في قصيدة "تعليقُ مغارةٍ في العالم" للشاعرة التونسية أفراح الجبالي
تندرج قصيدة «تعليقُ مغارةٍ في العالم» ضمن التجارب الشعرية العربية الحديثة التي تجاوزت حدود التعبير المباشر إلى بناء منظومة رمزية كثيفة تستدعي الذاكرة الإنسانية الأولى، وتستثمر اللغة بوصفها أداةً للكشف لا للوصف. فالنص لا يسعى إلى رواية حدث، وإنما إلى تشييد عالم شعري تتداخل فيه الأسطورة بالطبيعة، والوجود بالتاريخ، والذات بالمطلق، فتغدو القصيدة فضاءً تأويلياً مفتوحاً على احتمالات متعددة.
وتُعدّ الشاعرة التونسية أفراح الجبالي من الأصوات التي راهنت على قصيدة الرؤيا، حيث تتجاوز اللغة وظيفتها الإخبارية لتصبح طاقةً رمزيةً تولّد المعنى عبر الانزياح والإيحاء. لذلك يغدو عنوان القصيدة «تعليقُ مغارةٍ في العالم» مفتاحاً سيميائياً أساسياً؛ فالمغارة ليست مكاناً جغرافياً، بل رحم الوجود، وذاكرة الإنسان الأولى، وفضاء الحماية والتكوين، بينما يوحي فعل «التعليق» بحالة بينية معلّقة بين الولادة والعدم، وبين الماضي والمستقبل، فيتحول النص إلى سؤال أنطولوجي حول مصير الإنسان وعلاقته بالطبيعة الأولى.
مكانة أفراح الجبالي في الشعر العربي المعاصر:
تنتمي أفراح الجبالي إلى جيلٍ شعريٍّ يكتب قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر برؤية حداثية تستثمر الرمز والأسطورة والتشكيل اللغوي المركب. ولا تقوم تجربتها على البلاغة التقليدية، بل على اقتصاد العبارة وكثافة الصورة، مما يجعل نصوصها أقرب إلى القصيدة المفتوحة التي تستدعي قارئاً منتجاً للمعنى، لا متلقياً سلبياً.
وفي هذه القصيدة تؤكد الشاعرة انحيازها إلى الشعر بوصفه فعلاً معرفياً، حيث تتحول المفردات اليومية إلى علامات حضارية وإنسانية تتجاوز مدلولها المباشر.
مناسبة القصيدة وعلاقة العنوان بالنص:
لا يصف النص حدثاً بعينه، بل يؤسس لرؤية شعرية تستعيد بدايات الإنسان الأولى. ويتجلى ذلك منذ المطلع:
««مازال بإمكاننا
سحب ذلك الوحش الصغير، قبل أن يبدأ صراخه في القاموس.»»
فالوحش هنا ليس كائناً مادياً، بل استعارة للغرائز الأولى قبل أن تؤطرها اللغة، بينما يصبح القاموس رمزاً للحضارة التي تروّض الفطرة.
أما المغارة فتتكرر دلالياً عبر مفردات: الكهف، الجدران، الحجر، البيضة، الطين، العناصر، بما يجعلها مركز البنية الرمزية للنص، أي المكان الذي تنبثق منه الحياة واللغة معاً.
الأسس اللغوية والبلاغية:
تمتاز لغة القصيدة بسلامة نحوية واضحة، رغم اعتمادها على التركيب المفتوح والحذف والانقطاع، وهي سمات تنتمي إلى الكتابة الشعرية الحداثية.
وتقوم بنية الأسلوب على الجملة الفعلية التي تمنح النص حركةً دائمة:
««مازال بإمكاننا...»
«يمكننا...»
«يدفع بجناحيه...»
«نتذوق البياض...»»
ويتجلى الانزياح اللغوي في إسناد الأفعال إلى غير مألوفها، مثل:
««النور يحاول أن يقول الاختباء.»»
فالقول فعل إنساني، لكنه يُمنح للنور، فيتحول الضوء إلى كائن واعٍ، وهو انزياح يفتح المجال لتعدد التأويلات.
