
فضلاً عن ذلك أضاف تقنية الحذف لها جاعلاً من (في المتاحف) خبراً مقدَّماً لجملة (ليسَ) الفعليَّة الناقصة الدال معناها على النفي، مُفضِّلاً انزياحيَّة التقديم والتأخير على لُغة الحياة القواعديَّة العاديَّة لكسر إيقاع الرتائبية الواقعية، وليس ترفاً زُخرُفياً لفظيَّاً. ومما زاد من جماليته الشِّعريَّة الانزياحيَّة تقنية الحذف التي تخلَّلت هذا المقطع الشعري ومقاطع القصيدة الأخرى، فضلاً عن تَكرار جماليَّات (لا النافية للجنس) التي أكَّدت شِعريَّة الرَّفض الكُلي والنفي لها التي احتال بها الشاعر انزياحيَّاً.
إنَّ جماليات شعرية الانزياح التركيبي تختلف عند حسين الهاشميِّ من قصيدةٍ إلى أُخرى، فكلُّ قصيدةٍ لها طابعها البنائي والموضوعي العام، ولها مُناخُهَا الشعري الخاصُّ المغايرُ، وطبيعة طقوسها الموضوعيَّة، وإيقاعاتها الحدثية والمِهمازية التي تفرضها ذاكرةُ الواقعة الشِّعريَّة الزمانية والمكانية، فتأتي القصيدة النثرية بعذوبةٍ ضافيةٍ ومنقادةً تجرُّ أذيالها الشِّعريَّة إلى المُتلقِّي، وهي تمضي بواقعتها النفسية السِّحريَّة كما تمشي الفتاةُ الهُوينا على رسلها، فرحاً أو حزناً، أملاً أو ألماً وتأسياً. وهذا الشيء ما نستقرئه فنيَّاً وجمالياً بقصيدته الشموخية (آباء) التي يفتخر بها مُتحمساً:
بَينمَا أُسْدِلَتْ شِفَاهُ الحَربِ
عَثَرَ عَلَى نَفسِهَ يَنامُ وَاقِفَاً
وَيَداهُ مَشدودتَانِ إلَّى نَابضِ سَمَائِهِ
(احتيالٌ عَلى الفُصُولِ، ص 102)
لا يروق للشاعر في بوحه الشعري وتعبيره الأسلوبي أنْ يقول تعبيراً عامَّاً: (وضعت الحرب أوزارها) أو (انتهت الحرب الضروس). فهو يرى أنْ ذلك يُعدُّ تأطيراً وإملالاً ورتابةً ما بعدها رتابة، فكسر ذلك القيد التعبيري النسقي التقليدي بعبارة تركيبه النحوي فقال: (أُسدلتْ شِفاهُ الحَربِ)، أي أَغلقت فمها كأنها إنسانٌ له شفاه، ومما أضاف إلى ذلك الاحتيال الشعري هيبةً ووقاراً وجمالاً أنَّ نومه كان وقوفاً حينما عَثرَ على نفسه وسط هذا الجوِّ المفعم بانقضاء أجلِ الحرب الضَّروسِ.
وهذا الأمر يُحيل القول بأنَّ الهاشميَّ في انزياحاته التركيبية وأُسلوبه التعبيري القارّ لم يكن ميلهُ بطرَاً شعريَّاً باذخاً، وإنما كان لضروراتٍ حَتميةٍ تفرضُها تجلِّيات الواقعة الشعرية، وتَكشفُها انثيالات وَقَعِ الشعرية التي تعمل على تحطيم جُدُرِ الرتائبية التقليديَّة الصَماء بهذا الكسر النَّحوي للجملة، فيأتي احتيال الشاعر على اللُّغة التقليديَّة المألوفة في نظم تركيباته ودلالاته وإيقاعه الداخلي:
قَريبَةٌ مِنِّي أيتُهَا الخُطوَاتُ وَبَعيدةٌ..
لِأنَّكِ فِي حَبائلِ اليَابسَةِ
غَجَريَّةٌ دُونَ مَواسِمَ..
