النصُّ بوصفه كائناً حيّاً في جدلية الذاكرة والتأويل
من أكثر المفاهيم التباساً في الفكر الإنساني مفهوم الهوية؛ ذلك أن الإنسان ظلّ، منذ فجر الفلسفة، يتساءل: هل الهوية جوهر ثابت لا يتغيّر، أم أنها سيرورة لا تتوقف عن إعادة إنتاج ذاتها؟ وإذا كان هذا السؤال قد شغل الفلاسفة وعلماء الاجتماع والأنثروبولوجيين، فإنه يكتسب عمقاً مضاعفاً حين ينتقل إلى ميدان الأدب، لأن الأدب ليس مجرد انعكاس للهوية، بل هو أحد أهم صُنّاعها. فالأمم لا تعيش بتاريخها السياسي وحده، وإنما تعيش أيضاً بالنصوص التي تحفظ ذاكرتها، وبالقصائد التي تصوغ وجدانها، وباللغة التي تمنحها اسمها في التاريخ.
ومن هنا فإن الحديث عن هوية الأدب ليس حديثاً عن جنسٍ أدبي أو عن خصوصية لغوية فحسب، وإنما هو حديث عن الكيفية التي يظل بها النص وفياً لجذوره، وقادراً في الوقت نفسه على التجدد، حتى لا يتحول إلى أثر متحفي فاقد للحياة، ولا إلى خطاب منبتّ الصلة بتراثه.
لقد كان هيراقليطس أول من أدرك أن الوجود قائم على التحول، حين قال إن الإنسان لا يعبر النهر مرتين، لأن النهر يتغير، والإنسان يتغير أيضاً. ولم يكن يقصد الماء وحده، بل كان يشير إلى أن الهوية نفسها ليست حالة سكون، وإنما حركة دائمة. وعلى النقيض من ذلك، رأى بارمنيدس أن الوجود واحد وثابت، وأن التغير مجرد مظهر خادع.
ومنذ ذلك الحين ظل الفكر الإنساني يتحرك بين هذين القطبين: الثبات والتحول. وقد حاول غيورغ فيلهلم فريدريش هيغل أن يتجاوز هذا التعارض من خلال جدلية التاريخ، حيث لا يُلغى القديم، بل يُستوعب في صورة أكثر اكتمالاً. فالهوية ليست نفياً لما سبق، وإنما تجاوزٌ يحفظ ويجدّد في آنٍ معاً.
ولذلك لم تعد الهوية، في الفكر المعاصر، جوهراً مغلقاً، بل مشروعاً مفتوحاً. وقد رأى بول ريكور أن الإنسان لا يمتلك هوية جامدة، بل «هوية سردية»، يبنيها عبر الحكايات التي يرويها عن نفسه وعن مجتمعه. فالنصوص ليست مجرد تعبير عن الهوية، وإنما هي التي تمنحها قابليتها للاستمرار.
أما هانس غيورغ غادامير فقد بيّن أن كل قراءة هي تأويل جديد، وأن النص لا يظل هو نفسه، لأن القارئ يتغير، والسياق يتغير، وأفق الفهم يتغير. وهكذا تصبح الهوية الأدبية فعلاً تأويلياً دائماً، لا نسخة جامدة من الماضي.
إذا انتقلنا إلى الأدب، وجدنا أن النص العظيم لا يعيش لأنه ثابت، بل لأنه قادر على أن يولد في كل عصر من جديد. إن قصائد المتنبي ليست هي ذاتها عند قارئ القرن الرابع الهجري وعند قارئ القرن الحادي والعشرين، مع أن كلماتها لم تتغير. الذي تغير هو أفق القراءة، وأسئلة العصر، ومنظور المتلقي.
وهذا ما أدركه ميخائيل باختين حين رأى أن النص يعيش في حوار دائم مع نصوص أخرى، وأن معناه يتولد من هذا الحوار المستمر. فلا وجود لنص مكتفٍ بذاته، لأن اللغة نفسها فضاء للتعدد والتفاعل.
ويذهب رولان بارت إلى أبعد من ذلك عندما أعلن «موت المؤلف»، ليؤكد أن النص، بعد ولادته، لا يعود ملكاً لكاتبه، بل يصبح ملكاً لقرائه وتأويلاتهم. وهنا تتحول الهوية الأدبية من سلطة المؤلف إلى ديناميكية القراءة.
أما جاك دريدا فقد كشف أن المعنى لا يستقر في نقطة نهائية، بل يظل مؤجلاً عبر شبكة لا تنتهي من الإحالات اللغوية. ومن ثم فإن الهوية النصية ليست كتلة صلبة، بل أفق مفتوح على احتمالات لا تنفد.
