عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

حيدر عبد الرضا: قراءة في رواية "ساعة في جيب الملك" لميسلون هادي

تراجيديا سردية عبر الزمن والمكان

توطئة: لعل إن القارئ النموذجي للنصوص الروائية يستخدم مرجعياته وآليات تأويله الخاصة بعيدا عن حجم المعولات على أهمية سياقات بعض النصوص إعلاميا وتسويقيا. إذن القارئ والقراءة بناء تأويل القارئ، وهو مؤسس على عملية مؤولات الناقد، وليس بالضرورة أن تلتقي مستويات المفاهيم التقويمية في مجال واحد من دائرة تصالح وجهة نظر الناقد الروائي. من المحتمل أن تكون فرضيات الكاتب الروائي لنصه محض استلهامات ذاكراتية اسقطتها إيصالات خيالات مفرطة في امتثالاتها لليومي والواقعي المعاش أو ذلك التاريخي المجلوب بلوغا لأهداف لم تخبرها صنعة الروائي بطريقة متماسكة ورصينة. لعلنا من هنا نقرأ ونحدد مؤديات رواية (ساعة في جيب الملك) لميسلون هادي.. إذ هي رواية تمت كتابتها وفقا لمقاييس ذاتية مفرطة من آليات نمطية يمكنها توظيفها داخل مساحة قصة قصيرة فحسب، كما ولا يتطلب أمر موضوعتها من ميسلون هادي تكريسها داخل محطات عمل روائي يقابل في أحسن أحواله حكاية سيرة ذاتية تحديدا.

ــ الوظيفة السردية والأداة الوصفية.

إن الرواية بوصفها إجمالا لا تقدم أحداثا وأفعالا، لذا فهي تقدم سردا روائيا، غير أن تلك الأحداث والأفعال تتطلب وجود سببية مقنعة في دائرة طاقة حدوثية جادة. ولكننا لم نعاين في سرد رواية (ميسلون هادي) سوى مجموعة حوادث تبدو من خلالها أحوال الشخوص والأشياء وكأنها مظاهر مجموعة صور وفقرات تم لصقها بشكل وآخر حتى تكتمل آليات النسيج السردي، كحال شخصية الوصي والملك ونور وإسماعيل باشا ونادرة وشخصية الأم. الرواية تتأسس على جملة حالات ذاكراتية يعوزها دقة الصياغة والسبك والاقناعية التي من شأنها تحويل المحتملات الذاكراتية إلى تصورات مؤولة تتسع وتستوعب رهانات معادلات الكتابة الحقة. يمكن للرواية أن تلخص وتسجل وتحفظ بعض القيم الصورية من ذاكراتنا، ولكنها في ذات الوقت تتطلب من الكاتب صنعة حقيقية في تدوين التفاصيل الأكثر شعرية في رسم المواقف والأحداث وعلاقات مسار نمو الحكي. ولو دققنا في وحدات الأحداث الروائية في رواية (ساعة في جيب الملك) لوجدناها تتلخص في عرض الوحدات الأكثر تفصيلا بحياة الشخصية نور وحياتها في مدينة لندن وحول علاقتها الهشة باسماعيل باشا ثم توافينا بأحداث عودتها من لندن إلى العراق حين مكوثها مع نادرة وحكاية ذلك التسجيل الذي تحكي فيه أمها إلى الطفلة سناريا كيفية مقتل عائلة الملك فيصل. عموما إن طريقة عرض التسجيل تمت بطريقة نمطية جدا، وقد عفى عليها زمن التقانات الروائية تماما، في الحقيقة إن رواية (ساعة في جيب الملك) هي الأرساليات السردية المتكونة من السرد والوصف على نحو راحت تنتج منه فضاءات الزمن والمكان بطريقة تشبه الهذيان بهوس مكونات الواقع والاستيهام: (في تلك الليلة التي سبقت فجر الثورة. جاء عبد الإله بساحر هندي إلى القصر يقوم بألعاب سحرية وبهلوانية تخدع وتظلل المشاهد / تضمنت تلك الألعاب نزع ساعة أحد الموجودين، ثم البحث عنها في كل الجيوب والعثور عليها في جيب الملك فيصل. / ص187 الرواية) على هذا النحو وذاك تواجهنا تقنيات السرد في أشكال ممجوجة من التحايل والحبكة. الرواية عبر ترتيبها للمحكي لا تقدم لنا سوى حكاية تشبه (الحدوتة ؟!) وهي بجملتها لا تعبر عن أي مستوى بؤروي ذات خيوط داخلية وخارجية محبوكة. تبدأ دلالات الرواية من خلال بنية استهلالية بعرض من خلالها شخصية الوصي عبد الإله ضمن خلفية دراماتيكية تتوزع بين أصداء العلاقة الخفية واستدعائية الزمن بروح المكان البانورامي: (هبط الأمير درجات قصر الرحاب متوجها إلى الطريق المؤدي نحو الشارع العام.. كان يسير متثاقلا ببطء، وأنا أسير بعيدا عنه بسكون.. فلا أسمع سوى صيحات الطواويس تنطلق بشكل زاعق في الظلام.. / ص5 الرواية) على هذا النحو تدور ارهاصات الفضاء الروائي بين العائلة الملكية وصوت (السارد الشاهد) ضمن تفاصيل تأخذ مداها التوتوري للزمن ونؤثثات مساحات الاسترجاع وخطاب الذاكرة المحفوفة بملامح الخوف الداخلي والخارجي.