(اِحتيالٌ عَلَى الفُصُولِ، ص 106)
هذا مقطع تركيبي من قصيدة للهاشميِّ بعنوان (غَيمةٌ في عُكَّازٍ) الذي شحنهُ الشَّاعر بزخةٍ من المعاني الدلالية الكثيرة. مكانياً، الغيمةُ في السَّماءِ والعُكَّاز في الأرض، والغيمةُ قد تكون موسميَّةً زمانيةً، والعُكَّاز في كل وقتٍ حاصل، والغيمةُ شيءٌ أو حُلُمٌ مَعنويٌّ خَفيفٌ في حينَ العُكَّاز شيءٌ ماديٌّ ثقيلٌ، الغيمةُ تدلُّ رمزيَّاً على الهطول والحركة والاقتدار بَينما العُكَّاز يَدلُّ على العجز وصعوبة الحركةِ وعدم انتظام حركة السير. فضلاً عن جماليات طبيعة المقاربة بين قريبة وبعيدة.
فهذه المقاربة التناقضيية بين دالتي (الغيمة والعكَّاز)، هي ما دفعت بحسين الهاشميِّ إلى رسم لوحاتها الواقعية وأبعادها التجريبية الشعرية فنياً وجمالياً حينما شبَّهَ المٌتحرِك بالجامد الميِّت من خلال هذه التضاديات المتشابكة بينهما. فكيف تكون هذه الغيمة (النادرة) قريبة منه تارةً وبعيدة عنه تارةً أُخرى أشبه بالخُطى ؟ وهذا ما يسعى إليه الشاعر في صور انزياحاته الشعريَّة المتواثبة.
-إنَّ تعدُّد الصفات التناقضية مثل (قريبة وبعيدة) يعني تحايل على قانون الجملة القواعدية وعلى االتشبيه أو التشابهة بينهما. فالغيمة تكاد تكون قريبةً منه عندما تسقطُ في الأرض، وتبعد عنه عندما تكون في أعالي السماء، مثلَ خُطواته العاجزة التي يُقربُها العُكَّاز، ويَبعدُها مَسافاتٍ طويلةً. فخطواته الوئيدة أشبه بغجرية تعيش على اليابسة، ولكن ليس لها مواسم ما.
خاصَّةً وأنَّ الشَّاعر الهاشميَّ قد احتال علينا بلغته الشعريَّة حين شبَّهَ الشيءَ المَعنوي (الغَيمةُ) بالمادي (الخُطوات أو العكاز). وبهذا التحليل تكون الغيمةُ التي هي خفيفةٌ في مَبناها وثقيلةٌ في مَعناها (الأمل والخيال)، قد انزاحت كُليَّاً عن المألوف الواقعي فصارت شعراً غرائبياً حقَّقَ إبداعاً وابتداعاً مُهمَّاً في المتعة والإثارة والإدهاش عند القارئ.
3-الاِنزياحُ الصَّوتِي (المُوسيقِي):
وبما أنَّ مُدوَّنة (احتيالٌ على الفُصُولِ)، هي مجموعةُ نُصوصٍ شعريَّةٍ من جنس قصيدة النثر الشعرية الحديثة، وليست قصائدَ عَموديَّة أو تفعيليَّةً (حُرَّةً)، لها إيقاعها الخارجي (وزناً وقافيةً)، وموسيقاها الداخلية التي تميزها عن جنس النثريَّة الشعرية. فإذن الانزياح الصوتي عندَ حُسينِ الهاشميِّ مَقصوراً على توقُّعاتِ الإيقاع الداخلي للجُملة الشِّعريَّة النَّثريَّة، وخاصَّةً عند نزوع الحالة النفسيَّة أو حدوث الدفقة الشُّعورية التي تتعلَّق بالإيقاع الداخلي الصوتي الدلالي للدفقة الشِّعريَّة.
والحضور الفاعل لخاصيَّة أو تقنية التَّكرار الصوتي الحّرفي، والتَكرار اللَفظي للكلمة سواءٌ أكانت (اسماً أو حرفاً أو فعلاً)، والتكرار الجُملي أو المقطعي أو التكرار الجزئي، فضلاً عن التوقفات الجُمليَّة الشعريَّة وجماليات الطِّباق والبياضات السُّطوريَّة التي تظهر على الصفحة، والَّتي صارت جميعها هي الموسيقى الداخلية لقصيدة النثر الشعرية المائزة، فضلاً عن نسغها الصوري.
