ضمنَ سياقَات المعرفة المعاصرة
يُعدُّ الاغتراب من أكثر المفاهيم الإنسانيَّة تعقيدًا وتشعّبًا، فهو لا ينحصر في البُعد الجغرافيّ أو الانفصال المكانيّ عن الوطن، بل يتجاوز ذلك ليصبح تجربةً وجوديَّةً ووعيًا داخليًّا يعكسُ انكسارات الذَّات في علاقتها بالعالم. نشأَ هذا المفهوم في أحضان الفلسفة، خاصَّة في الفكر الهيغليّ والماركسيّ، ليأخذ لاحقًا موقعًا مركزيًّا في الأدب والفنون، حيث تحوَّلَ إلى عدسةٍ نقديَّةٍ لكشفِ الاضطراباتِ النَّفسيَّةِ، والاجتماعيَّةِ، والسّياسيَّةِ التي تكتنفُ الإنسان المعاصر. ولعلَّ هذا ما يقودُنا إلى فهمِ موضوع الاغتراب وتحليله بوصفه حالةً إنسانيَّةً ومفهومًا ثقافيًّا.
و يُقارب الاغتراب في السّياق المعرفيّ، بوصفه نتاجًا لتبدّلات الحداثة وما بعد الحداثة، وتجليَّات العولمة، وسيطرة التّقنيّة، وفقدان المعاني الرَّاسخة، وهو ما يدفعُ الفنان والكاتب إلى مساءلة العالم، واستنطاق هشاشة الذَّات، والتَّفاعل مع الغياب أكثر من الحضور، فيكتسي الاغتراب طابعًا جماليًّا وأخلاقيًّا في آن.
وللاغتراب في الأدب والفنون تجليَّات متعدِّدة تتمثُّلُ في الآتي:
1- الأدب: من الاغتراب الوجوديّ إلى الاغتراب الثَّقافيّ: في الرّواية والشّعر، لا يُقدَّم الاغتراب فقط كفعل روائيّ، بل كموقف من العالم. في رواية "الغريب" لألبير كامو، مثلًا، نجدُ اغتراب (ميرسو) ليس فقط تجاه المجتمع، بل تجاه المنطق الأخلاقيّ السَّائد. وفي شعر السيّاب، يتجلَّى الشّعور باللاانتماء عبر استعارة الغربة عن الذَّات واللُّغة والمكان، حيث يتحوَّلُ الوطنُ إلى طيفٍ هاربٍ والهويَّة إلى سؤالٍ مفتوحٍ.
كما احتضنَ الأدب العربيّ الحديث بدوره الاغتراب كهمّ مركزيّ، وبرزَ ذلك في أدب المهجر، مثل كتابات (جبران خليل جبران، وأمين الرّيحانيّ) الذين عبّروا عن اغتراب مزدوج: جسديّ وفكريّ. هذا التَّعبير امتدَّ إلى الأدب الفلسطينيّ في المنفى، حيث الاغتراب مرتبطٌ بالفقدِ والانتماءِ المؤجَّلِ، كمَا يتَّضحُ في أعمالِ (محمود درويش)، الذي قال: "الحنينُ هو الاغترابُ حين لا يصبحُ الوطن قابلاً للعودة".
2- الفنون البصريَّة والمسرح: يتحقَّقُ الاغترابُ في اللّوحةِ الفنيَّةِ، عبر التَّشكيلات الغامضة والفراغات، كما في أعمال (إدوارد هوبر)، حيث تُبنى المشاهد على عزلة الشَّخصيَّات وانفصالها عن محيطها. في المسرح، يُعيد (بريخت) تعريف الاغتراب عبر نظريَّته في "تغريب المشاهد"، لجعل المتفرّج يتأمَّلُ الحدثَ دونَ أن ينغمسَ فيه، ممَّا يمنحه قدرةً نقديَّةً وتحليليَّةً للواقعِ.
حتَّى السّينما، تلك الفنّ المترابط بالأحاسيس الجمعيَّةِ، لم تُعفَ من تمثيل الاغتراب. أفلام مثل "Her" و"Lost in Translation" تقدّم شخصيَّات تائهة، تبحثُ عن تواصل غير ممكن، في عالم مفرط في الاتّصال ويفتقرُ إلى الدفء الحقيقيّ.
أهمّيّة دراسة الاغتراب بين التَّفكيك والتَّصالح: لا تُعدُّ دراسة الاغتراب ترفًا ثقافيًّا، بل ضرورةً لفهمِ الإنسانِ في لحظاته الحرجة. فالتَّأمُّل في حالات الانفصال الذّاتيّ والجماعيّ يمنح الأدب والفنّ طاقة تتجاوز حدود التَّعبير إلى إعادة تشكيل الوعي. الاغتراب ليس مجرَّد شكوى، بل سؤال فلسفيّ عن معنى الوجود، عن الهويَّة في زمن التَّعدُّد، عن الحضور في عالم يغلب عليه الغياب.