كما تظهر بلاغة الاستعارة في قولها:
««نحته هنا في السمكة، في المشط، في القوارب.»»
إذ تتحول الأشياء اليومية إلى خزائن للذاكرة الجمعية.
أما فصاحة اللفظ فتنبع من انتقاء ألفاظ ذات جذور عربية أصيلة: الطراوة، الصدفيات، الملوحة، الكهف، العناصر، الجدران، البياض، وهي مفردات تمنح النص عمقاً معجمياً وتناسقاً دلالياً.
الإيقاع والمعمار الصوتي:
تنتمي القصيدة إلى الشعر الحر الذي لا يلتزم بحراً عروضياً واحداً، بل يقوم على تفعيلات متجاورة تتفاوت أطوالها، مع المحافظة على إيقاع داخلي متماسك.
وتنهض الموسيقى الداخلية على وسائل متعددة، أهمها:
- التكرار، ولا سيما العبارة المحورية:
««مازال بإمكاننا...»»
التي تتكرر لتؤسس إيقاع الرجاء والإمكان في مواجهة الانطفاء.
كما يتكرر الضمير الثنائي:
««أنا... أنت...»»
فيتحول إلى إيقاع نفسي يؤكد وحدة المصير.
ويبرز التوازي التركيبي في قولها:
««أنا
أنت»»
ثم:
««أنت
أنا»»
وهو توازٍ يعكس اندماج الذات بالآخر.
وتقوم الموسيقى أيضاً على هيمنة أصوات الميم والنون واللام، وهي حروف رخوة ذات امتداد زمني، تضفي على النص نبرة تأملية هادئة، بينما تمنح القاف والكاف والحاء بعداً صخرياً ينسجم مع فضاء الكهف والحجر.
أما الوقفات الشعرية القصيرة فتخلق إيقاعاً نفسياً متقطعاً، يوحي بأن المعنى يولد على دفعات، كما في:
««أنا
أنت
مازلنا نحترق نظيفين.»»
البنية الفنية والجمالية:
تعتمد القصيدة وحدة عضوية متماسكة، إذ تتنامى الصور حول محور واحد هو المغارة باعتبارها أصل التكوين.
وتتحرك الحقول الدلالية بين الطبيعة:
««السمكة، القوارب، الطين، البيضة، الحجر، المياه.»»
والجسد:
««الملوحة، الريش، المخلب، اللحوم.»»
والنور:
««البياض، النور، العناصر.»»
وهذا التشابك يمنح النص بعداً كونياً.
أما الصورة الشعرية فتقوم على التراسل الحسي، كما في:
««نتذوق البياض.»»
فالبياض يُرى ولا يُذاق، غير أن الشاعرة تنقل الإدراك من البصر إلى الذوق، فيتولد انزياح جمالي بالغ التأثير.
وتبلغ الصورة ذروتها في خاتمة القصيدة:
««كهفنا
ينصت
وحسب.
الجميل يثغو.»»
فالجميل لا يُعرَّف، بل يُجسَّد في صوت الحمل، ليصبح الجمال ولادةً وبراءةً في آن واحد.
القراءة السيميائية:
ينهض النص على شبكة من العلامات المركزية:
- المغارة: الرحم الكوني والذاكرة الأولى.
- الوحش الصغير: الغريزة قبل التهذيب الثقافي.
- البيضة: أصل الخلق والخصوبة.
- البياض: النقاء والبعث.
- الحجر: التاريخ والرسوخ.
- النعامة: الانبعاث والحياة في البيئات القاسية.
- الكهف: العزلة الخلاقة، لا الانغلاق.
وتتكامل هذه العلامات لتنتج خطاباً شعرياً عن ميلاد الإنسان من رحم الطبيعة.