هناكَ سؤالٌ إشكاليٌّ مُلِحٌّ، لماذا يَنزاج الشاعر صوتيَّاً في إيقاعه الشعري الداخلي؟ وما الغايةُ أو السِّرُّ من ذلكَ الانزياح الأُسلوبي والانحراف التعبيري؟ وهل هو انزياح من أجل البطر والترافة أم من أجل الوجود الشعري؟ - من المؤكَّد أنَّ اللغة العاديَّةَ وظيفتها الأساسيَّة هي الإبلاغ والتوصيل والإخبار الإشهاري، أو كما يَفهمُها اللُّغوي ابن جنِّي ويُعرِّفُ حدِّها اللغوي، بأنَّها" أصواتٌ يُعبِّرُ بِها كُلُّ قَومٍ عَنْ أغراضِهم" الحياتية.
بمعنى ذلك أنَّ اللُّغة العاديَّة (لُغةُ الحياة اليوميَّة التداولية) لا تلفتُ انتباهك ونظركَ وتركيزكَ جَيِّداً إليها نفسها أو تُثير هواجسكَ المعرفيَّةَ وقلقك النفسي؛ كونها تقريرية عاديةً هامشية لا مَتنيَّةَ.
وهنا يأتي دور الشاعر الفذِّ فَيحتالُ على هذه اللُّغة، ويخدعنا بانزياحاته، وانجرافاته التعبيريَّة. وهنا أيضاً لا بُدَّ من التفريق بين صفتي الاحتيال الشعري، والكَذبِ الشِّعري المُهمَّين، فالاحتيال الشعري ليس هدفه التضليل الكاذب، بل يكشف للقارئ أو المتلقِّي لهذهِ اللُّغة الشعرية ما لم يكن يراه باللُّغة التقليديَّة أو العادية فَيُصدِّقُهُ. فلو قلنا في التعبير العادي جملة: (الزَّمنُ يَمضي) يختلف عن قولنا بلغة الانزياح الشعري: (الزمن يلبسُ عُكَّازاً)، أو نقول: (غَيمةٌ في عكاز) كما أراد حسين الهاشمي انحرافياً في قصيدته لهذه الغيمة الشعرية المُلبَّدة بالخير، العكَّاز النذير بالعجز أو للواقع.
وبهذه التجلِّيات الدلالية والتركيبية والصوتية الإيقاعية تنكشف جليَّاً حقيقة وأهداف الاحتيال الشعري، وتتفكك قواعدها الشِّعريَّة عند الشاعر حُسين الهاشميِّ بوصفها موقفاً وجوديَّاً خاصَّاً به، وليس موقفاً آليَّاً شكليَّاً وَزُخرفياً أو تَرفيّا باذخاً يسعى لتحقيقه في هكذا تعابير واحتيالات شعريِّةٍ.
يُعدُّ التَّكرار اللَّفظي للكلمة أداةَ الشَّاعرِ التعبيريَّة النافذة، ووسيلته الجماليَّة المُتجدَّدة في بثَّ انثيالاته الشعرية الإيقاعية الصوتية الداخلية للوصول إلى مرافئ أهدافه وغاياته المنشودة، ورؤاه التطلُّعيَّة الموعودة للتعبير عن آفاق آيدلوجيته الفكرية وتجربته الذاتية النابعة من واقع ضمير الأُمَّة، ومن رحمها الإنساني تُجاَهَ ما يحدث لرهانات الواقع المَعيش، وما يمكن أنْ يحدث آنيَّاً حاضراً ومستقبليَّاً.
وفي هذا التأصيل النظري للشعريَّة الانزياحيَّة تأتي قصيدة الشاعر حُسين الهاشميّ (أّمطارٌ) في ثلاثة مقاطع شعرية متراتبةٍ لتشتغلَ في ثلاثة مواضع مَطريَّةٍ على هامش الذاكرة الفكريَّة وعلى الواقع اللَّحظوي المعيش بمختلف أشكاله، وعلى المنفى المكاني، وعلى زمكانية الحدث.
والهاشميُّ وفق ذلكَ يُقسِّم نصَّه الشعريَّ إلى ثلاثة أحايين تتجدَّد صوتياً ودلاليَّاً. فيأتي المقطع الأوَّل (أحياناً سُقوفُ الفكرةِ تَكونُ وبَالاً)، والمقطع الثَّاني (أحياناً تَكونُ اللَّحظةُ تَشبيهاً)، والمقطع الثالث (أحياناً بَعضُ الفُصولِ نداءٌ..). وهكذا تظهر التمظهرات الحينية بتراتبٍ شعري واثب ومُتئدٍ.