من خلال هذه المفاهيم، يمكنُ لهذا الكتاب الجماعيّ ببحوثه المتنوّعة أنْ يكونَ رحلةً لاكتشافِ الذَّات والآخر، والمساءلة عن وظيفة الفنّ والأدب كوسيطين في مقاومة التَّهميش والاغتراب، أو في التَّعايش معه وتحويله إلى مساحة إبداع.
الاغترابُ في الموسيقى والثَّقافة الرَّقميَّة: عزلةٌ داخل الاتّصال
الموسيقى أنينُ الذَّاتِ في العالمِ الحديثِ: في الموسيقى، يُجسّد الاغتراب لحظةَ انكشافٍ داخليٍّ، حيثُ يتحوَّلُ اللَّحنُ والكلمةُ إلى وسيلةِ استبطانٍ ومعانَاةٍ، لا مجرَّد أداء فنّيّ. أغاني الجاز والبلوز مثلًا نشأت من سياقات اغترابيّة، عبّرت عن ألم الأقليَّات والهويَّة المهمّشة، كما جسَّدت الموسيقى البديلة (Alternative music) نوعًا من التَّمرّد على نمط الحياة الاستهلاكيّ، وما يرافقه من فقدان المعنى.
وفي العالم العربيّ، ظهرت موجات موسيقيّة تعكسُ الاغتراب الوجوديّ والمجتمعيّ، كمَا في أعمال (زياد الرَّحبانيّ) التي تنتقدُ الواقع السّياسيّ والاجتماعيّ بسخريّةٍ ممزوجةٍ بالحزن، وأغانٍ لشباب الرَّاب تُعبّر عن انعدام الفرص، وفقدان الانتماء، وضبابيّة المستقبل.
الثَّقافةُ الرَّقميَّة الاغتراب في زمن التَّفاعل المُفرط: المفارقة الكبرى أنَّ التّقنيَّات الحديثة ووسائل التَّواصل الاجتماعيّ، التي وُجدت لتقريب النَّاس، أصبحت سببًا رئيسيًّا في تفاقم الشّعور بالاغتراب. فالفردُ في العصر الرَّقميّ يعيشُ حالةً من "الحضور الغائب"، متَّصلٌ دائمًا لكنَّه منقطعٌ وجدانيًّا. الصّور المُنمّقة، والهويَّة الافتراضيَّة المصنوعة، والبحث اللا متناهي عن الإعجاب، كلّها عناصر تعمّق الانفصال عن الذَّات الحقيقيّة، وتحوّل العلاقة مع العالم إلى واجهة متكلّفة.
حتّى في الإنتاج الثّقافيّ الرّقميّ، مثل الفيديوهات القصيرة والبودكاست، يُلاحَظ حضور خطاب الاغتراب، حيث يُصارح الشَّباب جمهورهم بمشاعر القلق، والتَّشتُّت، والوحدة، وكأنَّ الثَّقافة الرَّقميَّة أصبحت مرآةً تعكسُ هشاشةَ النَّفسِ المعاصرةِ.
ختامًا نقولُ: إنّ ظاهرة الاغتراب ليست مجرَّد سمة شعوريَّة أو ظرف اجتماعيّ، بل تُشكّل آليَّة خطابيَّة معرفيَّة تتخلَّل بنية النّص الأدبيّ، وتُسهمُ في توليدِ المعنى وتفكيكه في آنٍ واحدٍ. إذْ يتجلَّى الاغترابُ عبرَ تعدّديّة الصّور الفنيَّة والنّصوص الشّعريّة والسّرديّة والمسرحيّة والسّينمائيّة وغيرها، سواءً في الانفصال عن الذَّاتِ، أم عزلة الكائن عن العالم، أم التَّمزّق بين الانتماء والمنفى.
وقد أظهرَ التَّحليلُ أنَّ السّياقات المعرفيَّة— بما في ذلك السّياق الفلسفيّ، الاجتماعيّ، والجماليّ— تلعبُ دورًا مركزيًّا في إعادةِ صياغةِ مفهوم الاغتراب داخل النَّص، وتمنحهُ أبعادًا تتجاوزُ التَّمثيل إلى التَّأويل، حيث يصبحُ الاغتراب مسلكًا hermeneuticًا للكشفِ عنِ التَّوتُّراتِ الدَّاخليَّةِ بينَ الكاتبِ والعالَمِ، وبين الذَّاتِ والمعرفةِ، وبين اللُّغةِ وما ترمزُ إليهِ.
وهكذا، يمكن القول إن الاغتراب في الخطاب الأدبي لا يُختزل في تجلياته الشعورية، بل يرقى ليكون أفقًا معرفيًا يُعيد مساءلة الواقع والمعنى والهوية. ومن خلال التأويل، تتداخل الذات النصية مع الذات القارئة، ليصبح الفهم ذاته فعلًا مغتربًا ينتج المعنى عبر مسارات التباين والاختلاف لا من خلال اليقين أو التطابق.
***
بقلم: الأكاديميّة الجزائريّة: أ.د سعاد بسناسي
جامعة وهران1 عضو المجلس الأعلى للّغة العربيّة