القراءة الذرائعية:
وفق المنهج الذرائعي، لا يكتفي النص بجماليته، بل يؤدي وظيفة فكرية واضحة؛ إذ يدعو إلى استعادة الإنسان لبراءته الأولى، وإلى إعادة بناء العلاقة بين الذات والطبيعة بعيداً عن اغتراب الحضارة الحديثة. لذلك فإن تكرار عبارة «مازال بإمكاننا» يمثل دعوة إلى المقاومة الروحية، وإلى عدم الاستسلام لخراب العالم.
القراءة النفسية:
تكشف القصيدة عن لاوعي جمعي يستدعي رموز الطفولة الأولى والأم الكبرى والكهف بوصفه مكان الحماية. فالذات الشعرية تبدو منشطرة بين الخوف والرجاء، لكنها تنتهي إلى المصالحة مع العالم عبر صورة البياض، بما يجعل النص رحلة علاجية نحو استعادة التوازن النفسي.
خاتمة:
تُعدّ «تعليقُ مغارةٍ في العالم» نصاً شعرياً بالغ الكثافة، يجمع بين عمق الرؤية وجمال التشكيل اللغوي، ويبرهن على قدرة أفراح الجبالي على بناء عالم شعري تتضافر فيه البلاغة والأسلوبية والسيميائيات في نسيج واحد. وقد نجحت الشاعرة في تحويل المغارة من فضاء مكاني إلى رمز وجودي جامع، وفي تشييد قصيدة تجعل اللغة نفسها كهفاً للمعنى، يظل مفتوحاً على قراءات لا تنتهي. ومن هنا تنتمي هذه القصيدة إلى النماذج الحداثية التي لا تُقرأ مرة واحدة، بل تُعاود كشف أسرارها كلما أُعيد الإصغاء إلى نبضها الداخلي وإلى صمتها المضيء.
***
بقلم: عماد خالد رحمة – برلين
........................
تَعلِيقُ مَغَارةٍ في العالَم
مازال بإِمْكاننا
سَحْب ذلك الوحْشِ الصَّغير، قبل أن يَبْدأ
صُراخَه في القامُوس.
*
مُعلَّقيْن
و مُهْمَليْن
مازال يمكننا نحْتُـه هُنا في السَّمَكة، في المُشط، يمكننا
في القوارب أيضا
الحمراء، الطِّينِيّة،
فهذا النّحت الجَبليُّ مَخزوناتُنا، لشتاء جِبال الشَّمال.
*
مازال بإمكانه التحَقُّق
في هذه الطّراوة، والنورُ يحاول أن يقول الإختباء،
في الكهْف الأشْهى
و في قِدْر الأشباح عند التأهُّب لحياتِها - الطَّراوة -، على الجُدران،
أقول كلماتٍ طقْسِّيَّة صغيرة
بالأمان ذاتِه
الذي تأخُذُه العناصر .
*
أنا
أنت
مازلْنا نَحْترق نظيفيْن
كالمياه
في سفْح
و كمِخْلَب في اللُّحوم النَّجْميَّة
*
مازال يمكن للنَّفْس
أن تَزْحف
تحْت صَدفيّات المُلُوحة
و تحت خوْف ريشِنا الرَّماديّ وهو يجْري.
*
يدفَعُ بجناحيْه
كمعنى الشُّكْر والرَّحمة
و مِثْل المَدى في خُلودِه القويِّ، الآن وقدْ أعْطانا بياضَهُ المُدوَّر
الآنَ، نتَذوَّقُ البيَاض
ونتقوَّس
و سأرْسُم النَّعامَة .
*
مازال للعَوْدةِ إمكانُها
مثلما صرْنا ذات يوم : عَجِيبيْن
وقَبْلَ الإنْسان
أنت
أنا
مازال يمكننا سَماعُ الإِيجَاز
*
حين، البطْنُ، نعتَصرُها
ونأخُذُ مِن البيْضةِ الأرْض
حين، تضرِب حجَرةٌ حَجَرة
فرَحَها البطيء،
مِثْلما في كهْفِنا،
فِكْرة.
*
كهفُنا
يُنصِت
وحسْب.
{الجميلُ يَثْـغـو}
***
أفراح الجبالي - تونس