فكلمة (أحياناً) هي اللَّفظة المفتاحية المحورية التَّكراريَّة المؤكِّدة للفعلية الحدثية والزمانية التي ينطلق منها الشاعر في بثِّ مقاطعه الشعرية الثلاثة، وكأنها توحي بما يضمرهُ الهاشميُّ من أفكارٍ تُجدُّديَّةٍ مُستترة وخطيرةٍ في هذه المقاطع المَطرية الثلاثة الهاطلة على المتلقِّي (زخَّاً وَتِسكاباً).
حيثُ تشي إيقاعاتها الصوتية مُخبرةً عن وحداتها الموضوعيَّة بأنَّ رُؤوسَ الأفكار المصيريَّة قد تكونُ أمراً وبَالاً على صاحبها، وأنَّ وقعَ اللَّحظة الحاسمة قد يكون مجردَ تشبيهٍ مُنزاحٍ، وأنَّ زمكانية بعض الفصول قد تكون نداءً صوتياً وتَنبيهاً لتقلُّبات الزمن وفعل تطاوله الحركي المُريبِ:
أحيانَاً سُقُوفُ الأفكَارِ تَكونُ وَبَالَاً
عَلَى مَأمنِ ذَاكرةٍ نَائِمَة
(اِحتيالٌ على الفُصُول، ص 92)
فإذا كانتْ شِعريَّةُ الانزياح قد كُتبتْ بهذه الصورة التعبيريَّة التأكيديَّة لكلٍّ مقطعٍ من مقاطع القصيدة الثلاثة،؛ فإنَّ تقنية تأثيث القصيدة قد جاءت مرتبةً بنظامٍ هندسيٍ معماريٍّ جميلٍ، فكلُّ مقطع له وحدته الفرعيَّة الثيمية الموضوعية ودلالته المضمونية (القيمية)، وله رِتمُ وقفته الشعورية التي انتهت بانتهاء المقطع نفسه بوضع علامةِ نجمةٍ، وكأنَّه قصيدةٌ قائمةٌ بذاتها العضويَّة القارَّة.
أمَّا الفعل المضارع (تَكونُ) الذي تَكرَّر مرتين فقد أسهم إسهاماً كبيراً في رسم اللَّوحة المُستقبليَّة الحينية أو (الأحيانية) التي كَان يَظنُّ بها الشَّاعر ما يحدث، وما يمكن أنْ يحدث له في الأحايين الثلاثة الأخرى المُعبِّرة عن فكر اشتغالاته التعبيرية عن (الواقع والذاكرة والزمن).وهنا تظهرأهمية الانزياح الصوتي الإيقاعي في احتيالات الشاعر الشعريَّة والشُّعوريَّة مَعاً حيالَ فصوله الزَّمكانيَّة:
أيُّ المَرايَا فِي تِلكَ المَخلوقاتِ:
* الفُوضَى
* الوَهمُ
* الخِيانَةُ
لَا الفُوضَى تُساوِي الوَهمَ..
لَا الوَهمُ يُساوِي الحُبَّ..
لَا الحَبٌّ يُساوِي الخِيانَةَ..
لَا الخِيانَةُ تُساوِي
مَا يَرَى وَمَا لَا يُرَى
فِي تِلكَ مَرايَا المَخلوقاتِ (احتيالٌ عَلى الفُصُول، ص 90)
يَضعنا حُسينُ الهاشميُّ في قصيدته (مَخلوقاتُ) الدالة عتبتها على معانيها الإنسانية والموضوعية المتناقضة إشكاليَّاً أمام أربعة خَياراتٍ اجتماعيةٍ وإنسانيَّةٍ، واضعاً في ذهنه تساؤله الفكري الآتي: أيٌّ من هذه المخلوقات الأربعة يُمثِّل المَرايا الصادقة في تساويه. الفوضى أمْ الوهمُ أمْ الحبُّ أمْ الخيانة في ما يُرى ما من الأشياء وما لا يُرى من تلك المخلوقات الكونية التي شغلتْ بَالَهُ كثيراً؟
-إنَّ الأكثر تأثيراً في بوح الشاعر وانثيالاتِ هذه القصيدة التكثيفية احتشاده التَّكراري لخمسةٍ من اللَّاءات النافية للمساوات والمقاربة ما بين هذه الفرضيَّات الفعلية الأربعة التي أطلق عليها جُزافاً اسم مخلوقاتٍ؛ كونها مؤثِّرةً وتشكلّ جزءاً من حياة الوقع الجمعي الكبير، فإنَّ تردُّدات (لا) النافية الخمسة وتكرارها بهذه الشاكلة التراتبية على شكل متواليةٍ حرفيةٍ يَمنحُ القصيدةَ النثرثيَّة إيقاعاً موسيقياً داخلياً وتأكيدياً، وُيسبغ على معانيها شيئاً من الروح الفكرية الهاجسة بهذه الدفقة الصُّوريَّة.