لقد تنبّه المفكرون العرب إلى هذه الإشكالية مبكراً. فقد ش
أما محمد أركون فقد اعتبر أن كل تراث يعيش بقدر ما يقبل التأويل، وأن النصوص التي تُغلق أمام الأسئلة تتحول إلى آثار جامدة تفقد قدرتها على إنتاج المعرفة.
ورأى عبد الله العروي أن الهوية لا تُصان بالخوف من الحداثة، وإنما بالدخول الواعي في التاريخ، لأن المجتمعات التي تعجز عن التجدد تفقد قدرتها على الإبداع.
ويؤكد حسن حنفي أن التراث مشروع مفتوح، وأن قيمته تكمن في قابليته لأن يُعاد إنتاجه في ضوء حاجات العصر، لا أن يُستعاد بوصفه نموذجاً نهائياً.
ومن الناحية اللغوية، أثبت فرديناند دي سوسير أن اللغة ليست قائمة كلمات، بل نظام من العلاقات، وأن المعاني تتحدد داخل هذا النظام المتحرك. ولذلك فإن اللغة تحافظ على هويتها لا بالجمود، وإنما بقدرتها على التطور.
وجاء نوام تشومسكي ليكشف عن البنية العميقة المشتركة بين اللغات، مؤكداً أن الإبداع اللغوي جزء أصيل من الطبيعة الإنسانية. فاللغة، مثل الهوية، تجمع بين الثبات في بنيتها الأساسية، والتحول في استعمالاتها.
أما الأدب، فإنه أكثر عناصر الهوية قدرة على الجمع بين الأصالة والتجدد. فالقصيدة العربية لم تعد هي القصيدة الجاهلية، ولا قصيدة العصر العباسي، ولا قصيدة التفعيلة، ولا قصيدة النثر، لكنها بقيت عربية لأنها حافظت على روحها الجمالية وإن تبدلت أدواتها.
وهنا تتجلى عبقرية الأدب؛ فهو لا يحمل الهوية كما يحمل الوعاء ماءه، بل يعيد تشكيلها باستمرار. فكل شاعر كبير يضيف طبقة جديدة إلى هوية اللغة، وكل روائي عظيم يوسع أفق الذاكرة الجمعية، وكل نص خالد يعيد تعريف الإنسان.
إن الأدب لا يكرر الهوية، بل يبتكرها. فهو لا يكتفي بوصف الواقع، وإنما يمنح الأمة صورة جديدة عن نفسها، ويكشف لها إمكانات لم تكن تراها. ولذلك كانت الأمم التي فقدت أدبها قد فقدت جزءاً من ذاكرتها، بينما استطاعت الأمم التي حافظت على أدبها أن تحافظ على وجودها حتى في أشد لحظات التشتت.
إن أخطر ما يواجه هوية الأدب اليوم ليس التفاعل مع الثقافات الأخرى، بل الانغلاق الذي يحول التراث إلى معبود، أو الذوبان الذي يجعل النص تابعاً لغيره. فالثقافة التي لا تتحاور تموت، والثقافة التي تستسلم تذوب، أما الثقافة الحية فهي التي تدخل في حوار مع العالم دون أن تفقد صوتها الخاص.
لقد أثبت تاريخ الآداب العالمية أن الإبداع العظيم يولد عند تخوم اللقاء بين الذات والآخر. فالأدب العربي ازدهر حين انفتح على الفلسفة اليونانية، وعلى التراث الفارسي والهندي، كما ازدهرت آداب أوروبا حين أعادت اكتشاف التراث العربي واليوناني معاً. ولم يكن هذا التفاعل انتقاصاً من الهوية، بل سبباً في ازدهارها.
إن هوية الأدب ليست ماضياً يُستعاد، ولا مستقبلاً يُنتظر، بل هي فعلٌ إبداعي متجدد، يتشكل في كل نص جديد، وفي كل قراءة جديدة، وفي كل حوار صادق بين الذاكرة والابتكار.
فالهوية الحقيقية ليست تلك التي تخاف من الزمن، وإنما التي تمتلك القدرة على العبور خلاله دون أن تفقد روحها. والأدب العظيم هو الذي يظل وفياً لجذوره، لكنه لا يسمح لها أن تتحول إلى قيود؛ ينهل من الذاكرة، لكنه يكتب للمستقبل؛ يحرس اللغة، لكنه يفتحها على آفاق جديدة من الدلالة والجمال.
وهكذا يغدو الأدب، في أسمى تجلياته، ليس مرآةً للهوية فحسب، بل أحد أهم صُنّاعها، وحارساً لذاكرتها، ومختبراً دائماً لتحولاتها، ودليلاً على أن الهوية ليست حجراً ساكناً، وإنما نهرٌ حيّ يجري عبر التاريخ، محتفظاً باسمه، ومتجدداً في مياهه.
***
بقلم: عماد خالد رحمة - برلين