ــ صور الموت والتمثيلات المعادلة في السرد.

ما جعلني ألتفت إلى مستوى جمالية إنتاج الحكي في الفقرات الخاصة من زمن عملية الأصغاء إلى تلك الحوارية الجارية ما بين الجدة وحفيدتها، هو ذلك الحكي الذي كان جاريا على لسان الجدة وهي تطيل من سرد حكاية عائلة الملك فيصل وكيفية اغتيالهم من خلال ثورة الضابط، ولكن الأدق في مسألة تلك الحكاية المنقولة هو ما يحدث بين الجدة وحفيدتها من لغة حوارية كانت تبلغ بذاتها مبلغا بلاغيا في الإيصال وحجم التأثير، والأكثر تأثيرا هو موت الجدة تزامنا مع وقائع شخوص الحكاية تعالقا مع أحدى الغارات الأمريكية التي كانت تدوي في سماء بغداد، فما كان للجدة سوى الخوف على حفيدتها من جراء الضربات الجوية الحاصلة حينذاك مخلفتا موتها المرشح على هيئة فاصلة غيابية في التسجيل حيث راح يتضاعف صراخ وبكاء على الحفيدة على حادث موت الجدة، فيما راحت الشخصية نور تطيل من البكاء والعويل في الوقت الذي تعلم به كيفية موت أمها أثناء سردها حكاية العائلة الملكية في ذلك التسجيل الذي قامت الشخصية نادرة بمتابعته منذ البدء والمنتهى.

ــ تعليق القراءة:

عموما نقول تختلط الصور والملامح بين الزمن الموضوعي والذاتي، لتزداد سمات مقاليد المكان أكثر بلوغا في جدران الذاكرة وتردد أصداء ذويها ضمن معالم الخوف والتيه والفقدان والاغتراب القدري الساحق. لقد حققت الروائية ميسلون هادي عبر فصول روايتها أثرا في موضوعة حكايتها ولكنها للأسف لم تقدم لنا آليات روايتها ضمن حدود تقانية مدعومة بشرائط المخيلة المدربة ولا من جهة الحالالات البنائية للنص ذاته، لذا بقيت روايتها محض صور وملامح تستعيد حكاية حزينة وعابرة على الخلود الروائي الابداعي الجاد والجديد.

***

حيدر عبد الرضا

في المثقف اليوم