فهذه اللَّاءات الحرفية الخمسة المتكررة بقدر ما هي أدوات نفيٍ حرفيةٍ في التركيب الجُملي البنائي؛ فإنَّ وظيفتها الإيقاعية الداخلية هي تكرار الفعليَّة الحدثية للزمن وعدم القبول بهذا الواقع المُزري، وهي في الوقت ذاته دلالةٌ قاطعةٌ على صلابة الاحتجاج الشعري الذي يبوح به الشاعر.
ونذهب في خياراتنا الصوتية الأخرى إلى قصيدة (عَناقيدٌ يَوميَّةٌ) الفائزة بجائزة مركز النور الثقافي العالمية في السَّويد عام 2008م؛ لنرى كيفَ وظَّف حُسينُ الهاشميُّ تقنية التكرار الصوتي الإيقاعي الداخلي في المقاطع الثلاثة لقصيدته الطويلة المكثفة التي اشتغل عليها في احتيالاته الشعرية؛ لِيُمتِّعَ القارئ بنغم جَماليَّات توقعاته الصوتية هذه المرَّة اختار الشاعر لنا مفردة (الأسى) المشحونة؛ كونها إحدى أدوات الشَّاعر النفسيَّة الخارجة لفظيَّاً من رَحِمِ المُعاناة النفسية الجيَّاشة. وجاء المقطع الأول من القصيدة ذاتها ليؤكِّد لنا أنَّ دالة (الأسى) تُبذرُ فَتُولدُ من رَحِمِ الأزقة المكانية:
الأَسَى مِنْ دُونَ ضَجِيجٍ...
يُولَدُ مِنْ رَحمِ الأزقَةِ
وَتَستطيلُ عُيونُهُ بَحثَاً عًنٍ الشَّمسِ..
(اِحتيالٌ عَلَى الفُصُولِ، ص 54)
ويأتي المقطع الثاني من القصيدة مُتسائلاً ومُبيِّناً لنا أنَّ وقع (الأسى) لا يمكن إيقاف أثرهِ النَّفسي والحَياتي في حقول عدةٍ مثل، الحُروبِ، والحُقولِ والمَقاهي والحُبِّ والأحلامِ، وغيرها من الحقول:
الأَسى مِنْ دُونَ ضَجيجٍ
مَنْ يُوقفهُ فِي الحُرُوبِ
وَفِي الحُقُولِ وَفِي المَقَاهِي
وَفِي الحُبَّ والأَحلامِ
(اِحتيالٌ عَلَى الفُصُولِ، ص 55)
ولم يكتفِ حُسينُ الهاشميُّ بتَكرار إيقاع الأسى وتجدُّده في المقطع الثاني، وإنما راح يتساءلُ عمن يستطيع إيقافه بتكرار جرف الجر (في) ثلاث مرَّاتٍ في متواليةٍ صوتيةٍ اشتغل فيها على دوال حقلية ثلاث: (في الحقولِ)، و(في المقاهي)، و(في الحُبِّ والأحلامِ)، فإنَّ مثل هذا التكرار الصوتي الهادف للحرفية يهبُ المقطع الشعري إيقاعاً شعرياً داخلياً مموسقاً عذباً في حركة الشعرية الماتعة.
أمَّا المقطع الثالث من القصيدة نفسها جاء؛ ليعلن للمتلقِّي بأنَّ جملة (الأسى...) الذي يحدث دونَ ضًجيجٍ يقوم بنثرِ الدعواتِ لِغُيومٍ قَادمة، وَيُقدِّمُ الشُّموعَ المَضيئةَ احتفاءً وبهجةَ بِحفلِ المَجاهيلِ:
الأسَى مِنْ دُونَ ضَجيجٍ..
