عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

عبد المتقي: جمالية الانزياح في ديوان "فكرة صائبة عني" لإدريس علوش

نتوخى من هذه الملامسة النقدية، الإصغاء لجمالية الانزياح الذي تشخصه وتستضمره النصوص الشعرية في ديوان " فكرة صائبة " للشاعر المغربي إدريس علوش، الصادر في طبعة أنيقة عن خطوط وظلال للنشر والتوزيع بعمان، في 91 صفحة، ويشتمل القصائد التالية: فكرة صائبة عني، لا تلمسه، "آل" هؤلاء، الطفل البحري ثانية، أمانوفا، " القريقية"، الليل مهنة الشعراء وكفى، دالية الذهول، سر الكتاب، شرفة الأطلسي، على نفس اليابسة.

ولعل أول ما تقع عليه عين القارئ المقبل على هذه الباقة الشعرية، عنوانها الرئيس " فكرة عني " الذي يمنحه" هوية الرسمية.. وهو الذي يثير في المتلقي حفيظة الذائقة المرجوة من قراءته وتلقيه، ويثير فضوله 1"، من هنا غدا الوقوف عند هذا العنوان الذي اختاره لما يتوفر عليه من إغراء وإثارة، وقبول التأويل.

وعليه، جاء العنوان جملة اسمية تتكون من لفظتين:

- " فكرة، الفكرة تدل صورة ذهنية واقتراحا من خلال عملية التفكير العميق والتأمل،

- أما عني أنا الشاعر، مما يحيلنا إلى تجانس.

- سيرة الأنا وسيرة الكتابة لدى الشاعر.

سيرة

وباستكناهنا لمفهوم الانزياح بداءة، يتبدى لنا أنه من الظواهر الأدبية الهامة في الدرس النقدي الذي يقارب النص الشعري على أنه لغة مخالفة للكلام العادي والمألوف، لأن النص الأدبي على الدوام يروم تحقيق هويته من خلال الشذوذ والاختلاف عن الخطاب المتداول.

وفي ضوء هذا الفهم ؟:3

منزويا

في المكان كعندليب المساءات

تشدو قصيدة الغياب

بمفردك فاكهة الموت

على مرأى من نوارس الضفاف

وتضرب موعدا للرحيل المبكر

ا

ل

م

ك

ر

يختار الشاعر نوعا من الانزياح يستند فيه إلى تقنية تشظية الكلمات، وفق حروف موصولة بلواحقها، على شاكلة ملفوظ " م ب ك ر ا "، كما في النموذج التالي

الشيء الذي لم يألفه المتلقي أضفى على التعبير لونا من ألوان الشذوذ والنشاز والتمرد على التقاليد الشعرية، بيد أن هذه التشظية، تنسجم والسياق الشعري الذي يتوخاه الشاعر من " الانزواء، الغياب، الموت، الرحيل "، مرايا تعكس تمزقات الذات وتشظيها، ومن ثم تحويل حروف الكلمة إلى فواعل شعرية تدعم الواقع النصي.

 إن المقبل على نصوص الديوان يثير انتباهه كثافة خرق قانون الربط بين وحدات النص بالتخلي عن أدواته، وهذا لا يعني خلو النص من أي رابط يصل بين جمله بل لجأ الشاعر إلى الاستعاضة عنه بربط من طبيعة نفسية، ومن نماذج هذا الإلغاء تبنى تقنية ترك البياضات:

" وكأسك..؟

هل شربته عن آخره أولا..؟

*

معك أنا في خراب النص،

واللحظة،

والقصيدة..

يتبنى النموذج أعلاه، تقنية ترك بياضات فارغة بين المقاطع، تعويصا للرابط التقليدي: وبالرغم من ما يجمع المقطع من تنافر " الكأس، والقصيدة "، كما يبدو للقراءة الأولى، لكن بالإنصات يقيم وحدة عضوية باطنية للنص تتجلى في تجانس لحظة النبيذ ولحظة الكتابة، و الشعر "الشعر نبيذ في زجاجة" على رأي الشاعر الفرنسي " غيوم أبولينير"

نصادف إلغاء ثانيا للرابط اختار تقنية الترقيم و*ارتقاء بهذا الإلغاء يختار الشاعر لمقاطعه الشعرية عنوان قصيدته "ا ل ق ر ي ق ي ة "

الترقيم

ولا يخفى استثمار الشاعر الذي يعد خرقا لنقاوة اللغة وصفائها، وبعودتنا لنصوص الديوان نلفي عنوان منشدا إلى توظيف اللسان الفر

ومهما تكن حوافز هذا الانزياح التركيبي، فإن للشاعر دوافعه الخاصة، أسباب نزول نصه الشعري، ولعل من أبرزها، تطلعه إلى تحقيق خصوصية نصية يختلف بها عن المألوف والأعراف الشعرية المتداولة.

***

عبد الله المتقي

في المثقف اليوم