يَنثِرُ الدَّعواتِ لِغُيُومٍ قَادِمَةٍ
وَمُنذُ أربعينَ صَرخَةً
يُقَدِّمُ الشُّموعَ لِحفلِ المَجاهِيلِ..
(اِحتيالٌ عَلَى الفُصُولِ، ص 56)
وكان للأفعال المستقبلية المضارعة الثلاثة، (يُولَدُ، وَيُوقفُ، وَيَنثرُ) الأثر البالغ والكبير في رسم معالم المقاطع الشعرية الثلاثة في القصيدة وتأثيث فواتحها الاستهلالية (الأسى، من دُونَ ضَجيجٍ) بهذا التركيب الإيقاعي الصوتي الداخلي المتجدُّد فكرياً ومقطعيَّاً في تفعيل حركة المشاركة الزمنية الوثيقة مع أثر الواقعة الموضوعية الشعرية للقصيدة التي انزاح الشاعر تكراراً بلغته المجازيَّة.
النصُّ الشعري (تَنبيهٌ) الذي هو أصغر قصائد الديوان (احتيالٌ عَلى الفُصُول)، والذي تضمَّنَ تشكيله الشعري سطرينِ صَغيرينِ مُكثَّفين جِدَّاً شَكَّلَا بِنيةَ القَصيدةِ الشعريَّة ووحدتَها الموضوعيَّة التي أراد لها الهاشميُّ أنْ تكونَ تنبيهَاً ضوئيَّاً مُفارِقاً لِلقارئ لا تنويهاً له، اشتغل فيها الشاعر على تقنية التَّضاد والمُطابقة الجُمليَّة بينَ ثنائية (الأمسِ) التُّراثي و(اليومِ) الآني أو المعاصر الحضوري:
إبريقُ الأَمسِ
أيقونَةُ اليَومِ..!
(اِحتيالٌ عَلَى الفُصُولِ، ص 26)
فما كان إبريقاً بالأمسِ، أضحى اليوم أيقونةً رمزيةً لافتةً وعلامة سيميائية فارقةً. فشعرية هذا التنبيه التلميحي وموحياته الدلالية بين دالة (الأمسِ واليومِ) فعلت فعلتها في تقنية الانزياح الإيقاعي.
يوظِّف حُسينُ الهاشميُّ في قصيدته (صَديقُنَا خَطُّ الأُفقِ) الأداة الاستفهامية أو التساؤليَّة (مَنْ)، والدالة على العاقل سبع مرَّاتٍ؛ ليستفهم فيها عن موضوعاتٍ جمةٍ وعديدةٍ لها الأثر في الوجود الكوني. فيقول في الجزء الأول الذي يفتتح القصيدة به متسائلاً: مَنْ يَدوسُ عَلَى أقدَامِنَا..؟ (اِحتيالُ، ص36). ثمَّ يُكرِّر السؤال ذاته، ولكنْ بلهجةٍ أكثرَ أناقةً وتجدُّداً فيقول: مَنْ يَدوسُ عَلَى النَايِّ..؟ (اِحتيالٌ، ص36).
ويضيف إليه قائلاً: أَنفاسُنَا أُغنيةٌ قَصيرةٌ وأنينٌ بَعيدُ الأمدِ.. (احتيالٌ عَلَى الفُصُولِ، ص 36). ولكن التساؤل الأكثر بلاغةً في شعريَّةِ التَّكرار الفني بناؤه الانزياحي قوله: (مَنْ) التي لم يذكر فيها نوع السؤال، بل قد آثرَ ذلكَ التساؤل أنْ يكونَ من نصيبِ المُتلقِّي الواعي الذي يَملأ البياضَ بِرأيهِ الخاصِّ، ثمَّ أعادَ الكَرَّة هذه للمَرَّة الرابعة التساؤل بـ (مَنْ..؟) تاركاً بعده نقاطَ حذفٍ له. وبعدها يعود إلى صيغة التساؤل مرةً خامسةً بِمَنْ قائلاً: مَنْ عَلَّمَ المَجاهيلَ؟ وَعَطف عليه التساؤل السادس:
وَمَنْ عَلَّمَ خَطَّ الأُفقِ
كُلَّ هَذا الاِنتظارِ..
كُلَّ هَذَا الإصغَاءِ...؟
(اِحتيالٌ عَلَى الفُصُولِ، ص 36)
وقد عمد الشاعر تاركاً في تركيب الجمل نقاطَ حَذفٍ للقارئ حتَّى يتمكَّن منْ تَتمَّة السؤال المُلقَى على عاتقه فكريَّاً، ومِنْ ثُمَّ إيجاد إجابة له. أمَّا الجزء الثاني من القصيدة ذاتها، فيأتي مُفتتحه التساؤلي بـ (مِنْ) الاستفهامية للمّرَّة السابعةِ على التوالي فيقول في بدء مُستهله الافتتاحي:
مِنْ أينَ تَجِيءُ بِهَذَا..؟
سَمعتُ إشارةَ المُعلِّمِ
مِثلَ حَفيفٍ مَكسورٍ
يَخطفُ كُراسَةَ الحَربِ
وَرأيتُ صَوتَهُ يَغيبُ هُناكَ هُنَاكَ..
(اِحتيالٌ عَلَى الفُصُولِ، ص 37)
وبقدر ما كان ل (مَنْ) الاستفهامية من أثر كبير في الوصول للإيجابات التي يبحث عنها االشاعر في تساؤلاته الشعرية المتلاحقة، كان لدالة (كلَّ) التي تكرَّرت مرتين في تركيب الجملة المقطعي، والمشفوعة باسم الإشاره (هذا) حضوراً فعليَّاً مؤكداً لدلالات الحدث اليقينية وأضفت على الجملة الشعرية قوةً وجلالاً شعوريَّاً انزياحياً باذخاً عابراً لأفقِ الشِّعريَّة في فنيَّة التعبير الانحرافي.
أُسلوبيَّة الهَاشميِّ الشِّعريَّة:
إنَّ أهمَّ ما يُميِّزُ أسلوبية الشاعرُ الشاب الواثب حُسين الهاشميُّ رصانة لغته الشعريَّة، وقوة تعابيره الانزياحيَّة، وفعل مثابرته الشعريَّة، وميله الانحرافي البلاغي الجديد في رصفِ مجازاته اللُّغوية الجريئة وشجاعته الشعورية التعبيريَّة المِقدامة في مواجهة لُغة الحياة اليوميَّة التداوليَّة المعطوبة وجهاً لوجه في فنيَّة التعبير الشعري التي وسمت شخصيته الأدبيَّة شاعراً وإنساناً.
وقد آثر الهاشميُّ أنْ يكونَ وقعُ مَهمازهِ الشعري اللُّغوي مسوَّراً بحائط صدٍّ ثقافيٍ صُلْبٍ بديلٍ لذلك المُستهلك الطافي، وبقاموسٍ معجميٍّ ثريٍّ مُحتشدٍ من التعابير الصوريَّة، والأفكار التأمُّلية، والألفاظ الدلاليَّة المؤثِّرة التي كسر بها ناقوسه الشعري توقُّعات أنماط المألوف الحياتي التقليدي، مُعتمداً في ذلك الهجس الواعي على وثوقيَّة سعةِ موهبته وثقافته الشعريَّة المُكتسبة، وصدق تجربته الشِّعريَّة التي جسَّدَت آيدلوجيته الفكريَّة في تمكُّنه من أدواته الشعريَّة التعبيرية في تأثيث مُعجمه الشعري.
المُعجم الذي زخرَّ بنتاجاته الشعريَّة المُتعدِّدة في رسم لوحاته بقصائد نثريَّةٍ زاهيةٍ مُذهلةِ الأثر أضافت إلى مشهد الحداثة الشعريَّة وما بعدها شيئاً من شطآن الشعريَّة الحقَّة التي تُلبي ظمأ القارئ وتسدَّ مسدَّ احتياجاتِ المتلقِّي الفكرية والجمالية التي هي صفحاتٌ إبداعيةٌ مورقة وارفة الظلال، وعنواناتٌ جماليَّة تُضيء أروقة المكتبة الشعرية ورفوفها المعرفيَّة بكل ما هو نافع ومفيدٌ للنفوس.
***
د. جبَّار ماجد البهادليّ / ناقدٌ وكاتبٌ عراقيُّ







